سودارسان راغافان

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرًا عن زيارة قام بها مراسلها إلى طرابلس تحدث فيه عن التغيير الذي شاهده، وما وصفه بتفاؤل الليبيين بالتسوية الأخيرة ونزع فتيل الحرب، ويستعرض المقال ما يجري في ليبيا من خلال رحلة الحافلة رقم 70 أحد خطوط العاصمة.

في أحد الأحياء التي عانت من أعمال العنف والقتل، تعبرُ الحافلة 70 تقاطعًا وتتوقف على جانب الطريق، يترجّل منها مقاتل يرتدي زيا عسكريا، وتصعدُ أمّ وابنها المراهق إلى الحافلة، ثم تُغلق الأبواب وتواصل الحافلة مسيرها، إنها رحلة أخرى عبر لوحة من الألم والتجديد على وشك أن تبدأ، وهي رحلةٌ لا يزال محمد جمعة يرى أنها غير قابلة للتصديق.

حيث قال محمد جمعة، 41 سنة، الذي يستقلّ الحافلة كل يوم إلى عمله في ورشة ميكانيكية: “كنا في حرب دمرت كل شيء من حولنا لذلك، وعندما رأينا الحافلة لأول مرة، لم نصدق ذلك”.

لا يوجد شيء ملفت للنظر في مظهر الحافلة 70 فهي حديثة الصنع باللونين الأزرق والأبيض تنقل الركاب على طول الخط 83 ، وهو طريق طويل ومغبر يربط وسط مدينة طرابلس بضواحيها، لكن على امتداد 11 كيلومترا، حيث دمر الصراع منازل وأرواح لا حصر لها، وحيث يصلي الليبيون؛ من أجل أن تحقق الحكومة الجديدة الاستقرار الذي يتوقون إليه أصبحت الحافلة رمزًا للأمل في عاصمة في أمسّ الحاجة إليه.

قال ماجد بو خطوة، 23 عامًا، الذي شاهد الحافلة وهي تمر بجواره: “عندما ترى الحافلة مليئة بالناس، يبدو أن هناك مزيدًا من الأمن وأن الناس يعودون إلى منازلهم”.

كان مشغولاً بإصلاح محله لبيع السجائر الذي تضرر من سقوط القذائف وتحويله إلى مطعم للوجبات السريعة.

بدأت الحافلة 70 السير على هذا الخط في سبتمبر بعد أن استوردتها الشركة من الصين، إلى جانب 34 مركبة أخرى على أمل الاستفادة من انتهاء الحرب لاستعادة الحياة.

قال السائق نصر الدين بيوض، وهو رجل طويل نحيف يرتدي زيًا داكنًا وقناعًا طبّيًا: “عندما يصعد الركاب على متن الحافلة؛ أبتسم وأقول دائمًا “صباح الخير أو مرحبًا، فأحيانًا الكلمة الطيبة تجلب الفرح”.

يَعتبر بيوض وظيفته بمثابة واجب، وتتيح أجرة الدينار، حتى لمن تضرروا بشدة من الحرب الذهاب إلى العمل أو المدرسة – أو إصلاح منازلهم، وقال بيوض: “إذا لم يكن لدى أحد أجرة الركوب، ما زلت أسمح له بالصعود”.

وتضيف كل رحلة لهذه الحافلة طبقة أخرى من الإيمان بليبيا الجديدة وقال: “بإذن الله وبجهودنا؛ نمنح الثقة للناس ليعودوا إلى ديارهم”.

منذ وقت ليس ببعيد؛ كان طريق بيوض يمر عبر واحدة من أكثر ساحات القتال دموية في طرابلس. حيث أمطرت قذائف الهاون والمدفعية المنازل والمتاجر كل يوم لمدة عام تقريبًا، كان القناصة الجاثمون فوق المباني يطلقون النار على كل من يُعتبر عدوًا، ولهذا فرّ الآلاف من منازلهم.

الآن، وقد انتهت معركة طرابلس؛ هناك شعورٌ جديد بالأمل لم يسبق له مثيل في السنوات الأخيرة. وحلت حكومة مؤقتة جديدة، تشكلت في مارس، محل حكومتيْن متنافستيْن، واعدة بإجراء انتخابات بحلول نهاية العام.

تشقّ الحافلة 70 طريقها عبر هذه المناطق المدمرة، وتعبُر عين زارة ووادي الربيع، حيث تعود الحياة الطبيعية إلى سابق عهدها، وعندما ينظر الركاب إلى النوافذ المتربة للحافلة، فإنهم لا يزالون يرون وطنهم في مكان ما بين ماضيه ومستقبله.

واصلت الحافلة، بعد ذلك، مرورها بورشة الميكانيكا، حيث كان جمعة يقف بالخارج مع زملائه في العمل في الورشة التي أعيد فتحها قبل شهر واحد فقط، وكان لا بد من إصلاح السقف الذي مزقته قذيفة هاون واستبدال الأدوات التي سرقها مقاتلو التشكيلات المسلحة، قبل النزاع؛ كانت الورشة تخدم ما يصل إلى 15 سيارة في اليوم. أمّا الآن فهناك سيارتان فقط في المرآب.

يقول نزار جمعة، صاحب الورشة البالغ من العمر 29 عامًا: “الكثير من الأشخاص الذين فقدوا منازلهم لم يعودوا بعد فليس لديهم المال لإعادة بنائها”.

ومع ذلك؛ منحه تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الثقة. فقال، وهو يقف بجانب جدارٍ ما زال مغطى بكتابات الحرب التي تحمل أسماء المقاتلين ومدنهم وقبائلهم، وقال: “إنها خطوة جيدة، حكومة واحدة للبلاد”.

عندما تحركت الحافلة 70 على الطريق، انطلقت بسرعة، مرورًا بصف من المحلات المحترقة والمنازل المهجورة ذات الأسقف المنهارة، ثم افتُتح، مؤخرًا، كشك لبيع الفاكهة ومتجر أثاث، بين الحين والآخر؛ كانت تأتي أصوات الطّرْق من المتاجر التي يتم إعادة ترميمها.

مرت الحافلة بمتجر ملابسٍ متضرر تملكه عائلة فتحي جمعة الذي كان يشرف على العمال الذين يسحبون العوارض الخشبية، “في بلدان أخرى عادة نرى مثل هذه الحافلات، لكن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها واحدة هنا” قال فتحي، 25 عامًا، “إنها علامة على أن الأمور تتحسن”.

وأضاف: “إنه يخطط لإعادة فتح المتجر في غضون 20 يومًا، وما علينا إلاّ أن نصلّي حتى يكون آخر الأحزان”.

حذْو القادة داخل الحافلة، بالقرب من الخلف، جلس عبد الرزاق عبدو، 61 عامًا، كان رجل الأعمال المتقاعد أقل تفاؤلاً، وكان حذرًا من قادة ليبيا الجدد: مثل رئيس الوزراء الجديد، عبد الحميد الدبيبة، رجل الأعمال الملياردير الذي تُلاحقه مزاعم الفساد مع أنه ينفيها.

قال عبدو: “سنرى بعد ثلاثة أو أربعة أشهر كيف سيتصرف الدبيبة”، ويُردف، “الإنسان ليس مجرد ملاك أو شيطان”.

وحثّ عبدو، الولايات المتحدة والدول الأوروبية على مزيد من الانخراط في الشأن الليبي، وإلا كما يقول، فإن السياسيين وزعماء القبائل الذين لديهم “عقلية البحث عن مصالحهم الخاصة” سوف يعيقون أيّ تقدم.

أبدى عبدو، قلقًا بشكل خاص من المرتزقة الروس من مجموعة فاغنر المدعومة من الكرملين، والذين ما زالوا في البلاد. وقال: “العقبة الوحيدة أمامنا هي فاغنر والأهم هو أن الدب الروسي يجب أن يتوقف عن تدخله في حكومتنا”.

الكثير من العقبات

اجتازت الحافلة 70 المكان الذي كان فيه الطريق مقطوعا من قبل بساتر رملي يشير إلى خط الجبهة، فمن جهة كانت قوات حفتر، ومن جهة أخرى، مجموعة من التشكيلات المسلحة التي تدعم حكومة الوفاق التي نصبتها الأمم المتحدة في طرابلس، وفي السماء حلقت طائرات مسيّرة تركية وصينية. اليوم، هذا المكان هو موقع لمتجر مستلزمات الحدائق الذي يبيع الأسمدة والنباتات والبذور وماكينات جز العشب، كما تم افتتاح مخبز في مكان قريب، وعلى مقربة من الطريق ظهر مبنى به فتحات بحجم كرات البولينغ في جدرانه نتيجة رميه بقذائف الهاون والمدفعية.

هذا المكان؛ مدرسة اسمها الدار البيضاء، حيث كانت الجهود جارية لتعليم 1500 طالب تتراوح أعمارهم بين 6 و 15 عامًا.

وقد أعيد افتتاح المدرسة في سبتمبر بعد أن دفع المدرسون وأولياء الأمور تكاليف تنظيف الحطام وآثار الحرب، واستبدال الكتب والمكاتب، وتمويل الرواتب، لكن العائلات التي لم تعد قادرة على تحمل رسوم أطفالها لم يتم استبعادها من التعليم.

قالت أنيسة الغرياني، مديرة المدرسة، التي كانت ترتدي حجابًا برتقاليًا ولها مظهر صارم: “نحن ندفع للأطفال الفقراء من جيوبنا وآمل أن تتم إعادة بناء مدرستنا ذات يوم”.

وحتى الآن لم يعد إلى العمل العديد من المعلمين الذين شردهم النزاع ودمرت منازلهم، فحياتهم الشخصية على الرغم من بعض التحسن، لا تزال صراعًا مع الأوضاع الصعبة.

وفي هذا؛ تقول المديرة: “الحياة الآن باهظة الثمن، ونواجه الكثير من العقبات”.

رؤية المستقبل

على متن الحافلة، كان مستقبل ليبيا يملأ المقاعد.

قفز إلى الحافلة ستة طلاب يرتدون الزي الرسمي باللونين البني والأبيض ويحملون حقائب ظهر، وفي الجوار جلست أمٌّ وابنتها المراهقة، وهي ترتدي الحجاب الوردي. وسرعان ما انضم إليهم عمار الشريف، 24 عامًا، وابتسامة عريضة على وجهه على الرغم من الشظية التي قال إنها لا تزال مغروسة في ظهره من هجوم بقذائف الهاون. أطلق عمّار السلام محييا كل الركاب.

وكان متجهًا إلى وظيفة بسيطة في متجر بوسط البلد؛ فهو مثل العديد من الشباب الليبيين، كان يفتقر إلى فرص الحصول على تعليم جيد أو مهنة مستقرة وقال: “نأمل أن يعتني رئيس الوزراء الجديد بكل الليبيين”.

سرعان ما أصبحت الحافلة 70 عالقة في حركة المرور المزدحمة، وهو في حد ذاته مؤشر على حياة جديدة في المدينة حيث بدأ الناس في العودة والسفر حولها بخوف أقل.

زحفت حركة المرور مرورا بمتجر أحذية حيث كانت أكياس الرمل مكدسة عالياً أمام النافذة الكبيرة قبل عام. وكان مقاتلو التشكيلات المسلحة قد أقاموا نقاط تفتيش هناك.

كان معظمهم في سن صغيرة مثل سالم ياسين، 27 عامًا، الذين جلسوا داخل المتجر على أمل قدوم الزبائن.

وقال: “إذا تمكنا من التخلص من جميع التشكيلات المسلحة، فسوف تحل مشاكلنا”، لكنه كان متشككًا في قدرة القادة الليبيين الجدد على نزع سلاح المقاتلين ودمجهم في الجيش أو الشرطة.

سرعان ما وصلت الحافلة 70 إلى محطة أخرى، على بعد حوالي 90 مترًا من المتجر، بالقرب من مجموعة من المهاجرين الأفارقة الذين يمسكون بالأدوات، ويبحثون عن عمل لترميم المنازل.

قفز الطلاب من الحافلة، ومع صعود ركاب جدد؛ ابتسم السائق بيوض ورحّب بهم.

__________

واشنغتن بوست

مواد ذات علاقة