مختار غميض

يرتبط الحل الليبي بمدى حصول توافقات دولية وإقليمية، وقد تحولت عاصمة القرار الليبي إلى قِبلة للأوروبيين الذين رحّبوا جميعهم بتنظيم الانتخابات الليبية في موعدها وتمسكوا بخيار إخراج المرتزقة من البلاد.

الجزء الأول

تشهد ليبيا اليوم، في ظلّ مسارها الجديد،حراكًا سياسيًّا كبيرًا وجولات مكّوكيّة لرئيسيْ حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي، بالتوازي مع ذلك يخوض حفتر تحركات عسكرية في خضمّ وضع أمني متفجّر ضمن نطاق نفوذه، في مساع لإعادة التموقع مرة أخرى في المشهد الجديد.

بالتوازي مع ذلك تزداد مواقف اللاّعبين الدوليين وتبايناتهم وضوحا من العملية السياسية والأمنية العسكرية.

هذا الخلاف سيتضح كلما اقترب موعد الانتخابات أكثر، مما قد يؤثر عليها خاصة في المنطقة الشرقية حيث قد يعيد العسكر ظهوره بشكل مدني من خلال صندوق الاقتراع عبر شخصية حفتر أو من سار في ركابه سابقا.

وبالتالي يظل ذلك الرهان الأكبر المثير للتخوفات مع كثرة الملفات المطروحة على الحكومة الحالية في ظل قصر فترتها مما يجعلها حكومة توصيات ومجاملات غير قادرة على فك تحالفات على الأرض رغم ظهور بوادر مصالحة شاملة قد تنجح في تخفيف التوترات والذهاب نحو انتخابات عامة.

مقدّمة
لم يبق للجنرال المتمرد حفتر، وسط مُناخ المصالحات الإقليمية، سوى اللعب على الفراغات والمناورة واستغلال أجواء الفوضى أو اختلاقها، وبالتالي إرباك المشهد مما قد ينذر بفشل مساعي التوصل إلى انتخابات عامة، ذلك الذي تُركّز عليه السلطة التنفيذية الجديدة كل جهودها حيث أصبحت طرابلس محجّا للدول الأوروبية لرعاية مصالحها المتقاطعة في ما بينها.

وذلك بعد انفراجة جديدة شهدتها الساحة الليبية بتوصل اللجنة الدستورية المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي إلى تفاهم بشأن وضع القاعدة الدستورية التي على أساسها سيتم إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في الرابع والعشرين من ديسمبر المقبل.

لذلك يأبى حفتر مجددا إلاّ أن يسوّق لنفسه، بالتخلّص من الحرس القديم والقفز على السلطة الجديدة، والتسويق لصورة الجيش النظامي كمحاولة لإعادة التمظهر والترويج لصورة الجيش القوي الذي سيوحّد البلاد، فربما يترشح بزيّ مدني أو يدفع بمرشح لرئاسة ليبيا على أساس، ما لا يدرك بالعسكرة قد يدركه بالصندوق، خاصة إذا تشتّت أصوات المنطقة الغربية على أكثر من مرشح.

أولا: تداعيات المسار الجديد

أالتخلص من الحرس القديم

على الرغم من القبول بحكومة الوحدة ونيلها الثقة في مناطق سيطرة حفتر، إلاّ أن عودة الفوضى إليها يُعدّ فاتورة لخسارة الحرب على طرابلس، فلا غرابة أن نرى مسلسل الاغتيالات في بنغازي أو تمردا قبليا على حكم العسكر أو مناداة بحكم مدني أو فوضى في سرت.

ذلك التمرد كان من أقرب المحيطين لحفتر من نجل قائد قوات الأركان الجوية صقر الجروشي الذي هدّد حفتر في شخصه مما جعل والده يخرج في رسالة مرئيّة رديئة في وقت متأخر من الليل ويعتذر من ردة فعل ابنه مما يلفت الأنظار إلى طبيعة المؤسسة العسكرية التي طالما افتخر بها أولئك.

من هناك بدأ حفتر يشعر بالخطر من خلال عدة تصفيات تمت في بنغازي، قد يجد نفسه بين عشية وضحاها مطلوبا للعدالة كحامٍ للمجرمين، بعد انتقادات عدة طالته بالصوت والصورة في عقر داره تحت عنوان المرموقين سرقونا“.

بل إن أفراد الكتيبة 106 التابعة لأبناء حفتر باتت تقتحم وتختطف في وضح النهار أفراد البحث الجنائي ببنغازي، في ما يعتبر ضربا لمؤسسات الدولة بعضها ببعض.

ثم إن قتل الساعد الأيمن لقائد قوات الكرامة، محمود الورفلي تم في ظروف مريبة وتم دفنه في جنح الظلام في ظرف ثلاث ساعات، حتى أن نشطاء خرجوا وطالبوا وهدّدوا بكشف قاتليه، بل إن القاضية ومدعية المحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة، قالت إن ملف الورفلي لم يغلق ولن يغلق بموته وسيتم ملاحقة داعميه.

هذا التخلص من المعارضين في محيط حفتر هو رسالة للكانيات وقادة اللواء التاسع المطرودين من ترهونة والذين بحقهم جرائم والمحميين اليوم في معسكر الرجمة، مطالبين بالتزام الصمت، تأتي كل هذه الأحداث متزامنة مع أوامر من كتيبة نجل حفتر صدام لعناصر الكاني بسرت لتسليم أسلحتهم مما قد ينذر باتساع المواجهة معهم قادم الأيام.

وربما مصير الورفلي في انتظارهم بدون محاكمة ولا قضاء بل بتصفية في الميدان وأنا أو لا أحد (كما قالها حفتر في خطاباته)، وهذا قد يكون وراء عدم تركيز مؤسسات حكومة الوحدة في سرت كما كان مقررا في البداية.

ببث الفوضى غربا

كل تلك الانزلاقات الأمنية لحقتها مظاهر إبراز القوة والتكامل لدى قوات حفتر بعد التآكل والاقتتال الداخلي في رسالة ترهيب ووعيد للمقرّبين والبعيدين، تزامنت مع ظهور بعض أعمال الفوضى غربا في طرابلس حيث عاد شبح الاغتيالات مع استهداف رئيس الحرس الرئاسي لحكومة الإنقاذ، وقد رآها بعض المتابعين نتاجا طبيعيا لتصدير حفتر لأزماته، وهذا نهج قديم منذ أيام حكم المؤتمر الوطني العام قبيل إعلان حفتر انقلابه في ارتباط بأجندات إقليمية لإفشال الثورة.

كما استمر ذات المنهج لبث الفوضى في العاصمة، وقد ساهم في ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، حكم القضاء على أحد أفراد ثوار 17 فبراير بالإعدام بحجة محاربة الدولة، وهو الذي كان يواجه قوات حفتر في بنغازي مما أثار حالة استياء واحتجاجات لعدة نشطاء في طرابلس من هؤلاء الذين دعوا إلى إطلاق سراح كل أسرى الشرق المناهضين لحفتر.

كذلك في الزاوية حيث تم اختطاف مدير مديرية أمن المدينة عماد الدين مسعود، وكلها قد تكون رسائل لليد الطولى ولخلط الأوراق عبر تحريك الخلايا النائمة، كما تم تحريكها من قبل في أيام العدوان على طرابلس، مع مراعاة اختلاف تكتيكات المرحلة وطبيعتها.

ج القفز على السلطة الجديدة

منتهجا سبيل المناورات فوق السلطة الجديدة ودون إذنها، لم يمتثل حفتر لقرارات اتفاقات جنيف حتىّ بقيت رهينة التطبيق على المنطقة الغربية، ولا لقرارات حكومة الوحدة بحيث ما يزال يحتفظ لنفسه بمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع بالشرق، قافزا على السلطة الشرعية، بينما يعتبر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي هو القائد الفعلي للقوات المسلحة فيما احتفظ رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة بمنصب وزير الدفاع تجنبا لإثارة الأزمات، لأنه يعلم مسبقا حساسية هذا المنصب وهو سبب الأزمة في بنود حكومة الصخيرات.

لكن حفتر تحدى تلك الإجراءات بدون استشارة ولا إعلام حكومة الوحدة ولا إشرافها حتىّ، قامت قواته بمناورات عسكرية وظهر فيها حفتر بلباس عسكري صحبة أبنائه العسكريين وعلى رأسهم خالد، لكن الأهم واللافت للنظر خلال المناورات هو ظهور طائرات سوخوي ٢٤ الروسية كسلاح جديد يدخل الميدان العسكري في الشرق مما يثير مسألة الدعم روسي من جديد.

ثم ظهر حفتر ثانية بلباس مدني في مخالفة تامة لهواجسه وأحلامه في الحكم العسكري في ملتقى هو الأول من نوعه لكافة ضباطه وعسكرييه عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع قوات حكومة الوفاق السابقة في جنيف يوم 23 أكتوبر الماضي، في رسالة للداخل والخارج كما سمته قناة نجل حفتر، يبدو أنه لإعادة ترتيب وإخراج ميليشيات حفتر والمتمرد في صورة قوات نظامية بعد تخلصها من مجرمي الحروب أو هكذا تسوّق صورتها بعد استهداف الورفلي، ومثل هذه الصور ليس هناك أي مجال لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في مناطق نفوذه وهو يعرف تماما كيف يعني تزوير الانتخابات، وقال مرارا إنه لا يؤمن بها.

كذلك، خروج حفتر وحديثه عن القوات المسلحة النظامية في إشارة إلى قواته، بل وطالب حكومة الوحدة بدعمها كشرط للاستقرار السياسي والاقتصادي وذكّرها بانقلابه منذ 2014 الذي اعتبره حربا على الإرهاب، حيث جمع كل الثوار في سلة واحدة مع فلول الإرهاب في بنغازي ودرنة.

وهدّد باستمرار مهمة أبطاله لتأمين الحدود والمياه مطالبا إياهم بالاستعداد للواجب المقدس، وهو نفس الواجب الذي اعتبره عند هجومه على طرابلس الصيف قبل الماضي، كما دعا إلى رفع حظر توريد السلاح عن ليبيا وهو الذي يتسلح رغم الحظر.

يأتي هذا اللقاء كرسالة من حفتر بعد ما شهدته بنغازي من انفلات أمني، ودفع بعض قادته مثل عبد الرزاق الناظوري وعون الفرجاني إلى التكلم بأنفسهم حيث أشارا إلى تصفية البعض، وقالا إنه تم تطهير الجيش من العشوائيات التي لازمتها السنوات الماضية(يقصد الورفلي)، وطالبا بالابتعاد عن الولاءات والقبلية لأن أجندتهم خارجية.

***

مختار غميض: صحفي تونسي، مهتم بالشأن الليبي

____________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مواد ذات علاقة