سيدي أحمد ولد الأمير

يحاول هذا التعليق فهم ما يدور في شمال التشاد من مواجهات عسكرية بين المتمردين المنطلقين من معسكراتهم بليبيا وبين الجيش التشادي، كما يتطرق لمآلات هذا المشهد العسكري المضطرب.

في مساء 11 إبريل /نيسان 2021، وأثناء فرز أصوات الانتخابات الرئاسية التشادية توغلت عدة طوابير من المركبات المدججة بالسلاح في شمال غرب التشاد منطلقة من الجنوب الليبي. أكدت حكومة إدريس ديبي، الذي يتقدم في هذا الاستحقاق الرئاسي لولايته السادسة، في بيان رسمي يوم 12 إبريل /نيسان الماضي أن القوات الجوية التشادية قصفت المرتزقة، وأن الجيش أعاد الوضع على الحدود لسيطرته، وبات المرتزقة في حالة تدافع ومطاردة. ولعل في اختيار المهاجمين ليوم الانتخابات الرئاسية رسالة مؤداها التشويش على هذا الاستحقاق، خصوصا وأن حملة الرئيس المترشح والمنتهية ولايته إدريس ديبي ركزت على السلم والأمن، وقد نجح المتمردون إعلاميا على الأقلحيث أصبح الشغل الشاغل في التشاد هو الوضع العسكري والأمني في الشمال وليس الاستحقاق الانتخابي.

اقتصر ما قام به الجيش التشادي على القصف الجوي ولم يقع اشتباك على الأرض، فالمتمردون وعناصر الجيش يرى بعضهم بعضا من بعيد، وكل طرف يتجنب المواجهة المباشرة مع الآخر، فالجيش يخشى السقوط في كمين قد ينصبه له المتمردون، والمتمردون يصعب عليهم مهاجمة الجيش إذ أغلب المنطقة صحراء مكشوفة يصعب التحرك فيها دون غطاء جوي، وهو ما لا يملكه المتمردون.

وليست هذه المرة الأولى التي يشن فيها المتمردون هجوما على الجيش التشادي؛ إذ حاولوا في فبراير/ شباط 2019 التوغل في نفس الإقليم، إلا أن القصف الفرنسي، وبناءً على طلب نجامينا، قد أوقف محاولتهم.

تأثيرات الوضع الليبي

منذ إعلان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في مارس/ آذار 2021 مقترحه الداعي إلى مغادرة المرتزقة التراب الليبي، ومع ضغوط المجتمع الدولي المطالبة برحيل جميع المرتزقة الأجانب، فقد غامر جزء كبير من المسلحين التشاديين بالدخول إلى الأعماق التشادية. كما أن هذا الهجوم غير بعيد من هذه الدعوة الدولية، وهو هجوم قد نظمته جبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد، وهي فصيل عسكري/سياسي مناهض لنظام إدريس ديبي تأسس في تانوا في شمال تشاد في إبريل /نيسان 2016 ويترأسه محمد مهدي علي، المعارض التشادي المخضرم، والمتخصص في القانون والعلوم الاقتصادية، والذي عاش في منفاه الفرنسي 25 سنة قبل أن يعود للتشاد سنة 2005 ويتقلد وظيفة مفتش بوزارة الأشغال العامة، وما لبث أن عاد للمنفى في السودان مناهضا نظام ديبي. وما إن بدأت الحرب في ليبيا سنة 2014 حتى انتقل مهدي علي بفصائله المسلحة إلى التراب الليبي، وأصبح أحد حلفاء اللواء المتقاعد حليفة حفتر. وكان لمسلحي جبهة الوفاق معسكرات في مرتفعات السودة بالجنوب الليبي.

ومع أن الضغط الدولي يتجه نحو إخراج جميع المرتزقة من ليبيا، فقد يكون اللواء المتقاعد خليفة حفتر أشار لحلفائه في جبفة الدفاع بضرورة الخروج من ليبيا حتى لا يسببون له إحراجا وهو يسعى لضمان موقع له في المشهد الليبي الذي بدأ يتشكل، ولا يريد مزيدا من الأعباء والضغوط. ولا يخفى أن لحكومة الوفاق التي كانت تحكم غرب ليبيا حلفاءَ من المسلحين التشاديين؛ وقد يتبنون نفس الاستراتيجية ويلتحقون بجبهات التمرد المشتعلة في شمال التشاد. ومن المعلوم أن جميع المتمردين التشاديين كانوا قد استغلوا الوضع الليبي المضطرب وربطوا علاقات بمختلف الأطراف الليبية، وهم اليوم في وضع حرج لا يسمح لهم إلا بالانصياع للضغوط الدولية المطالبة بإخلاء ليبيا من جميع المرتزقة.

المعركة البرية الوشيكة

بدأت بعض أرتال الجيش التشادي تترك مواقعها متجهة نحو الحدود الليبية، ومع أنها تتحرك ببطيء إذ ربما تنتظر أن ينهى سلاح الطيران الجوي التشادي مهماته الاستطلاعية حتى ستكون الساحة مناسبة لتدخل بري. وإذا كانت منطقة تيبستي جبلية ويمكن للمتمردين التخندق في مرتفعاتها، فإن منطقة بوركو، التي أصبح المتمردون على مشارفها، صحراء مكشوفة، لا يمكن للجيش أن ينتشر فيها دون تغطية جوية مكثفة، بل بات من الضروري أن يضمن نظام إدريس دبي مساندة فرنسية. ومعلوم أن جبهة الوفاق قد طلبت من فرنسا، في بيان نشره مكتبها في باريس، التزام الحياد وعدم التدخل في مسألة تخص التشاديين وحدهم. وذكرت الحركة في بيانها، أن الطيران الفرنسي ينفذ طلعات جوية فوق مناطق سيطرتهم وهو ما نفته باريس.

والواقع أن المسلحين التشاديين في ليبيا واقعون في حرج وليس أمامهم الكثير من أوراق المناورة عكس المسلحين السودانيين الموجودين في ليبيا؛ حيث أولئك على حل قد يمكنهم من العودة بأمان للسودان، فقد ضمن اتفاق السلام الموقع بين حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو ميناوي وبين الحكومة السودانية في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2020 آلية لرجوع المسلحين إلى السودان، في حين ليس لدى المتمردين التشاديين في ليبيا إطار تفاوضي يسمح لهم بالعودة الآمنة لبلادهم.

الموفق الفرنسي.. هل تعود باريس لعادتها القديمة؟

وفقت باريس إلى جانب نظام ديبي لما تعرض لهجوم مشابه في فبراير/ نيسان 2019، فلم تتحرك القوات الفرنسية في البداية بل تركت المتمردين يتوغلون حتى بلغوا مسافة 400 كلم في اتجاه انجامينا فقصفتهم ومنعتهم من تحقيق أهدافهم، وتذرعت باريس في بيان أصدرته حينها أن هؤلاء المتمردين يهددون الأمن التشادي الذي تلتزم فرنسا بالدفاع عنه.

والواقع أن دوافع القصف الفرنسي للمتمردين سنة 2019 ما زالت قائمة اليوم، فحليف باريس الرئيس إدريس ديبي ما زال في الحكم، ومن المؤكد أنه سيفوز بعهدة سادسة، والتشاد عضو فعال في تجمع دول الساحل الخمس الذي يرتبط بشراكة عسكرية وأمنية مع فرنسا. وقد أرسل الرئيس ديبي مؤخرا مجموعة من القوات التشادية الى المثلث الحدودي الواقع بين بوركينافاسو ومالي والنيجر، للمساهمة في مواجهة الحركات الجهادية، وهو أمر يُرضي باريس التي تفضل إسناد تلك العمليات إلى الجيوش المحلية. ومع أن الرئيس ديبي كان قد أبدى امتناعا بدايةً إلا أنه وافق في النهاية على إرسال قواته إلى المثلث المذكور، ومن غير المستبعد أن تسانده باريس وهو في مأزقه الحالي مكافأة واعترافا بالجميل.

ولحد الساعة ما زالت فرنسا ملتزمة بالحياد تجاه ما يحدث في شمال التشاد، ورفضت قيادة أركان الجيش الفرنسي تأكيد ما تردد عن تدخل فرنسي لصالح الجيش التشادي، ومن المعلوم أن مقر قوة برخان الفرنسية هو انجامينا. والقرائن تدل على أن المراقبة عن كثب للوضع الذي تنتهجه فرنسا قد تتحول إلى تدخل لصالح حليفها الرئيس ديبي وتضرب مواقع جبهة الدفاع.

خاتمة

يبدو أن الخيار العسكري هو الخيار الوحيد المتبقي أمام المعارضة التشادية المتمركزة بليبيا خصوصا وأن هنالك دعوة دولية ملحة لإخلاء ليبيا من المرتزقة. ونظرا إلى فعالية هؤلاء المسلحين القتالية فإنه من غير المستحيل أن يفرضوا واقعا عسكريا في شمال تشاد، خصوصا وأنهم لا يحظون باتفاقيات سلام تسمح لهم بالعودة إلى بلادهم عكس المسلحين السودانيين. ولو تدخل الجيش الفرنسي لصالح الرئيس ديبي لتحول ميزان القوة لصالحه، وهو أمر غير مستبعد، فقد ردت باريس مرات هجومات المتمردين التشاديين، وقد تشهد الأيام القادمة عملية عسكرية برية يقودها الجيش التشادي لا نستبعد أن تحظى بإسناد عسكري فرنسي مباشر.

***

سيدي أحمد ولد الأمير ـ باحث، ومشرف وحدة الدراسات الإفريقية، بمركز الجزيرة للدراسات. حاصل على دكتوراه في الأدب من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني بالمغرب. أعد مع فريق من جامعة نورث ويسترن بالولايات المتحدة الأميركية الموسوعة الحضارية للمؤلفين بمنطقة الصحراء. له كتب ومقالات منشورة.

___________

مواد ذات علاقة