نورة الحفيان و محمود جمال

شهد الربع الأخير من العام 2020 والربع الأول من العام 2021 العديد من التحولات في الموقف المصري في الساحة الليبية؛ تحولات تقف خلفها العديد من الدوافع الداخلية الليبية العسكرية والسياسية. من جهة، والتحولات في المشهدين الإقليمي والدولي، من جهة ثانية.

الجزء الثاني

ثانياً: دوافع تحول الموقف المصري من المشهد الليبي

1ـ التطورات العسكرية في المشهد الليبي:

كان للعملية التي أطلقتها قوات الوفاق في مواجهة هجوم قوات حفتر على طرابلس دور في قلب موازين القوى  على مستوى المشهد الميداني نتيجة فشل حفتر في كسب رهان السيطرة على المنطقة الغربية وإلحاق الهزيمة بقوات الوفاق والوصول إلى هدف الاستيلاء على كامل التراب الليبي ومن ثم الوصول إلى أعلى هرم السلطة.

فعلى الرغم من الدعم اللوجستي العسكري الذي تلقاه حفتر من قوى إقليمية ودولية، إلا أن الواقع الميداني أظهر تفوق قوات الوفاق التي اعتمدت على الدعم التركي بموجب اتفاقية التعاون العسكري المبرمة في نوفمبر 2019، وقد كشفت هذه العملية التي ألحقت خسائر كبيرة بميليشيا حفتر مدى الضعف الذي تعاني منه نتيجة خططها التكتيكية العشوائية على الرغم من الدعم الكبير الذي تلقاه حفتر منذ سنوات، وخصوصا في هجومه على طرابلس 2019، حيث كان الهدف من وراء هذه العملية إنجاح مشروعه (مشروع المحور الإقليمي والدولي الداعم له) عبر الوصول إلى السلطة عن طريق الحسم العسكري.

وانطلاقا من ذلك، وعلى الرغم من التحذيرات التي أطلقها السيسي منذ رد قوات الوفاق على هجوم حفتر على الغرب، والذي هدد من خلالها باحتمالية التدخل ميدانيا حماية وحفاظا على الأمن القومي المصري، إلا أن الواقع الميداني والسياسي فرض نهجا جديدا في التوجه المصري في ليبيا خصوصا أن القاهرة كانت رافضة لحرب طرابلس لأنها أربكت حسابات السيسي في ليبيا، على الرغم أنه في الأخير رضخ لسياسة الأمر الواقع نتيجة الضغوط الإماراتية التي دعمت بشكل كبير حفتر في هذه الحرب.

فانقلاب المشهد العسكري من خلال الوصول إلى وقف إطلاق النار بين الغرب والشرق وما تلاها من تقدم في عملية التسوية السياسة، جعل القاهرة تغير استراتيجيتها من خلال الانفتاح على واجهتين؛ عسكريا من خلال الإبقاء على حليفها في المشهد الليبي خليفة حفتر، وسياسيا على مسارات الحوار بين الفرقاء الليبيين المدعومة من المجتمع الدولي.

وذلك ما تعزز بلقاءات مع ممثلي البلدين كان آخرها زيارة رئيس الحكومة الليبية الجديدة عبد الحميد دبيبة إلى القاهرة.

كما تعد هذه الزيارة انتصارا لرؤية بعض الجهات داخل النظام المصري التي كانت تعارض التوجه العسكري، وأن تشارك القوات المصرية في العملية العسكرية الميدانية، وتشكيكها في قدرة حفتر على إدارة المعركة، بحيث كانت رؤيتها تتجلى في أن يطبع السلوك المصري تجاه المشهد الليبي توازنا ما بين جميع أطراف النزاع الليبي خدمة لمصالح مصر الاستراتيجية.

ولذلك أصبح نظام عبد الفتاح السيسي على يقين بضرورة تغيير منطلقاته في ليبيا، بحيث أن الرهان على العامل العسكري وحده والاستمرار بدعم حفتر بالسلاح والعتاد منذ 2014، لن يؤدي إلى نجاح مشروع حفتر الذي راهنت عليه قوى إقليمية ودولية بما سيؤدي إلى فقدان التأثير داخل ليبيا بالكامل؛

ومن هذا المنطلق غيرت القاهرة من معادلاتها عبر الاعتماد على الميزان العسكريالسياسي، وذلك انطلاقا من التحولات والتقلبات التي عرفتها الساحة الإقليمية والدولية.

2ـ التطورات السياسية في المشهد الليبي:

يمثل عامل التسوية السياسية في ليبيا أبرز أهم النقاط التي فرضت على القاهرة تغيير معادلاتها في المشهد الليبي، فالتقدم الذي حصل في مسارات هذه العملية عبر ملتقى الحوار السياسي الليبي، التي عُقدت بعض اجتماعاته في مصر، وذلك في ظل استضافة الأخيرة مباحثات لجنة المسار الدستوري الليبي وأيضا اجتماعات اللجنة العسكرية 5+5، فرض تغييرات مهمة في الموقف المصري من الملف الليبي

 فقد أصبحت تصريحات نظام السيسي مغايرة عن سابقاتها، بحيث أصبح يؤكد مؤخرا على دعم مصر الكامل للعملية السياسية التي تشكل بحسب قوله استقراراً ليس لليبيا فحسب بل لجوارها الإقليمي ولمصر على وجه الخصوص لارتباط أمن ليبيا واستقرارها بالأمن القومي المصري.

فالقاهرة تريد عبر التغييرات الحاصلة في المشهد السياسي الحفاظ على وجودها كفاعل مؤثر وليس هامشي في المشهد الليبي، في مقابل إحداث توازن في المواقف بين ما هو عسكري وسياسي لضمان موقع لها في حال نجاح أي من المسارات.

وأن يأتي الموقف المصري متوافقا مع رؤى أغلبية المواقف الدولية والإقليمية التي ترى في العملية السياسية المسار الوحيد لإنهاء الصراع الدائر منذ سنوات في ليبيا.

فقد أدركت مصر أنه لا يمكن فرض سلطة سياسية في ليبيا عبر الخيار العسكري فحسب. وقد اتضح الأمر بشكل جلي من خلال زيارات وفود مصرية إلى الغرب الليبي وفتح مجال أمام عودة العلاقات الدبلوماسية المنقطعة منذ 6 سنوات، و مع مجيء سلطة تنفيذية جديدة تحظى بقبول إقليمي ودولي، والذي اختار رئيس حكومتُها مصر كأول وجهة خارجية له، فرضت على النظام المصري ضرورة قبول ما أفرزه الواقع الليبي من تغييرات تحظى بقبول من طرف الشرعية والمجتمع الدولي.

ولذلك فإن نظام عبد الفتاح السيسي يهدف من وراء تغيير سياسته في ليبيا على المحور السياسي عبر فتح قنوات الاتصال على جميع الفاعلين في المشهد الليبي ضمان بقائه كطرف في المشهد الليبي؛ وذلك لأنه يتحرك تحت ذريعة حماية الأمن القومي للبلاد، انطلاقا من دوافع تحقيق مصالحه عبر دعم مشروع حفتر بشكل جديد تحت قناع جديد.. لأن الأخير يشكل مشروع يتناغم مع سياسات مصر السيسي التي لا ترضى بنجاح أي مشروع ديمقراطي بالمنطقة، لأن ذلك يشكل تهديدا مباشرا لنظامه الذي جاء على ظهر عملية انقلابية على مؤسسات الشرعية.

3ـ تطورات المشهد الإقليمي

لعب العامل الإقليمي دورا مهما في تقلب الموقف المصري في المسرح الليبي، وذلك عبر مسارين، الأول مرتبط بالحليف الإماراتي، والثاني مرتبط بالغريم التركي.

برز العامل الأول من خلال ما حدث في الآونة الأخيرة من تضارب في المصالح المصريةالإماراتية ليس في ليبيا فقط بل في المنطقة، خصوصا فيما يتعلق بعلاقة أبوظبي مع أديس أبابا فيما يخص سد النهضة وقضية تيغراي، فضلا عن قيادة موجة التطبيع الجديدة مع إسرائيل بما يسحب البساط من تحت الأقدام المصرية التي احتكرت هذا الملف لسنوات طويلة؛

فالإمارات منذ فترة أصبحت تنصب نفسها على أنها صاحبة القرار في الملفات الإقليمية، ومنها الملف الليبي بحيث تؤكد المقاربة الإماراتية المتمسكة بالحل العسكري، وتراهن على الحسم من خلاله.

في حين ترى القاهرة بعد فشل الحسم العسكري لصالح حفتر على ضرورة تغيير الاستراتيجية بحيث أن الخسائر المتكررة لحفتر في المشهد الميداني أثرت بشكل كبير على المصالح المصرية خصوصا أن مصر المرتبطة بليبيا جغرافيا تعتبر  أكثر المتضررين من الوضع الأمني المتردي فيها عكس الإمارات، كما أن التأثيرات لم تكن ميدانيةأمنية فقط، إذ كان لذلك تأثير كبير على العامل الاقتصادي أيضا، بحيث أثر هذا الوضع بشكل كبير على العمالة المصرية، حيث كانت ليبيا من أكثر الأسواق جذبا للعمالة المصرية،  بالإضافة إلى ما تمثله ليبيا من أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة لمصر فيما يخص جانب النفط، بحيث سيسهل الاستقرار السياسي، المتمثل في وجود حكومة ليبية، عملية استيراد القاهرة للنفط الليبي بأسعار تفضيلية.

على الرغم من كل ذلك، فإننا نرى أن ذلك لن يؤثر على تبعية الأخير لمحور أبو ظبي نتيجة ارتباط علاقة الطرفين بملفات يصعب معها فك هذا الارتباط، ومن أبرزها محاربة الإسلام السياسي بشكل خاص والثورات العربية بشكل عام، هذا الملف الذي على أساسه تمت صناعة حلف بن زايدالسيسيبن سلمان (حلف الثورة المضادة).

أما العامل الإقليمي الآخر فيتمثل في الغريم التركي؛ فمنذ دخول تركيا على المشهد الليبي، وعلى الرغم من التصريحات المتصاعدة إزاء التواجد التركي في ليبيا وصل إلى حد تلويح السيسي بالتدخل العسكري بعد نجاح قوات الوفاق بمساعدة تركية بموجب الاتفاقية المبرمة بين الطرفين في نوفمبر 2019، في حسم العملية العسكرية وإنهاء وجود حفتر وميليشياته في الغرب، الأمر الذي أجبر أطراف النزاع بالجلوس على طاولة المفاوضات، ما أفضى إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أغسطس 2020.

ومن ثم الشروع في العملية السياسية – هذا المشهد جعل القاهرة تعيد قراءة المشهد الليبي بناء على التغييرات التي فرضها المشهد الميداني والإقليمي والدولي، الأمر الذي أثر حتى على العلاقات المصريةالتركية التي بدأت تشهد خلال الأشهر الماضية تهدئة تخللتها اتصالات بين الطرفين في سبيل التنسيق الأمنيالاستخباراتي فرضته العديد من الاعتبارات على رأسها الملف الليبي وملف التنسيق في شرق المتوسط، على الرغم من أن هذه التفاهمات تتعارض مع الخطط الإماراتية الرافضة لأي تنسيق مع أنقرة في الملف الليبي، و قد تصاعد هذا التنسيق بشكل لافت خلال الأيام القليلة الماضية بما انعكس على الملف الإعلامي بشكل كبير.

____________

مواد ذات علاقة