نورة الحفيان و محمود جمال

شهد الربع الأخير من العام 2020 والربع الأول من العام 2021 العديد من التحولات في الموقف المصري في الساحة الليبية؛ تحولات تقف خلفها العديد من الدوافع الداخلية الليبية العسكرية والسياسية. من جهة، والتحولات في المشهدين الإقليمي والدولي، من جهة ثانية.

الجزء الأول

يمكن تناول مظاهر هذه التحولات وأسبابها ومسارات الدور المستقبلي للنظام المصري في الملف الليبي ، من خلال المحاور التالية:

أولاً: تحولات الموقف المصري

شهدت الشهور الست الأخيرة (من بداية نوفمبر 2020 إلى منتصف مارس 2021) تحركات سياسية وأمنية وعسكرية للنظام المصري تجاه الملف الليبي مغايرة لما كان عليه الوضع قبل ذلك، تخللها احتضان القاهرة لقاءات بين أطراف النزاع الليبي من أجل التباحث حول ملفات هامة تخص مسار التسوية السياسية، أبرزها الاجتماعات الخاصة باللجنة العسكرية المشتركة 5+5، بالإضافة إلى اللقاءات الخاصة بالتفاهم حول آليات إجراء الاستفتاء الدستوري والانتخابات العامة بشقيها الرئاسي والبرلماني في ديسمبر 2021.

وقد ساهم احتضان مصر لإحدى مسارات التسوية السياسية الليبية في إحداث نقلة نوعية في موقف نظام السيسي من المشهد الليبي من خلال انفتاح القاهرة على جميع الأطراف الليبية، بحيث لم يكن التحرك كالمعتاد تجاه المنطقة الشرقية التي يسيطر عليها خليفة حفتر فقط، بل جاءت التحركات نحو الشرق والغرب والجنوب أيضاً.

 وهذا ما تبلور من خلال زيارة وفد للحكومة المصرية، يضم مسؤولين من وزارة الخارجية والمخابرات العامة، للغرب الليبي، وهي الزيارة الأولى من نوعها منذ عام 2014؛

هذه المدة التي شهدت قطيعة بين نظام السيسي وحكومة الوفاق على إثر دعم الأول لخليفة حفتر سياسياً وعسكرياً. وقد أجمع مراقبون على أن الزيارة تحمل دلالات هامة إذ تأتي في ظرفية ترفض فيها القاهرة الدخول في دوامة الحرب تفاديا لتكرار العملية التي أطلقها حفتر في أبريل 2019، وذلك بعد أيام من إطلاقه لتصريحات تلوح بالعودة إلى الحرب.

كما تحمل في طياتها تمرير رسائل إيجابية من القاهرة إلى حكومة الوفاق مفادها أن مصر تدعم الخيار السياسي أيضا، وأنها تريد أن تبقى على مسافة واحدة من جميع الأطراف.

وقد ناقش الطرفان بعض الملفات التي تحمل في طياتها دلالات مهمة تهدف إلى تذليل الصعوبات التي تعتريها، وذلك في سبيل عودة مبدئية للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وقد شكلت الملفات السياسية والدبلوماسية والأمنية محور المباحثات بين الوفد المصري وأعضاء من حكومة الوفاق الليبية، كان أبرزها كالتالي:

1ـ تفعيل الاتفاقيات السياسية بين البلدين وعلى رأسها اتفاقية الحريات الأربع المتعلقة بالتملك والإقامة والعمل والتنقل، والتي تم توقيعها في تسعينيات القرن الماضي في غياب تام لتنفيذ مقتضياتها على أرض الواقع،

2ـ دراسة الوضع الأمني لفتح السفارة المصرية في طرابلس،

3ـ تفعيل بعض الاتفاقيات الأمنية والتجارية،

4ـ فتح المجالين الجوي والبحري بين طرابلس والقاهرة،

وقد عقد الوفد المصري جملة من اللقاءات مع عدد من المسؤولين الليبيين في طرابلس، بينهم وزير الداخلية فتحي باشاغا، ووزير الخارجية محمد الطاهر سيالة، ووزير الدفاع صلاح النمروش، فضلا عن نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي أحمد معيتيق.

وكانت أبرز لقاءات الوفد المصري برئاسة نائب رئيس المخابرات العامة مع وزير الداخلية فتحي باشاغا بحضور رئيس جهاز المخابرات الليبية عماد الطرابلسي، حيث ناقش الطرفان التحديات الأمنية التي تواجه البلدين الجارين وسبل تعزيز التعاون الأمني لتجاوز العقبات التي تواجه الأمن القومي الليبيالمصري.

كما ناقش الجانبان مخرجات اللجنة العسكرية 5+5 مع تأييدهما للجهود المبذولة في جلسات الحوار السياسي تحت الرعاية الأممية للخروج من الأزمة عبر الطرق السلمية السياسية.

كما التقى الوفد المصري أيضا بوزير الخارجية محمد الطاهر سيالة، إذ استعرض الطرفان آليات تعزيز وتطوير العلاقات المصريةالليبية في كافة المجالات والدفع بها إلى الأمام بهدف خدمة المصالح المشتركة بين البلدين.

وعلى إثر هذا الاجتماع تم الاتفاق على مجموعة من البنود من أبرزها تعهد الطرف المصري بإعادة فتح السفارة المصرية والعودة للعمل من داخل طرابلس في أقرب الآجال، مع تقديم الطرف الليبي لخيارات استئناف خدمات السفارة مرة أخرى من العاصمة.

كما تم الاتفاق على تجاوز كافة المعيقات لضمان خلق الظروف المناسبة لتواصل مواطني الدولتين خاصة فيما يتعلق باستئناف الرحلات الجوية من ليبيا لمطار القاهرة، أضف إلى ذلك برمجة لقاءات واجتماعات بين الخبراء والمختصين من البلدين لتفعيل وتسريع ما هو متفق عليه.

وقد أعلنت الخارجية الليبية على إثر هذه الزيارة أن الوفد المصري تعاطى بإيجابية خلال مناقشة الملفات العالقة بين البلدين، وذلك يشكل بداية لإعادة بناء جسور الثقة بين الطرفين بعد سنوات من القطيعة بسبب دعم النظام المصري لخليفة حفتر.

كما تم التأكيد من الجانب المصري أن القاهرة تعمل على إعادة الاستقرار للدولة الليبية وعدم السماح لعودتها لدائرة الحرب؛ وبالتوازي أكد الطرف الليبي للوفد المصري أن مصالح مصر ستكون مع مؤسسات الدولة الليبية التي تتمتع بالشرعية وليس مع أشخاص بعينهم.

واستكمالا لنتائج هذه الزيارة بشأن إعادة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وطرابلس، زار وفد مصري طرابلس من أجل الاتفاق على إعادة افتتاح السفارة المصرية وتشغيل خط طيران منتظم بين طرابلس والقاهرة؛ وبشكل فعلي تم افتتاح القنصلية المصرية لتقديم الخدمات القنصلية للجالية المصرية وكخطوة تمهيدية تسبق الافتتاح الرسمي للسفارة المصرية في طرابلس بعد غياب أكثر من ست سنوات. كما تم استئناف الرحلات الجوية الليبية إلى مصر، بعد انقطاع أكثر من عام.

وفي تحول لافت لمجرى العلاقات المصريةالليبية، قام رئيس الوزراء الليبي للفترة الانتقالية عبد الحميد دبيبة بزيارة إلى القاهرة كأولى جولاته الخارجية، وذلك بعد أسبوعين من إعلان فوز قائمته في ملتقى الحوار الليبي في جنيف، وفي خضم الزيارة أجرى دبيبة مباحثات مع عبد الفتاح السيسي، بحيث أكد الأخير على “دعم ليبيا في مسار المرحلة الانتقالية، وذلك انطلاقا من حرص مصر على الاستمرار في تثبيت دعائم السلام والاستقرار حفظا لمقدرات الليبية. كما أبدى استعداد مصر لتقديم كافة سبل الدعم من خبرات وتجارب لليبيين، كمساهمة في وضع ليبيا على المسار الصحيح”.

وفي نفس السياق، أعلن السيسي عن دعمه الكامل للحكومة الليبية الجديدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة على إثر منحها ثقة مجلس النواب وحصولها على تأييد 132 من أصل 133 حضروا التصويت.

وقد أكد على “أهمية هذه الخطوة في طريق تسوية الأزمة الليبية، وذلك من خلال قدرة الحكومة الجديدة على إدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق المصالحة الشاملة وتوحيد المؤسسات الليبية عن طريق الدفع بمسار التسوية السياسية بما يحد من التدخلات الخارجية، وصولا لانتخابات ديسمبر 2021.

كما عبر السيسي عن استعداد مصر لتقديم خبراتها في المجالات التي من شأنها تحقيق الاستقرار السياسي وتحقيق التنمية التي يطمح إليها الشعب الليبي.

يظهر من خلال التحركات الدبلوماسية بين القاهرة وطرابلس مدى التغيير الذي لحق موقف نظام عبد الفتاح السيسي من المشهد الليبي بحيث بدأت تظهر ملامحه من خلال انفتاح القاهرة على الغرب الليبي بعد أن كانت منحصرة في الشرق ومحاولة تأسيس خط تواصل مع حكومة طرابلس بحكم الاعتبارات التي فرضتها الظرفية المرحلية التي فرضت على القاهرة الانفتاح على جميع الأطراف الليبية نتيجة التقلبات التي عرفها المشهد الليبي ميدانيا وسياسيا.

__________

مواد ذات علاقة