أجرى الحوار محمد القزاز

تشهد المنطقة العربية أحداثا متلاحقة، بوسعك أن تختار يوما من أيامها لتخبرك بما حدث فيه من سقوط قتلى أو اعتداء على حدود وطن. أيامنا العربية حبلى بالكوارث والأزمات والصراعات، انظر إلى شهر مارس الذى مرّ منذ أيام ليخبرك بأنه شهر سقوط العراق وانزلاق سوريا إلى أتون حرب لم تخرج منها حتى الآن.

الجزء الأول

الأيام العربية تزاوجت مع الأيام العالمية، فأنجبت لنا مولودا قاتلا اسمه كورونا، صار حديث كل الناس وشاغلهم، غيّر العالم وسيغيّره أكثر. لكن ما الذى فعلته بنا كورونا، وما الذى فعلته بنا الأيام العربية.

ضيف حوارنا اليوم الدكتور غسان سلامة، الوزير اللبنانى الاسبق والمفكر والأكاديمى، ومبعوث الأمم المتحدة السابق فى ليبيا، عاصر كثيرا من تلك الأيام، كان فى بعضها فى قلب الحدث صانعا ومحركا، وكان فى بعضها الآخر محللا لاسباب حدوثها وكيفية الخروج منها.

وفى حواره مع الاهرام، تناول سلامة العديد من القضايا الساخنة على الساحتين العربية والعالمية، مؤكدا أن وضع ليبيا اليوم أفضل بكثير، مشيرا الى ان ذلك نتاج عملية تراكمية ومنظومة وضعت فى مطلع العام 2020، وأن لبنان الذى عرفناه لن يعود، وما نراه من خلافات ظاهرة فى العلن بين الطبقة السياسية به مصطنع، مشددا على أن البديل الحقيقى لمبادرة السلام العربية هو دولة ذات جنسيتين.

وقال ان الحرب الباردة لن تتكرر، ومن الخطأ الشنيع الاعتقاد بأننا سنرى شيئا شبيها بين أمريكا والصين .. وإلى الحوار

فى ظل جائحة لم يشهدها العالم منذ مائة عام، كيف تقرأ الوضع الآنى والمستقبلى للعالم؟

رأينا فى فترات سابقة الجوانب المضيئة للعولمة، الآن نرى الجوانب المؤسفة لها، فانتقال الأشخاص وزيادة التواصل عبر الكرة الارضية اللذان يشكلان جوهر العولمة وجدنا أنهما يسهلان أيضا انتقال العدوى عبر الحدود، وهذا ما حدث مع جائحة كوفيد١٩، هى كانت ظاهرة محلية لكنها أصبحت عالمية بسرعة، وأصابت عددا من الدول البعيدة عن المكان الأول لظهورها، وهذا يشير إلى الجوانب المظلمة من العولمة، وهو أن هناك قوى منها الفيروس تتمكن من عبور الحدود دون أن يوقفها أحد، بينما ليس هناك فى المقابل تعاون كاف بين الدول لضبط هذا الانتقال غير المنظم للفيروسات، واعتقد أنه كان هناك مستوى عال من المفاجأة لهول الفيروس وقدرته على تجديد نفسه، وقدرته على الانتشار وإعادة الانتشار بعد مكافحته عند مختلف الدول لا سيما الدول المتقدمة، وأعتقد أنه خلال العقود الأخيرة استكان العالم إلى نوع من  قراءة التفاؤلية للكرة الأرضية ولإمكانيات الإنسان والسيطرة على الطبيعة، ولإمكانات الحداثة والسيطرة على ما يهدد صحة الناس بثورة ثانية.

ما المطلوب إذن؟

المطلوب إعادة النظر لهذه الصورة المفرطة بالتفاؤل بقدرة الإنسان على التحكم فى الظواهر الطبيعية، ونحن الآن فى مرحلة الإقرار، فكان علينا أن نخرج من حالة الإنكار إلى حالة الإقرار، فالإنسان على الرغم من تطور الطب والعلم والحداثة عاجز عن تملك أو عن التحكم التام فى الظواهر الطبيعية، وهذه مسألة فلسفية، لكن هناك مسألة سياسية أيضا وهى أن القبول بانتشار وتوسع إطار العولمة يقتضى التفاهم على الطرق والسبل للتحكم فيها عندما تأخذ اتجاها سيئا وهذا ما كشفته الجائحة، وبالتالى من الأخطاء السياسية الكبرى التى اقترفها جيل ما بعد الحرب الباردة، هو ترك قاطرة العولمة تسير بالسرعة التى تشاء دون التفكر فى ضوابط لها عندما تخرج عن المسار الذى رسمه الناس لها.

بناء على ما سبق كيف سيكون شكل النظام الدولى القادم؟

مياه النهر لا تمر مرتين، نحن عشنا ما بين 1945 و1989 حربا باردة بين جبارين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، من الخطأ الشائع والشنيع الاعتقاد بأننا سنرى شيئا شبيها الآن بين الولايات المتحدة والصين.

لماذا؟

لأسباب كثيرة، أولها وأهمها هو أن الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة كانا يديران ظهريهما لبعضهما، لم يكن هناك تواصل وتجارة وتبادل خبرات، وبالتالى كانت الحرب الباردة ممكنة، لأن كلا الجبارين كان يعيش فى محيطه وإلى جانبه يحيط به أقزامه وغلمانه، أما الآن فالأمر مختلف جوهريا، إن الترابط والتواصل بين الاقتصادين الغربى والصينى، من الأهمية بمكان، لدرجة أن حصول توتر حقيقى بين هذين الطرفين، وتفكك عرى التواصل المالى والاقتصادى والاستثمارى بينهما، سيصيب الطرفين بمخاطر هائلة، وسيضعف الطرفين فى النظام العالمى، وهنا انتقد هذا القطع عند عدد من الزملاء فى الجامعات الأمريكية لمجرد نقل صورة الحرب الباردة إلى الحالة الجديدة مع الصين، ثمّ هناك شيء آخر، أمريكا كان يحيط بها غلمانها وموسكو أيضا، الآن الصين يواجهها فى مكانها عدد من القوى المتضررة من صعودها ومحاولاتها التحول إلى القوى الكبرى، فهناك اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وإندونيسيا، وهناك الهند خصيصا، كل هذه القوى ليست قوى بسيطة، أو قوى يمكن للصين أن تتجاوزها بسهولة، وبالتالى هناك فارق آخر فى الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتى، وهو أن ميزان القوى داخل الإقليم الآسيوى ليس محسوما لمصلحة الصين بصورة واضحة، إذ إن هناك ممانعة ومقاومة للنفوذ الصينى لدى مختلف هذه القوى.

ظهر العداء واضحا بين الولايات المتحدة والصين فى عهد ترامب، هل سيكون بنفس صورته مع الإدارة الجديدة؟

أنا أعتقد أن الإدارة الجديدة قررت منذ اليوم الأول لوصولها أن تتبنى على الأقل النظرة التى كانت سائدة أيام ترامب تجاه الصين، لأن هذه النظرة لها صدى فى الرأى العام الأمريكى، وبالتالى فالإدارة الجديدة لا تريد أن تعطى صورة عن نفسها بأنها أضعف فى مواجهتها للصين من إدارة ترامب.

لكن الأيام والأسابيع المقبلة سوف تظهر للإدارة الأمريكية أن انسحاب الصورة على الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتى مستحيل، وبالتالى عليهم تطوير صورة أخرى لهذا الجبار الآسيوى الصاعد تقوم على فكرة التكامل الاقتصادى والتنافس الإستراتيجى فى الآن معا.

يظن غير المتابع أن إدارة بايدن بدأت بترميم الكثير من العلاقات المتوترة أو مناطق الأزمات، خاصة فى منطقتنا، تقارب تركيا، الوضع الليبى، تطورات الأزمة اليمنية وغيرها، فهل يُنسب ما يحدث لإدارة بايدن؟

نعم ولا، فإدارة بايدن لم تكتمل حتى الساعة، وثانيا، لم يمر عليها زمن كاف لكى يتم كل ما نراه الآن، ثالثا أن الولايات المتحدة صحيح أنها الدولة الأقوى فى العالم لكنها ليست قادرة على كل شيء، فهناك دول تحررت بشكل كبير، وبالتالى بالطبع هناك أمور تأخذ بعين الاعتبار ما هو حاصل فى أمريكا، لكنها لا تأتمر بالضرورة بما تريده أمريكا، فدون شك هناك دول منخرطة فى الحرب فى اليمن، اليوم تقول إنه لن تجد التفاهم الذى كان موجودا فى الإدارة السابقة وبالتالى فمن الأفضل لى أن أبحث عن حل، تركيا، من الواضح أن العلاقة الشخصية بين أردوغان وترامب لن تتكرر مع بايدن، حيث كان هناك نوع من تآلف فى الرؤية، ومن ثمّ أخذ أردوغان علما بذلك، وبدون أدنى شك حاول أن يطور أو يهدئ من غلوائه ومن النزاعات التى نشبت حول تركيا.

الآن هناك عملية مقاربة جديدة للإقليم الذى وجدت تركيا نفسها فيه، هناك من أخذ علما بتوجهات الإدارة الأمريكية ولم يأخذ أمرا منها وهذا فارق كبير، فأنت تأخذ علما بتوجه الإدارة الأمريكية وتتأقلم معه وهذا ما فعله عدد من الأفرقاء فى الساحة الشرق أوسطية، حتى نيتانياهو أخذ علما بهذه التوجهات بعد أن غادر حليفه الكبير البيت الأبيض وعليه أن يسعى إلى سياسات أخرى.إيران بالطبع كانت الأولى بأخذ العلم بتوجهات هذه الإدارة، وأنه بالإمكان ربما التفاهم مع الإدارة الجديدة بعودة الطرفين الإيرانى والأمريكى إلى حظيرة الاتفاق النووى لسنة 2015.

كنا نشعر فى عهد ترامب بأننا نعيش لحظات توتر تاريخى، فهل ما سبق من توترات بين الدول الكبرى كاشف لما هو قادم؟.

هذا التوتر الذى نشهده بدأ قبل وصول ترامب إلى الرئاسة، بدأ مع مطلع العقد الثانى من هذا القرن، لقد بدأ عدد من الدول فى التحرر من هذه الصورة التى تكاد تجعل من المجتمع الدولى والغرب نوعا من صنوين: رأينا ذلك أولا فى روسيا واحتلالها جزيرة القرم ثمّ التدخل المباشر فى الحرب الأوكرانية، رأينا ذلك فى مياه بحر الصين الجنوبية عندما رأينا الصين تبنى الجزر الصناعية هناك وتضع عليها قواعد عسكرية رغم أنها فى مناطق مائية متنازع عليها مع فيتنام ومع إندونيسيا والفلبين، فرأينا إذن الدول الكبرى تقدم على عمليات، من المعروف أن الغرب لا يوافق عليها، ولن يتمكن أو لا يرغب فى توقيفها عن ذلك، ورأينا لاحقا عددا من الدول الأخرى التى رأت أن الدول الكبرى تحررت من الآمر الناهى فى واشنطن وبدأت تحذو حذوها وهذا ما حدث فى منطقتنا أيضا لا سيما على يد إسرائيل وتركيا وإيران وغيرها من الدول القادرة التى باتت ترى أن روسيا والصين تتصرفان بطريقة قد تكون مخالفة للقانون الدولى والأعراف الدولية، وليس هناك من يوقفهما، فشهدنا نوعا من التآكل فى القانون الدولى وبالتالى على قدرة مجلس الأمن الدولى على ضبط الأمور هنا وهناك، لأن مسلك الدول الكبرى لم يعد نموذجيا، وبالتالى هيبتها على الدول الأقل قوة تآكلت أيضا .

________

مواد ذات علاقة