مختار غميض

يرتبط الحل الليبي بمدى حصول توافقات دولية وإقليمية، وقد تحولت عاصمة القرار الليبي إلى قِبلة للأوروبيين الذين رحّبوا جميعهم بتنظيم الانتخابات الليبية في موعدها وتمسكوا بخيار إخراج المرتزقة من البلاد.

الجزء الثاني

ثانيا: التقاطعات الدولية في المشهد الجديد

أخطر الفراغات الأمنية والدستورية

على الرغم من توافقات جنيف ومخرجاتها فإن ميزة المشهد الليبي باقية إلى حد الآن من حيث تقاطع المصالح الدولية في ساحة لتصفية حسابات بالوكالة، ولو بشكل أقل حدّة نظرا لطبيعة المرحلة والظرفية الدولية بعد هزيمة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

فعمليًّا، يمكن الإشارة إلى أن ضعف حكومة الوفاق هو الذي ترك فراغا لحفتر كان بمثابة هامش للمناورة فيه، استغله ليقول إنه رجل ليبيا القوي، وبالتالي جلب الدعم الدولي، فمنذ تشكل حكومة الوفاق لم تواجه الهجوم على درنة ثم لم تواجه تمرد الكانيات في 2018 بطرابلس، ولم تواجهها حكومة السراج حتى قبل ذلك في الجفرة.

وهذا درس أيضا لحكومة الوحدة رغم محدودية صلاحياتها المقيّدة بتوحيد المؤسسات وتحسين الظروف المعيشية للمواطن وإجراء انتخابات عامة.
أما رئيس البرلمان عقيلة صالح الذي قلّد حفتر كل الصلاحيات دون أي وجه قانوني أو دستوري، فيبدو حريصا على البقاء على رأس البرلمان ومتحكما فيه، بعدم تمكين إقليم فزان من منصب رئاسته، وبالتالي سيمنح حفتر نفس الضمانات القديمة، لترشحه وليمسك أوراق اللعبة.

كذلك تواجد الروس إذا نجح حفتر أو سيف الإسلام القذافي (رغم استبعاده لأنه مطلوب للجنائية الدولية) فغدا إذا حكم سيستخدم حتما عصا الروس لإعادة الجميع إلى بيت الطاعة، وهناك نشير إلى المناورات التي يريد القول من خلالها إن الشرق مؤمَّن والجنوب مؤمَّن.

بالتالي سيستخدم عصا الروس مثلما يستخدمها بشار الأسد في سوريا، وسيقول بأنه سيلتزم بشرعية الصندوق بالقوة لضم طرابلس سلماً، بالتالي هي فاجعة ستأتي به بالانقلاب الناعم وبطريقة دستورية.

وعليه، فإن حفتر ككلّ عسكري مستبدّ غير مستعدّ للاعتراف بالفشل منذ هزيمته في حربه على طرابلس جوان الماضي، ويبقى كل هاجسه هو الوصول إلى السلطة، والغاية بهذا المفهوم تبرّر كل وسيلة.

بالضوء الأحمر الأمريكي

بعد الضوء الأخضر الذي منحه ترامب لحفتر لغزو طرابلس والذي مُنيَ إثره المتمرد بخسائر فادحة، ما فتئت الإدارة الأمريكية الجديدة ومنذ مبادرتها لحل الأزمة تحذر من التدخل الروسي، لكن يبدو أنّ الاختراقات التي تشدها الحدود الليبية التشادية قبل أيام، من مجموعات مسلحة تشادية وأخرى مدعومة من الإمارات ستكون سببا في إشعال أمريكا للضوء الأحمر أمام الجنيرال حفتر.

وانطلقت تلك الهجمات مؤخرا من الوسط والجنوب الليبي من مناطق حفتر (الجفرة الروسية) مما ينذر برغبة روسية في التوسع جنوبا، والرئيس التركي كان واضحا عندما دعا خلال استقباله الدبيبة إلى ضرورة بسط حكومة الوحدة كل سيطرتها على التراب الليبي ولديه المعلومات الميدانية والاستخباراتية كعضو مهم ونشيط في حلف الأطلسي ناتوالذي يراقب المنطقة عن كثب.

ذلك أيضا ما أكدته الولايات المتحدة، التي يجمعها مع تركيا نفس الحلف وضمن الأفريكوم، وقد طالبت أمريكا صراحة بضرورة سيطرة ليبيا على حدودها بعد ضبطها تدخل قوات حركة الوفاق من أجل التغير في تشاد في الأراضي الليية، وطالبت سفارتها بطرابلس بضرورة ضبط الحدود الليبية من أجل الاستقرار وقد سبق اكتشاف تدخل قادة من فاكتوتعاونهم مع قادة لقوات الكرامة منذ عامين في قاعدة الجفرة الخاضعة لحفتر وللروس بشكل خاص حاليا.

وعليه، فلا يخفى وجود توجه تركي أمريكي لدعم المسار الليبي يتعارض مع الرغبة الروسية الإماراتية، ضمن معادلة مرتزقة فاغنر ضد ؛ الناتو والأفريكوم، وبالتالي فواشنطن وأنقرة تريان المعادلة الاستراتيجية في ليبيا لا تخرج عن، إما فاغنرأو الناتوو الأفريكوم، ومن هنا يتضح الموقف التركي الأمريكي المتساوق لإشراك الليبيين واللاعبين الدوليين وخاصة بريطانيا الداعمين للعملية السياسية التي ستُتوّج بانتخابات ديسمبر، وهو ما سيساعد في تعزيز سيادة ليبيا، آمنة وخالية من التدخل الأجنبي من أجل الاستقرار الإقليمي وأمن جيرانها.

بل أكثر من ذلك، قد نرى ضوءا أخضر أمريكيا على المدى القريب لـضرب قوات حفتر وفاغنربعد حديث بريطانيا قبل أيام بأنها مستعدة لمواجهة فاغنرفي ليبيا، وقد يعود ذلك إلى تخفيف الضغط عن أوكرانيا حليف الناتوخاصة مع التحشيد العسكري الروسي الحالي على الحدود الشرقية الأوكرانية لاجتياحها.

جالدور الفرنسي السيئ

لايزال دور فرنسا الداعم القوي لحفتر، يستميت لاختراق سيادة ليبيا رغم تجاوز مرحلة الانقسام في ظل وجود حكومة وحدة وطنية، في مسعى لا يمكن فهمه غير ضمن مساعي ماكرون للعبث بإعادة تشكيل السلطة الليبية الجديدة، ومعلوم أن فرنسا دفعت ثمن تدخلاتها سابقا بافتضاح سياستها منذ تدخلها العسكري والاستخباراتي في بنغازي ثم في غريان والحرب بالمنطقة عموما وربما تدفع ثمن ذلك مرات قادمة.

فرئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري وقع في خلافات كبيرة مع وزير خارجية فرنسا جون ايف لودريان خلال التقائه بالنيجر على هامش تنصيب رئيسها الجديد محمد بازوم، وقد أصر لودريان حكمه حينها على قدم المساواة بين المعتدي والضحية، مطالبا بإخراج متزامن للمرتزقة متعددي الجنسيات الداعمين لحفتر والقوات الأجنبية في إشارة إلى الأتراك، في خلط واضح بين من جاء باتفاقية شرعية وبين من جاء بشكل عدواني وغير شرعي.

كذلك هناك حديث عن امتعاض من دعم فرنسا لمفوضية الانتخابات الليبية بقيمة مليون يورو، وهذا من شأنه شراء ولاءات وتدخل في سيادة دولة واختراق خصوصياتها.

كذلك فإن الخشية من عدم خروج المرتزقة الروس يؤشر على دور روسي أكبر وقد يتمدد أكثر بعد الكشف عن حفر عناصر فاغنرنفقا بسبعين كيلمترا يفصل شرق ليبيا عن غربها وبعرض عشرة أمتار وعمق لم تحدده خرائط غوغل، مما يوحي بوجود تحضيرات روسية لمعركة مّا، ومن هنا نفهم دعوة المشري لأولوية إخراج المرتزقة قبل القوات الأجنبية في إشارة للأتراك كضمانة لعدم عودة الاستبداد كما كانوا خلال فترة حكومة الوفاق إلى حين تسليم صلاحياتها.

كل تلك الخلافات تضع حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي أمام تحديات كبرى، قد لا تجدي فيها محاولات مسك العصا من المنتصف نفعا، رغم نجاح الدبيبة نسبيا في امتصاص غضب كثير من الفاعلين والنشطاء بعد زيارته المطوّلة للإمارات قبل امتعاض قطر التي رفضت زيارته لساعات، حيث عوّضهابزيارة على رأس وفد وزاري وعسكري كبير ورفيع إلى الحليف التركي وعقد فيه صفقات واتفاقيات في الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي

وعندها جازى رجال أعمال أتراك بمشاريع إعادة الإعمار ثم أكد من قلب أنقرة على الشرعية القانونية للاتفاقية مع تركيا مما أثار حفيظة اليونان في الوقت الذي كان فيه وزير خارجيتها يتحدث من قلب بنغازي مع حسن القطراني نائب رئيس حكومة الوحدة عن عدم شرعية مذكرة التفاهم الليبية التركية.

إلى جانب ذلك وعلى خلاف ما تم تداوله، لم يتناول رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي لا من قريب ولا من بعيد موضوع الاتفاقية مع تركيا، مع الجانب اليوناني الذي استدعته لزيارتها (بعد طرده عندما كان سفيرا لديها على اثر توقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية) التي عقبت زيارة الدبيبة لأنقرة.

بل أكد المنفي ردا على دعوة اليونان لبدء مباحثات لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، بأن المجلس الرئاسي غير مخوّل وفق اتفاق جنيف بعقد أي اتفاقيات.

إذًا، وبعد رفض المنفي من اليونان الخوض في الاتفاقية، زار وزير الخارجية اليوناني تركيا والتقى أردوغان بما أن اليونان باتت هي شبه الناطقة باسم الأوروبيين في مسعى للضغط على تركيا للاستجابة لمفاوضات التنقيب عن الطاقة شرق المتوسط، وفي علاقة بالجانب المصري الذي بدأ يتقارب مع تركيا.

مصر التي ورغم تطبيعها البراغماتي مع طرابلس، لضمان مصالحها، لكنها لم تتخلّ عن تسليح حفتر كورقة ضغط موازية قد تصلح لظروف أخرى، بعد كشف طائرتين مصريتين تحملان مساعدات طبية إلى سبها تخفي شحنة من الأسلحة والذخائر مخبأة تحت الأدوية، لدعم عناصر حفتر.

ثالثا: أجواء الحوار وفرص المصالحة

يرتبط الحل الليبي بمدى حصول توافقات دولية وإقليمية، وتحولت عاصمة القرار الليبي إلى قِبلة للأوروبيين أمثل اليونان وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا، الذين رحّبوا جميعهم بتنظيم الانتخابات الليبية في موعدها وتمسكوا بخيار إخراج المرتزقة من البلاد، ولو مبدئيا، لكونه مسألة معقدّة قد يتم ترحيلها إلى سلطة ما بعد الانتخابات، هذا في حال لم يتمّ تأجيل الانتخابات نفسها.

ذلك الإجماع الخارجي يشجّع الداخل، فلابد من الإشارة إلى أهمية تأسيس مفوضية المصالحة الوطنية كبارقة أمل في وطن تكالبت عليه الأمم وأنهكته الصراعاتكأي مشروع لوطن يتعافى بعد انقسام، المشروع هو جزء من مشاريع عدة، بعد مصالحات سياسية، جاء دور مصالحة اجتماعية مجتمعية، من خلال مدينة الزواية لسجناء يمثلون كل ليبيا، قدمته كنموذج سلام يمثل محاربين وبحضور نخبة وسياسيين، وقد قوبلت الخطوة بمرونة من جانب حفتر ولو بشكل محتشم، فقد أفرج عن نساء من سجن قرنادة، لكن تبقى الخشية ممن يعرقلون هذا المسار.

لذلك كانت كلمة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي كممثل عن الشرق، ضمن هذا الإطار حيث وعد بأن تشمل المصالحة الجميع، في إشارة الى الخضر من بقايا النظام السابق، لكن يجب التنويه إلى أن حالة الموازنة بين المصالحة يجب أن تكون بالتساوي مع العدالة الانتقالية، فهناك جرائم تركت شرخًا مجتمعيًا ويجب تقديم الجناة للعدالة، وجبر الضرر للمتضررين.

وهنا يمكن التذكير بالآلاف من مهجري الشرق الذي نجوا بجلودهم من بطش قوات حفتر، إضافة إلى المساجين في سجون الكويفية وقرنادة الذين يسومهم حفتر سوء العذاب.

كذلك لا يمكن نسيان مهجري منطقة تاورغاء، وقد زارهم عبد الحميد الدبيبة ووعدهم بالعودة الى ديارهم، كذلك زيارته لترهونة ووعوده بمقاضاة المجرمين، كلها ملفات ثقيلة لا يمكن حلها في أشهر معدودة ما تزال في عمر السلطة الحالية.

رابعا: ملامح عودة الحرس القديم

تعتبر السيطرة على مقاليد الحكم بعودة جسم أو اسم معين، ونقصد العودة من الصندوق لأسماء تمثل خطرا على الانتقال السياسي والاستقرار في بلد في حاجة إلى التعافي، أمثال عارف النايض وسيف الإسلام وخليفة حفتر، يمثل خطرا حقيقيا على مستقبل البلاد السياسي لكونهم مرفوضين في المنطقة الغربية ومن شريحة واسعة.

ولكن هناك قوى تعمل على ذلك من خلال عوامل ثلاثة، من خلال عدم السماح بتمرير مشروع الدستور، ثم إفشال مشروع العدالة الانتقالية أو إطالة عمر الصراع، لأن العامل الأول يمنع حفتر من تولي منصب رئاسة ليبيا لأنه عسكري ومزدوج جنسية، والعامل الثاني سيعجّل بمقاضاته لجرائم الحرب التي ارتكبت تحت حكمه، أو العمل على تأبيد الصراع وتأجيل الحل من خلال إفشال القيام بالانتخابات في موعدها، تلك العوامل قد تنذر بتجدد الحرب والعودة للاقتتال.

وسبق لتقرير أمريكي عن التهديدات العالمية للأمن القومي الأمريكي أن أشار إلى مواجهة الحكومة الليبية لتحديات عدة منعت الحكومات المتعاقبة من تحقيق المصالحة مما يعني عدم الاستقرار وخطر عودة الحرابة، خاصة مع عدم محاسبة المجرمين، وكل من أوغلوا في إراقة دماء الليبيين ونهبوا أموالهم وإلا فيعني تأجيل حرب ليس أكثر، لكن لايمكن التكهن بموعدها ما لم يتم معرفة توجهات السلطة المنتظرة وبرامجها.

لكن في كل الحالات فإن برقة وطرابلس باتتا تدركان أن الحضور الباهت لحفتر بعد سلسلة خيباته وفوضاه لإنعاش شعبيته من جديد فلا استبعاد لأن تكون هناك كباش فداء شرقا أو غربا بفعل أو إيعاز استخباراتي من وراء البحار لكن السيادة الليبية بات يدركها الجميع أن جاءت بخشم البندقةعلى أسوار طرابلس، كما قالها حلف العسكر.

خاتمة
إن لم يقع لملمة جراح الماضي وتهدئة الأنفس فإن من شأن ذلك خدمة مشروع انتكاسة لا قدر الله، قد يكون فيها حفتر ورقة قابلة للعب رغم التململ الكبير في مناطقه من الاحتراب، وهذا ما تحسب له المنطقة الغربية ألف حساب وذلك بالحؤول دون تشتت مرشحيها للانتخابات وإنجاح المشروع المدني.

وبعدها يتم البناء على حجر مشروع المصالحة الذي ستستكمله الحكومات القادمة نحو وطن يجمع بدون تهميش، وهذا ما بدأ ينادي به حتى مناصرو حفتر، وهو ما من شأنه الحشد والتحفيز من الآن باتجاه انتخابات على قاعدة دستورية وتحقيق أهداف مؤتمر جنيف واللجنة العسكرية المشتركة لتوفير الاستقرار وتوحيد المؤسسات.

***

مختار غميض: صحفي تونسي، مهتم بالشأن الليبي

____________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مواد ذات علاقة