أجرى الحوار محمد القزاز

تشهد المنطقة العربية أحداثا متلاحقة، بوسعك أن تختار يوما من أيامها لتخبرك بما حدث فيه من سقوط قتلى أو اعتداء على حدود وطن. أيامنا العربية حبلى بالكوارث والأزمات والصراعات، انظر إلى شهر مارس الذى مرّ منذ أيام ليخبرك بأنه شهر سقوط العراق وانزلاق سوريا إلى أتون حرب لم تخرج منها حتى الآن.

الجزء الثاني

دعنى أراجعك: تقول التراجع الأمريكى بدأ فى بداية العقد الثانى من هذه الألفية، ألا ترى أن دولة مثل إيران بدأت قبل ذلك التاريخ بسبع سنوات فى مناطحة أمريكا تحديدا مع احتلال العراق؟ وأصبحت العراق بين مطرقة أمريكا وسندان إيران؟

حديثى كان عن مسلك الدول الكبرى لا سيما الصين وروسيا حيث تغير هذا المسلك بصورة جوهرية فى العقد الثانى، لكن مسلك دول أخرى مختلف، لكن دعنى أقل لك بصراحة إننى لا أرى خطأ قاتلا فى المجال الدولى منذ الحرب العالمية الثانية بخطورة غزو أمريكا للعراق، ليس هناك من أمر أكثر خطورة وأكثر تأثيرا على النظام العالمى مثل الغزو الأمريكى للعراق.

فالهجوم الأمريكى على العراق سنة 2003 يشكل أكبر قرار خاطئ فى القرار الدبلوماسى، لذلك بدأ فى العراق تفكيك الأنظمة العربية، وبدأت هيبة أمريكا بالسقوط، ووجدنا أن الجيش الأمريكى الذى ذهب ليغير العراق غيره العراق، وفُتِح الباب واسعا أمام التدخلات الإقليمية الكثيرة فى شئون العراق، ولاحقا فى شئون دول عربية أخرى، تدخلت إيران وتدخلت تركيا، لذلك فالخطيئة الأصلية للولايات المتحدة الأمريكية فى المنطقة هى الحرب على العراق 2003، وقتها كان الكثيرون يقولون إن صندوق البندورة – المفاجآت – لا يجب فتحه، لأن فتحه سيؤدى إلى مآس كثيرة، لكن لم يكن من سميع، وما زلنا حتى الساعة ندفع ثمن ذلك الخطأ الكبير.

كيف ترى تأثير جائحة كورونا على المجتمع والروابط الاجتماعية بل والثقافية؟

دون أدنى شك، الجائحة أثبتت ضعف التعاون الدولى، وضعف المنظمات الدولية، وكما قال مدير منظمة الصحة العالمية إن الفارق فى وجود اللقاحات فى الدول الغنية والدول الفقيرة فارق مخجل، هذا يعنى فشل المنظمات الدولية فى دورها الأساسى فى إعادة توزيع الثروة أو اللقاحات على مستوى العالم، فإذا كان النظام العالمى عاجزا أو ناقصا أو فاشلا، فإن الناس يقصدون إلى حضن من يحميهم، ومن يحميها أولا هو الدولة التى هم من مواطنيها، ومن يحميهم أحيانا أيضا هو المقاطعة أو القبيلة أو الطائفة والعشيرة، الأفراد سيذهبون إلى من هو قادر على حمايتهم، خاصة إذا تكررت الجائحة، نحن نعيش فى جائحة مرعبة، ولا نملك ضمانة لا لطول مدتها ولا أى ضمانة لعدم تكرارها، فإذا هى تكررت فهذا الجنوح البشرى الطبيعى سيسير نحو من يحميه هو التطور الذى سيغلب، وهذا سوف يترجم سياسيا فى رأيى بمستويات أعلى من الروح الوطنية بل والشوفينية بل والشعبوية، أى المعادية للآخر والمعادية لعملية الاتكال أو التواصل مع الآخر.

بعد ثورات الربيع العربى، واجهت بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا واقع عقد اجتماعيٍ معيب فهل نحن فى حاجة إلى عقد اجتماعى عربى جديد؟

نحن فى الحقيقة فى حاجة إلى بلورة عقد اجتماعى لكل بلد عربى، ليس هناك من عقد اجتماعى نموذجى يجب تطبيقه بنفسه فى كل بلد، الظروف السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية تختلف إلى حد كبير بين بلد وآخر، انظر إلى الجزيرة العربية، حيث سترى أغنى دول العالم وأفقر دول العالم فى النطاق الجغرافى نفسه، لذلك حين نعنى بالعقد الاجتماعى أن يكون هناك نوع من التفاهم بين الناس وحكامها، مما يعنى أن ما يسمى إجمالا فى الأدبيات بالمجتمع المدنى بأنه عاجز أن يقوم بدون دولة، فالمجتمع المدنى يحتاج دولة قوية كى يشترك معها فى صياغة عقد اجتماعى جديد يحدد حقوق وصلاحيات وواجبات كل من الطرفين، فماذا يعنى أن تكون الدولة قوية لدرجة أنها تدهس المجتمع المدنى وتجلس عليه وتمنعه، هذا يعنى أنها تقتل كل قدرة خلاقة، وكل قدرة مبدعة ومنتجة، إذن لا المجتمع المدنى المجلوس عليه، ولا الدولة الضعيفة الهشة هى المطلوب، المطلوب فى كل بلد عربى أن تكون الدولة قوية والمجتمع المدنى حرا قويا، هذا الذى يجعل العقد الاجتماعى ممكنا بين الطرفين.

الآن علىّ أن أضيف كلمة أخرى، وهى أن هناك خلافا فكريا حقيقيا لتحديد المجتمع المدنى، لأن المجتمع المدنى قائم على فكرة التمدد، فكرة المواطنة والمساواة، قائم على التعايش الفئوى بين الناس، وما نراه فى كثير من الدول العربية، وما رأيته فى لبنان والعراق وليبيا، وما رأيته فى دول أخرى كثيرة أن المجتمع المدنى مفتت إلى عصبيات كثيرة، وهذا التفتت يجعل منه مجتمعا أهليا، لكن لا يجعل منه مجتمعا مدنيا، وشتان بين المجتمع المدنى والأهلى، لذلك آن أن نعترف بأن قيام مجتمع مدنى حر ومبدع ومنطلق، أحيانا تحده الدولة التسلطية، وأحيانا يحده أو يمنعه تفكك المجتمع المدنى إلى مجتمعات أهلية متخاطفة ومتنافسة، وبالتالى كما أن الدولة عليها أن تتأقلم مع فكرة القبول بحرية المجتمع المدنى، على المجتمع المدنى أن يطور من نفسه للخروج من التعبير عن المصالح الفئوية، والتعبير عن المواطنة التى لا تفرق بين مواطن وآخر.

على ذكر الشعبوية، قبل كوفيد وجدناها فى المجر ثم إيطاليا والنمسا والآن انتقلت إلى فرنسا، ودليلها قانون توحيد المبادئ الجمهورية، أريد تحديدا الحديث عن هذا القانون وتأثيره على المسلمين فى أوروبا وعلى اللاجئين والمهاجرين؟

فى المبدأ أنا لست متحمسا لتناول الموضوعات ذات الطابع الأكاديمى أو الفقهى من قِبل أهل السياسة إجمالا، أنا اعتقد أن أهل السياسة إذا دخلوا فى الموضوعات الدينية والفقهية والثقافية وخصوصا الأكاديمية، فإنهم يفسدونها دون أن يقدموا كثير علم، وبالتالى عندما أرى ساسة أوروبيين يفتون فى أمور شتى، فإننى يتملكنى الخوف والريبة، أنا اعتقد أنه من المفيد أن نترك الجامعة لدورها الطبيعى لتحديد المصطلحات فى دراسة الظواهر الاجتماعية، ودراسة الظواهر الدينية، وأن السياسة أمر آخر، وأن الساسة ليسوا بالضرورة مؤهلين ليجزموا بموضوعات من هذا النوع، هذه ملاحظة عامة، أما بالنسبة للقانون فإننى لا أرى كثير تأثير له، لأن إعادة النظر فيه بعد الصيغة الأولى أفقدته الكثير مما كان يراد له أن يكون، وبالتالى أنا لا أرى فيه إلا نوعا من التعبير عن تأفف من الناخبين الفرنسيين، وتأففهم من تلكؤ مواطنيهم من ذوى الأصول الإسلامية للانخراط فى الحياة العلمانية الفرنسية، هذا نوع من التساهل أو التأقلم مع رغبة هؤلاء الناخبين عشية انتخابات رئاسية فاصلة.

كنت منظما ومنسقا لمبادرة قمة بيروت العربية 2002، فهل ماتت تلك المبادرة وحل محلها «السلام مقابل السلام» وليس «الأرض مقابل السلام»؟

نعم ، كلفتنى الحكومة اللبنانية بتعريب المبادرة السعودية آنذاك للقمة المخصصة لها، وقد كانت قمة فى غاية الأهمية، وأنا ما زلت ممتنا لهذا الدور، وما زلت عاطفيا متعلقا به، لكن العشرين سنة التى مرت تفرض علينا أن نقر بأننا أمام وقائع خطيرة على الأرض قامت بها إسرائيل، لا سيما فى المناطق المحتلة، هناك حركة تأميم للأراضى الخاصة بالفلسطينيين قائمة على قدم وساق لإلغاء الفكرة الأساسية التى قامت عليها قمة بيروت العربية، «الأرض مقابل السلام» بعد حين إذا استمر العمل على ما هو قائم من قبل الإسرائيليين فلن تعود هناك أرض يقدمها الإسرائيليون مقابل السلام، هذا هو الواقع كما هو، ولكننى ما زلت أقول : إن البديل الحقيقى عن مبادرة بيروت هو دولة ذات جنسيتين، لذلك هذا الصراع المريب فى عملية الاستيطان والاستيلاء على الأراضى هو نوع من الانتحار الإسرائيلى، لأنك ستفقد إحدى الإمكانيتين فى معادلة التحدى الفلسطينى، التى هى مبدأ الدولتين، إذا فقدت فكرة خيار الدولتين، فأنت ستضطر للقبول بدولة واحدة ذات جنسيتين، لذلك فإن ما يبدو أنه انتصار إسرائيلى على المدى القصير هو فخ تنصبه إسرائيل لنفسها على المدى الطويل.

ما تفسيرك لما جرى ويجرى وسيجرى فى لبنان؟

لبنان الذى عرفناه فى شبابنا لن يعود، الآن هناك لبنان آخر مختلف عن لبنان النصف الثانى من القرن العشرين، لبنان فى مرحلة مخاض، وهذه المرحلة شديدة الألم، لأنها مرحلة طويلة، ولأنها مرحلة صعبة، ولأن الناتج منها، أى الطفل الذى سيولد من رحم مرحلة المخاض الحالية قد يكون مشوها، لا نعرف متى سيشفى؟

أنا اعتقد أن اللبنانيين تسامحوا وتساهلوا كثيرا مع طبقتهم السياسية، أو قل تواطأوا، وهذه الطبقة السياسية استغلت اتفاقا عملنا عليه كثيرا، هو اتفاق الطائف، وحولوه إلى مطية للإثراء غير المشروع والاستيلاء على مفاصل الدولة، وما تراه الآن من خلافات ظاهرة فى العلن بين قادة الحياة السياسية اللبنانية هو إلى حد كبير مصطنع، هدفه الأساسى هو إعادة إنتاج الزعامات لدى الناس الذين تخلوا عنهم بسبب الفقر والعوز والأزمة المصرفية الخانقة، الخلاف بين الطبقة السياسية ظاهره هدف سياسى مباشر، لإعادة ملء الخزان الخاوى الذى يعتمد عليه كل أعضاء هذه الطبقة السياسية، أما  فى جوهر الأمور فهم متفقون على عدم القيام بالإصلاحات المالية والنقدية والمصرفية وربما الضرورية لإنقاذ البلد من كبوته الآنية، خلافهم فقط تعويم صورتهم فى شارعهم، بينما حقيقة الأمر هو اتفاقهم على إبقاء الأمور كما هى لأنها نفعتهم فى الثلاثين سنة الماضية.

السؤال الأخير: كيف تنظر إلى ما انتهت إليه العملية السياسية فى ليبيا، ومتى يصبح التفاهُم مؤكدا؟ وهل من عقبات وألغام ستشهدها الأشهر القادمة وحتى الانتخابات فى ديسمبر؟

عتبى عليكم أيها الصحفيون بأنكم فوجئتم بحصول الاتفاق السياسى، فحقيقة الأمر أننى حينما ذهبت إلى ليبيا فى صيف 2017، كانت فكرتى التواصل بين الليبيين أنفسهم، ووضع الدول المتداخلة فى الشأن الليبى قدر الإمكان على الهامش، ولقد غضب منى عدد من ممثلى هذه الدول غضبا كبيرا، لأننى كنت أقول بصراحة دعونى أسعى إلى التفاهم بين الليبيين واجلسوا جانبا، لكن عندما نشبت الحرب، فى مطلع أبريل 2019 وجدت نفسى فى موضع آخر، عجزت عن جعل الليبيين يتفقون فيما بينهم، وأخذت علما بأن النزاعات التى كانت قائمة تحولت إلى حرب مفتوحة تتداخل فيها بعض الدول بصورة مباشرة، لذلك ذهبت فى آخر شهر يونيو 2019 وقلت لمجلس الأمن الدولى، التالى:

إننى جئت لأغير الإستراتيجية التى أعمل فى سبيلها، أنا لم أعد اسعى إلى دفع القوى المتداخلة بشأن الليبيين إلى الخارج، أنا أسعى الآن لكى أوقف الحرب، ورفض القوى المتحاربة أن تقبل بمبدأ وقف إطلاق النار، أنا جئت لكى أحاول أن أضع حدا للتفاهم بين الدول المتداخلة فى الشأن الليبى يسمح لى بعدها أن أذهب إلى الليبيين وأقول لهم إنى أمثل تفاهم الحد الأدنى الدولى وليس الانقسام الدولى فى الشأن الليبى، وتفاهم الحد الأدنى هذا يقول لكم اذهبوا واتفقوا، هذا هو المغزى والأهمية التاريخية لقمة برلين، التى عملنا عليها لفترة خمسة أشهر مع الدول العظمى والدول الأكثر تأثيرا فى ليبيا فى 9 اجتماعات على أعلى المستويات قبل انعقاد القمة فى 19 يناير 2020، وتتبنى 55 فقرة، فجاء رؤساء الدول فى القمة، على عكس ما توقع كثيرون من أن الرؤساء لن يأتوا لكنهم جاءوا جميعا، واتفقوا على نص كنا صنعناه بين اللقاء الأول مع ميركل فى 15 أغسطس وبين 19 يناير موعد القمة، وتحول إلى قرار دولى، وهو القرار 2510، إذن، فى مطلع العام 2020 وضعت الهندسة العامة، لما يجب أن يكون عليه الحل فى ليبيا لا سيما فيما سميناه المسارات الليبية الثلاثة التى يجب أن تعمل بطريقة متزامنة، وهى:

المسار المالى والاقتصادى، وهو المسار الأهم برأيى، والمسار السياسى والمسار العسكرى، أو ما يسمى بـ 5+ 5، كل هذه المسارات بدأت تعمل فى اليوم التالى لقمة برلين، وعملت حتى آخر شهر مارس، وسبب التوقف عن العمل ثلاثة أمور: أولا أصابنى اضطراب فى القلب ولابد من إجراء جراحة عاجلة، والأمر الثانى هو جائحة كورونا وارتدت إلى ليبيا مما جعل التواصل بينها وبين العالم صعبا، ثالثا وهو الأهم أنه حدث تدخل تركى قوى فى غرب ليبيا، إذن تغير ميزان القوى العسكرى داخل ليبيا، أدى ذلك فى صيف 2020 إلى أن الليبيين أنفسهم هم الذين اتصلوا بنا وقالوا ما توقفنا عنده فى شهر مارس نحن مستعدون له، فلنعد إلى المسارات الثلاثة، فعدنا إليها واحدا بعد الثانى. إذن هناك عملية تراكمية وهناك هندسة وضعت فى مطلع العام 2020 تعثر تنفيذها لبضعة أشهر، وتم تنفيذها الآن.

وإذا كان سؤال هل هذه الهندسة من الصلابة بحيث تتجاوز الخلافات المعروفة داخل المجتمع السياسى الليبى، أقول لك لا شيء نهائى فى حياة البشر، وبالطبع أنا قلق أن تخرج عمليات مسلحة من هنا أو هناك، فالألغام موجودة، والعقبات موجودة، والتدخلات الخارجية لم تنته بالمطلق، كل هذه الأمور أراها، ولكنى أقول: هل ليبيا اليوم كما كانت منذ سنة أو سنتين؟ وهل ليبيا اليوم كما اليمن اليوم وسوريا اليوم؟

إذن يجب أن نكون واقعيين، نعترف بوجود الألغام والقرارات التى لم تنفذ والتشريعات الضرورية التى لم تؤخذ بعد والطرق الساحلية التى لم تفتح، فأنا أعترف بها جميعا، ولكنى أطلب من الآخرين أن يعترفوا بأن وضع ليبيا اليوم هو أفضل بكثير منه منذ سنة أو سنتين.

_________

مواد ذات علاقة