نورة الحفيان

في الرابع والعشرين من مارس 2021، شهد المشهد الميداني الليبي حدثاً بارزاً، تمثل في تصفية “ضابط الإعدامات” محمود الورفلي المطلوب الأول لدى المحكمة الجنائية الدولية، وذلك على إثر إطلاق الرصاص عليه من طرف مسلحين مجهولين في مدينة بنغازي وفق تقارير إعلامية وما تم التصريح به من طرف المتحدث الرسمي باسم ميليشيا حفتر.

الجزء الأول

أكد المتحدث هذا الخبر بقوله: “نؤكد خبر اغتيال المقدم محمود الورفلي (42 عاما) أحد رموز القوات الخاصة”، مطالبا جميع الأفراد التابعين لما يسمى القوات الخاصة التي كان محمود الورفلي قائدها بضبط النفس وعدم الانجرار وراء الفتن بحسب وصفه، مشددا على ضرورة اتباع تعليمات القيادة العامة وتعليمات آمر القوات الخاصة، متوعدا بالرد على مقتل الورفلي.

وتفيد رواية وسائل الإعلام الليبية ومصادر أمنية، بأن سيارة الورفلي، القيادي بميليشيا حفتر، قد تعرضت لوابل كثيف من الرصاص قرب جامعة العرب الطبية في بنغازي على يد مجموعة مسلحة كانت على متن سيارة تويوتا ما أدى بالنهاية إلى مقتل الورفلي إلى جانب ابن عمه أيمن على خلفية هذا الهجوم.

تصفية بعد عودة إلى المشهد الميداني

جاء حدث تصفية الورفلي بعد أسابيع من عودته للمشهد الميداني بعد غياب لفترة، نتيجة ارتفاع الأصوات المطالبة بتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك على ضوء ظهوره في فيديو تم توثيقه لحادثة تحطيمه محتويات وكيل شركة “تويوتا” للسيارات ببنغازي، رفقة معاونيه.

مهددا على إثرها مالك فرع وكيل الشركة بالقتل في حالة عودته إلى ليبيا، مبررا ذلك بأن المالك ينتمي لدواعش المال وأنه ينفق أمواله في الخارج بدلا من مساعدة أبناء بلده وفق تعبيره، مع اتهامه للموزع ببيع قطع الغيار للجيش الليبي بأسعار مرتفعة.

وجراء ارتفاع الأصوات المنددة بظهور الورفلي من جديد، خرج مسؤول عسكري رفيع في القيادة العامة لميليشيا حفتر، ليؤكد أن ما يفعله الورفلي وما يصدر عنه لم يأت بناءً على أمر من القيادة العامة وأنه سيتعرض للعقاب نتيجة أفعاله.

هذه التصريحات تحمل مؤشرات واضحة إلى ما أصبحت عليه العلاقة بين حفتر والورفلي التي بدأت تتدهور منذ محاولة حفتر اعتقاله، والتحقيق معه، في ظل ارتفاع ضغوط المجتمع الدولي بضرورة تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية جراء ارتكابه لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والقتل العمد خارج إطار القانون.

ولتهدئة الرأي العام الدولي تم إيداعه في 2017 بمكان خاص على أنه سجن، إلى أن تم إخراجه على يد مجموعات مسلحة تابعة له بعد اكتشافه بحسب تسجيل صوتي له أدلة تفيد بوجود مخططات لتصفيته.

وعلى إثر ذلك، بدأت تتصاعد حدة الخلافات بينه وبين حفتر من جهة وأبناء هذا الأخير من جهة أخرى، وهو ما أقر به خلال تسجيل صوتي دار بينه وبين مدير مكتب حفتر، مؤكدا من خلاله على أنه جندي يتلقى الأوامر وينفذها ولم يقم بمخالفتها، مهددا بكشف المستور إذا تم تسليمه للمحكمة الجنائية وذلك باعتباره الصندوق الأسود لأسرار خليفة حفتر.

وما يؤشر لوصول العلاقة بين حفتر وساعده الأيمن السابق محمود الورفلي إلى طريق مسدود، ظهور الأخير في مقطع فيديو وهو يسجل أسماء بعض أفراد ميليشيات حفتر، ويعدهم بمنح كل واحد منهم مبلغا ماليا، نتيجة ما تعرضوا له بحسب وصفه من تهميش وإهمال من طرف القيادة العامة، واتهامه لها بعدم منحهم لحقوقهم.

هذا التصريح الذي يحمل دلالة خروج الورفلي عن سيطرة حفتر وانسلاخه عنه، وبالتالي ظهوره في موقع العدو له والمنتقم منه من خلال تحريضه أفراد من الميليشيا التابعة لحفتر للتمرد على القيادة العامة.

وقد جاءت تصفية الورفلي، في ظل ما يشهده الشرق الليبي، وبالضبط مدينة بنغازي، من انفلات أمني خطير، جراء تصاعد عمليات القتل والإعدامات والخطف والإخفاء القسري التي يقوم بها مسلحون مجهولون في حق المدنيين، ومن ضمنهم ناشطين حقوقيين.

كما أنها جاءت في سياق بدأت من خلاله الحكومة الليبية الجديدة مهامها في توحيد البلاد سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

محمود الورفلي: سيرة ومسيرة

يُعتبر محمود الورفلي المتخرج من الكلية العسكرية في سرت، أحد أبرز القيادات المنتمية لميليشيا خليفة حفتر. فقبل 2011، كان الورفلي يعمل ضمن الكتائب الأمنية التابعة لمعمر القذافي، بحيث تحصّل على رتبة نقيب بعد تخرجه في العام 2009.

كما شارك في مهمات قتالية إلى جانب كتائب القذافي في ظل الثورة الليبية. لينضم بعد ذلك إلى ميليشيا “لواء الصاعقة” وهي وحدة خاصة انشقت عن كتائب القذافي بعد انتفاضة 2011 التي أطاحت بنظامه، لتصبح بعد ذلك تحت لواء خليفة حفتر إلى أن صار من أبرز قيادييها ورائدا فيها خلال العام 2017.

 وفي تطور لافت، وعلى الرغم من التصدعات التي طبعت العلاقة بين الورفلي وحفتر، فقد قام الأخير بترقيته إلى رتبة مقدم في العام 2019، وذلك في ظل احتياجه الشديد له لتنفيذ مخططاته خلال هجومه على الغرب الليبي، بحيث كلفه بتأمين طريق إمداد ميليشياته ما بين مدينتي بني وليد وترهونة.

هذا الأمر الذي جرّ على حفتر سيلاً من الانتقادات أبرزها تصريح صادر عن المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة التي عبرت عن أسفها لهذا التصرف، معتبرة أن هذه الترقية تبعث رسالة واضحة مفادها أن خليفة حفتر ليس له أي نية بمتابعة الورفلي قضائيا.

للورفلي سجل ضخم من الجرائم، وقد أطلقت عليه ألقاب كثيرة من أبرزها “ضابط الإعدامات” و”سفاح حفتر”، نتيجة شهرته بانتشار مقاطع فيديو له على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يقوم بتنفيذ عمليات إعدام ميدانية بطريقة وحشية بحق مدنيين وأسرى. هذه المقاطع التي أثارت موجة غضب عارمة، حيث استنكرت على إثرها العديد من المنظمات الحقوقية هذه الأفعال الإجرامية، ومن أبرزها هيومن رايتس ووتش التي وثّقت العديد من الجرائم التي قامت بها القوات الخاصة التي يتزعمها الورفلي.

وكانت أشهر المقاطع التي انتشرت على نطاق واسع تلك المتعلقة بإعدامه رفقة معاونيه لـ 20 محتجزا دفعة واحدة بينما كانوا راكعين على ركبهم ومعصوبي الأعين، وأيديهم مقيدة وراء ظهورهم، ويرتدون زيا برتقاليا. وفيديو آخر وهو يقوم بقتل 10 معتقلين رميا بالرصاص في عملية إعدام جماعية ببنغازي في العام 2018، بالإضافة إلى العمليات المتفرقة التي قام بها ما بين العام 2016 و2017 والتي أعدم وقتل خلالها أكثر من 43 شخصا.

وعلى إثر تصاعد الجرائم التي ارتكبها محمود الورفلي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بعد تحقيق شامل حول الجرائم والانتهاكات المرتكبة من طرف مساعد حفتر، مذكرتي توقيف في حقه، الأولى في أغسطس من العام 2017، اتهمته من خلالها المحكمة بارتكاب جرائم قتل نفذها بنفسه أو بأمر منه وتصنيفها على أنها جريمة حرب، وذلك في سياق رصد المحكمة لسبع حوادث أعدم من خلالها أكثر من 30 شخصا في منطقة بنغازي.

أما الثانية فقد جاءت على خلفية توثيق المحكمة لجريمة أخرى من جرائم الورفلي قام بها في يناير 2018 على إثر قتله لعشرة معتقلين رميا بالرصاص خارج مسجد بيعة الرضوان في بنغازي وعلى إثر هذه الواقعة أصدر قضاة المحكمة في يونيو 2018 أمرا باعتقال القيادي بميليشيا حفتر محمود الورفلي على خلفية ارتكابه جرائم تدخل ضمن اختصاصات المحكمة الجنائية الدائمة.

_____________

مواد ذات علاقة