حسين مصطفى

رغم المطالبات المحلية والدولية برحيل المرتزقة الأجانب عن التراب الليبي، وانتهاء مهلة سابقة لرحيلهم، إلا أن هذا الملف ما زال يراوح مكانه، في ظل اعتقاد مدفوع بمعطيات ميدانية، يشير إلى أن أطرافا دولية تمسك بمفتاح حل أزمة المرتزقة، التي تورطت فيها البلاد كنتيجة لهجوم قوات خليفة حفتر على العاصمة طرابلس في نيسان/ أبريل 2019.

وأطلقت الأمم المتحدة والحكومة الجديدة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، دعوات للدول بسحب مرتزقتها وقواتها من ليبيا، لضمان نجاح عملية المصالحة في البلاد.

ولكن ومنذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وإعطاء مهلة 90 يوما لرحيل المرتزقة، وبدل رحيلهم، عملت بعض مجموعات المرتزقة، مثل فاغنر الروسية، على تأمين مواقعها بحفر عدد من الخنادق في سرت والجفرة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، بعد أن كشفت قوات بركان الغضب مؤخرا أن هؤلاء المرتزقة يحفرون لمد خط أنابيب لنقل النفط من الجنوب إلى الشمال، ثم شحنه بحرا، ضمن تنازلات منحها حفتر لمرتزقة فاغنر للوصول إلى الموارد النفطية.

ورغم أن التقديرات كانت تشير في البداية إلى أن عدد المرتزقة كان يقترب من نحو ثلاثة آلاف، إلا أن تقارير أممية حديثة، إضافة إلى تصريح للمبعوثة الأممية، ستيفاني ويليامز، كشفت أن هؤلاء بلغ عددهم نحو 20 ألفا، ما يعني أن العدد زاد عقب انتهاء الهجوم على طرابلس
ويعتقد الكاتب الصحفي، علي أبو زيد، أن صعوبة ملف إخراج المرتزقة من ليبيا يتمثل في وجود الفاغنرالذين يمثلون وجودا روسيا غير رسمي، والذي تستخدمه روسيا لتكون طرفا مهما ومؤثرا في الأزمة الليبية.

وشدد في حديث خاص لـعربي21″ أن السلطة الجديدة ما زالت تتخذ موقفا باهتا وليّنا من حفتر الذي ينوي بين قواته جعل العدد الأكبر من المرتزقة، وهو ما يجعل كثير من الدول تتعامل بحذر مع هذه السلطة التي يُخشى أن تكون عاجزة عن تنفيذ مهامها، رغم كل الدعم المعلن.

ورأى أبو زيد أن عدم حزم السلطة فيما يخص هذا الملف يدفع الدول التي لديها قوات على الأرض غير جادة في إخراجها؛ لأنها ما زالت ترى في هذه الحكومة طرف غير موثوق لضمان مصالحها“.

وفي تقديره، قال الكاتب الصحفي إن أولى الخطوات التي ينبغي أن تخطوها السلطة الجديدة في هذا الملف يتمثل في توحيد المؤسسة العسكرية، واتخاذ موقف واضح من حفتر، ومطالبة الدول التي لديها مرتزقة في ليبيا أو قوات موجودة بشكل غير قانوني أن تخرجها، وذلك لتكوين موقف دولي حقيقي يدعم هذا التوجه، ويضغط على الدول المعنية“.

عضو مجلس الدولة الليبي، عادل كرموس، قال إن دولا بعينها تمسك بملف المرتزقة في ليبيا؛ لضمان مصالحها في إطار أي تسوية مستقبلية للأزمة الليبية.

وأضاف أنه  لا شك أن الأزمة الليبية ليست أزمة محلية أو شانا ليبيا صرفا، مضيفا أنه وبغض النظر عن دعم المشروع العسكري في ليبيا من بعض الدولة المعادية للربيع العربي، وتدخلها المباشر في الشأن الليبي، فإن دخول تركيا إلى ليبيا عن طريق الاتفاقية البحرية غير وجه الصراع من دعم مشروع معين إلى الحفاظ على المصالح وتبادل الأدوار“.

وقال كرموس، في حديث خاص لـعربي21″، إن هزيمة مشروع العسكر على العاصمة، واندحارهم حتى مدينة سرت، وتوقف القتال هناك، لم يكن بإرادة ليبية خالصة، ولا بموافقة ليبية من طرفي الصراع، وبالتالي كان لزاما تعزيز تواجد المرتزقة، وتحديدا الروس؛ لغرض ضمان بعض المصالح، سواء في ليبيا أو خارجها.

وفي رأيه، يبدو أن التوافق أو الاتفاق على توزيع هذه المصالح لم ينضج بعد، وعليه فإنه لا يوجد أي دور لهذه الحكومة إلا من خلال السعي لتحقيق هذا التوافق لكي تضمن صدور الأوامر من تلك الدول بخروج مرتزقتها من ليبيا أو إنهاء تواجد قوات من كان تواجده بشكل شرعيوفق قوله.

**********

ورقة ضغط على الحكومة الجديدة

ملف المرتزقة في ليبيا أكبر التحديات أمام الدبيبة

دعوات متكررة أطلقتها الأمم المتحدة والحكومة الجديدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تطالب الدول بسحب مرتزقتها وقواتها من ليبيا، لضمان نجاح عملية المصالحة في البلاد.

لكن منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، لم تستجب الدول لهذه المطالب، بل عملت بعض مجموعات المرتزقة مثل فاغنر الروسية، على تأمين مواقعها بحفر عدد من الخنادق في سرت والجفرة.

حث مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة، الدول التي لديها قوات ومرتزقة في ليبيا على سحبها دون تأخيركما ينص اتفاق وقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة في البلاد.

كما دعا رئيس الوزراء الليبي المكلف، عبد الحميد الدبيبة، الثلاثاء، قوات المرتزقة والمقاتلين الأجانب المتواجدين في البلاد إلى المغادرة، مؤكدا عزمه التواصل مع الأمم المتحدة بهدف رحيل هذه القوات.

وقال الدبيبة في كلمته أمام النواب: “المرتزقة خنجر في ظهر ليبيا، ولابد من العمل على إخراجهم ومغادرتهم، وهو أمر يتطلب الحكمة والاتفاق مع الدول التي أرسلتهم“. وأضاف سنتصل مع بعثة الأمم المتحدةلبحث إخراج هذه القوات.

تحدي كبير

ويرى المحلل السياسي، السنوسي إسماعيل، أن استمرار وجود المرتزقة في البلاد يمثل تحديا كبيرا أمام حكومة الدبيبة، ستخلق الكثير من العراقيل في طريقها لتحقيق السلام في البلاد.

وأضاف إسماعيل في تصريحات لموقع قناة الحرةأن بعض الأطراف ستستخدم وجود المرتزقة كورقة ضغط على الحكومة الجديدة. وأكد أن استمرار المرتزقة سيضع مصداقية المجتمع الدولي والأمم المتحدة على المحك، وسيزيد من صعوبة تحقيق مخرجات الحوار الوطني في جنيف.

وقال الخبير العسكري، عادل عبد الكافي، إن انتشار هذه المرتزقة سيمثل عبئا كبيرا على الحكومة الجديدة، وأكد أن هذا هو أكثر الملفات الشائكة أمامها، ويمثل تحديا كبيرا للحكومة والمجتمع الدولي، وتحديدا المرتزقة الروس الذين ينتشرون في الأماكن الاستراتيجية بالبلاد وحول حقول النفط وموانئ التصدير.

وأكد عبد الكافي في تصريحات لموقع قناة الحرةأن حل هذا الملف الشائك يقع على عاتق مجلس الأمن والولايات المتحدة، من خلال دعمهما عملية الاستقرار والحل السياسي والضغط على الدول الأجنبية بسحب قواتها.

وليبيا غارقة في فوضى غذتها التدخلات الأجنبية منذ سقوط نظام معمر القذافي في العام 2011، وتشهد نزاعا بين سلطتين: حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة والتي تتخذ طرابلس مقرا، وسلطة يجسدها خليفة حفتر الرجل القوي في شرق البلاد.

وكان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر، دعا إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة في غضون ثلاثة أشهر والالتزام بحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وهي البنود التي لم يتم الوفاء بها.

بحسب الأمم المتحدة، لا يزال هناك زهاء 20 ألف جندي ومرتزقة في ليبيا نهاية عام 2020 ولم تلاحظ حتى الآن أي حركة انسحاب.

وهي في الغالب موزعة حول سرت، حيث يقع خط الجبهة منذ منتصف يونيو، وإلى الجنوب في قواعد جوية رئيسية لا سيما في الجفرة، على بعد 500 كم جنوب طرابلس لصالح الموالين لحفتر، وإلى الغرب في الوطية (الموالية لحكومة الوفاق الوطني)، أكبر قاعدة عسكرية على الحدود التونسية.

وأشهر هذه المجموعات، مرتزقة فاغنر الروسية التي أرسلتها موسكو لدعم حفتر، والمرتزقة السوريين الذين جلبتهم تركيا لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، كما يوجد مرتزقة سوريين يدعمون حفتر تمولهم موسكو، ومرتزقة من تشاد وتونس وبعض الوجهات الإفريقية الأخرى مثل دارفور.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، بلغ عدد المرتزقة السوريين الذين أرسلتهم أنقرة إلى الأراضي الليبية حتى الآن، نحو 18 ألفا، من بينهم 350 طفلا دون سن الـ18، وعاد منهم نحو 10750 إلى سوريا، بعد انتهاء عقودهم وأخذ مستحقاتهم المالية، بالإضافة إلى 2500 آخرين يحملون الجنسية التونسية.

وأكد إسماعيل أن النفوذ التركي الروسي في ليبيا أصبح يشكل قلقا لأوروبا وأميركا والدول المجاورة، وأنه يتوقع زيادة الضغط عليهما لسحب قواتهما من البلاد.

وأوضح أن ملف المرتزقة والقوات الأجنبية في ليبيا أصبح أكثر تعقيدا، بسبب ارتفاع أعدادها بشكل كبير، وظهور المصالح التي جاءت من أجلها.

ورقة ضغط

بينما أشار عبد الكافي إلى أن خليفة حفتر وقيادات الشرق سيعملون على استمرار المرتزقة الروس في البلاد، وسيرفضون خروجهم في الفترة القادمة، حتى لا ينهار مشروعهم الهادف للسيطرة على الدولة الغنية بالنفط.

وأوضح أن قيادات الشرق تعتمد على المرتزقة الروس كورقة ضغط على الحكومة، لضمان وجودهم في المشهد السياسي في ليبيا.

يوم السبت، قال الناطق باسم غرفة عمليات سرت الجفرة التابعة لحكومة الوفاق عبدالهادي دراه، لقناة الحرةإن مرتزقة فاغنر والجنجويد عادوا إلى مدينة سرت، الجمعة، بعد انسحابهم منها قبل انعقاد جلسة البرلمان الليبي لمنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية.

وأوضح دراه أن مقاتلي الشركة الروسية عادوا إلى معسكري القرضابية والجالط في سرت صحبة مجموعات من مقاتلي الجنجويد على متن 12 حافلة. وأضاف أن انسحابهم السابق كان لمسافة 6 كيلومترات نحو شرق مدينة سرت وبشكل مؤقت قبل العودة من جديد عقب انتهاء جلسات البرلمان.

من جانب آخر، نفى مصدر عسكري رفيع في قوات الجيش الوطني، الذي يقوده خليفة حفتر، لقناة الحرة، السبت، هذه التصريحات ووصفها بأنها تصريحات مكررة تعكس مساعي مجموعات حكومة الوفاق المسلحة للحصول على مكاسب معينة أو تعطيل العملية السياسية وإلقاء اللوم على الجيش حسب تعبيره.

وفي يناير الماضي، كشفت صور للأقمار الصناعية أن قائد قوات الجيش الوطني الليبيخليفة حفتر، ومرتزقة فاغنر الروس الداعمين له، يقومون بحفر خندق ضخم حول مدينة سرت باتجاه قاعدة الجفرة معقل المرتزقة الروس، ما يؤكد أن مرتزقة فاغنر لا تنوي الخروج من ليبيا خلل الفترة المقبلة، وتنوي الاستقرار على المدى البعيد، وفقا لقناة سي إن إن“.

وأظهرت الصور عن سلسلة من أكثر من 30 موقعًا دفاعيًا تم حفرها في الصحراء وسفوح التلال التي تمتد لنحو 70 كيلومترًا. كما تظهر تكتلات دفاعية حول قاعدة الجفرة الجوية، وكذلك مطار براك جنوبًا، حيث تم تركيب وتحصين دفاعات الرادار الظاهرة.

الإرادة الدولية

ويرى إسماعيل أن ما يحدث على الأرض يشكك في إمكانية خروج هذه المرتزقة في الوقت القريب، وأكد أن المرتزقة القادمة من دارفور أصبحت تفضل الاستمرار في ليبيا من العودة إلى أراضيها، لأن التواجد في ليبيا، سيمكنها من السيطرة على طرق تهريب البشر والوقود.

وأكد عبد الكافي أن المرتزقة الروس يمتلكون أسلحة متقدمة من الجيل الثالث والرابع مثل بعض الطائرات العمودية وطائرات سوخوي 24″ ومنظومة الدفاع بانتير، مشيرا إلى أنهم يقومون بحفر الخنادق وتفخيخ الطرق بين السرت والجفرة بحقول من الألغام.

وقال إسماعيل إنه من المرجح أن قوات فاغنر التي تسيطر على الخط الفاصل من سرت إلى الجفرة، والذي يفصل الشرق والغرب، تقوم بحفر هذه الخنادق من أجل توصيل أنابيب النفط، مشيرا إلى أن استمرارها في البلاد يرجع في رغبتها في التوسع في إفريقيا والسيطرة على تجارة الوقود والألماس في القارة.

وشدد  أنه على حكومة الدبيبة توحيد القوى العسكرية في البلاد، لاستخدامها في مواجهة هذه المرتزقة في حال رفضت الخروج من البلاد، متوقعا حدوث مواجهات عسكرية مع هذه المرتزقة.

ويعتقد عبد الكافي أن الحكومة يمكنها بدء مسارات سياسية مع مجلس الأمن وإدارة الرئيس جو بايدن، لاستكمال المسار السياسي ولم شمل الليبيين، حتى تستطيع الحكومة الجديدة تحجيم الدور الروسي في البلاد باستخدام ثقلها السياسي والعسكري، وإخراج مرتزقة فاغنر.

وأكد أنه بدون وجود إرادة دولية من مجلس الأمن والولايات المتحدة، لا يمكن طرد المرتزقة من البلاد.

_______________________

مواد ذات علاقة