محمد سعيد

اتفقت مصر وليبيا على عودة العمال المصريين إلى سوق العمل الليبي، في حين تسعى القاهرة للمساهمة في إعادة إعمار ليبيا التي مزقتها الحرب.

قالت مصادر مصرية تعمل في مجال تصدير العمالة إلى الخارج لموقع «المونيتور»: بعد سنوات من غياب الاستقرار، وما تسبب فيه هذا الوضع من خسائر فادحة أثرت في تدفق العمال المصريين إلى ليبيا، من المتوقع أن تتجاوز أعدادهم مليونين بحلول عام 2024.

وقال حمدي إمام، رئيس قسم شركات التوظيف في الغرفة التجارية بالقاهرة، ورئيس وكالة «جلوبال هيومان ريسورسز» للتوظيف الخارجي، لموقع «المونيتور»: إن العمال المصريين سيشاركون في إعادة إعمار ليبيا التي رمتها الحرب الأهلية في أتون الفوضى على مدى عقد من الزمان.

واتفقت مصر وليبيا في 20 أبريل (نيسان) على السماح للعمال المصريين بالعودة إلى سوق العمل الليبي. أُبرِم الاتفاق خلال زيارة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي للعاصمة الليبية طرابلس، برفقة وفد مكون من 11 وزيرًاوأضاف إمام: إنه من المتوقع وصول الدفعة الأولى من العمال المصريين إلى ليبيا بمجرد اكتمال إجراءات إعادة فتح السفارة المصرية والقنصلية العامة في طرابلس، بعد عيد الفطر (النصف الثاني من مايو/ أيار).

(11) اتفاقية تعيد المصريين إلى ليبيا

كانت مصر قد أغلقت سفارتها وقنصليتها العامة في طرابلس، في يناير (كانون الثاني) 2014 بعد أن اقتحم مسلحون القنصلية وخطفوا أربعة دبلوماسيين.

وقال مدبولي في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة، خلال زيارته لطرابلس في 20 أبريل: كان هناك 3 ملايين عامل مصري في ليبيا حتى عام 2011. لكن هذا العدد شهد انخفاضًا كبيرًا بسبب النزاعات السياسية والمسلحة التي اجتاحت ليبيا في أعقاب سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011.

أوضح التقرير الذي أعده الصحفي المصري محمد سعيد أن عودة العمال المصريين إلى سوق العمل الليبي يأتي تتويجًا لـ11 اتفاقية وقعت بين البلدين أثناء زيارة مدبولي، في مجالات النقل، والإسكان، والبنية التحتية، والصحة، والقوى العاملة، والكهرباءكما اتفق الجانبان على استئناف رحلات الركاب بين القاهرة وطرابلس، واستئناف رحلات الشحن بين موانئ البلدين

حقبة جديدة من الشراكة بين مصر وليبيا

يلفت تقرير «المونيتور» إلى أن ليبيا لطالما كانت وجهة رئيسية للعمالة المصرية القادمة من المناطق الريفية للعمل في مجالات البناء والحرف اليدوية. لكن مع تصاعد التوتر في ليبيا منذ عام 2011، طلبت وزارة الخارجية المصرية مرارًا وتكرارًا من المغتربين الذين يعيشون في ليبيا العودة إلى ديارهم.

لا توجد إحصائيات دقيقة حول عدد العمال المصريين الذين بقوا في ليبيا في ذلك الوقت. ويقول إمام: إن الأرقام غير الرسمية لا تزيد على مئات الآلافوقال الدبيبة، خلال المحادثات التي جرت بين مسؤولي البلدين في طرابلس يوم 20 أبريل: إن الاتفاقيات الموقعة تبشر ببدء حقبة جديدة من الشراكة بين مصر وليبيا.

وأعلن مدبولي خلال اجتماع لمجلس الوزراء في 21 أبريل قرارًا بتشكيل لجنة وزارية مكلفة بتطوير الأطر المتعلقة بعودة العمال المصريين إلى ليبيا. وأوضح أن الجانب الليبي دعا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة بشأن عودة العمال المصريين إلى ليبيا وتسهيل التنقل بين البلدين.

وقال مدبولي، خلال اجتماع مجلس الوزراء: إن زيارته لطرابلس تعكس دعم مصر القوي لوحدة الأراضي الليبية وإنهاء جميع التوترات هناك. وأظهرت الزيارة، بحسب مدبولي، أن القيادة السياسية المصرية تدعم جميع الإجراءات التي تتخذها حكومة الوحدة الوطنية الليبية، والتي من شأنها أن تحقق التنمية في ليبيا خلال الفترة المقبلة.

وأشار مدبولي إلى أن زيارته شهدت أيضًا تحديد موعد لاستئناف عمل اللجنة المصريةالليبية المشتركة بعد تعليقها عام 2009. وطالب الوزراء المصريين المعنيين بالتنسيق مع نظرائهم الليبيين لبدء الخطط التنفيذية استعدادًا للاجتماعات المقبلة للجنة.

وفي 23 أبريل، قال الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مقطع فيديو بثته الرئاسة، إنه كلف الحكومة بتنظيم سفر العمال المصريين إلى ليبيا، بما في ذلك وضع قائمة بالعمال إلى جانب تخصصاتهم، بالإضافة إلى قائمة بالشركات المصرية التي يحق لها العمل في ليبيا تتضمن خبراتها واختصاصاتها

زيادة تحويلات المصريين العاملين في الخارج

يتابع التقرير: عانى العمال المصريون في ليبيا منذ سقوط القذافي، في ظل تحول البلاد إلى مرتعٍ للمليشيات المسلحة. ومع تحول الصراع إلى حرب بالوكالة، تعرض العمال المصريون للخطف والتعذيب والقتل.

ولا غروَ أن رحب إمام بخطوة إعادة العمال المصريين إلى ليبيا. وقال إنها ستساعد في تخفيف تأثير أزمة فيروس كورونا في العمال الذين عادوا إلى مصر بسبب التداعيات الاقتصادية للجائحةوأشار رئيس قسم شركات التوظيف في الغرفة التجارية بالقاهرة إلى تراجع الطلب على العمالة المصرية بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة التي صاحبت جائحة فيروس كورونا خاصة في دول الخليج

يعمل 14 مليون مصري في الخارج، لكن لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد العمال الذين أجبروا على العودة إلى مصر بسبب الجائحة. ومع ذلك، تشير تقارير غير رسمية إلى أن هذه الأرقام تتراوح بين 1.5 مليون إلى مليونين، في ظل توقف اقتصاديات الخليج عن الاستعانة بخدمات كثير من العمالة الوافدة.

وتابع إمام: إن إعادة فتح سوق العمل الليبي أمام المصريين سيساعد على زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، مما سيعزز إجمالي الدخل القومييوضح التقرير أن إجمالي الدخل القومي المصري يعتمد أساسًا على التحويلات مصدرًا للعملة الصعبة، والتي بلغت 29.6 مليارات دولار في عام 2020، وفقًا للبنك المركزي المصري.

يستشهد التقرير بدراسة حكومية أجراها معهد التخطيط القومي، التابع لوزارة التخطيط، رجحت انخفاض التحويلات المالية التي يرسلها المصريون العاملون في الخارج خلال عام 2021 بسبب الجائحة

الحفاظ على النفوذ المصري في ليبيا خلال الفترة الانتقالية

وقال أحمد عليبة، الباحث في دراسات الأمن الإقليمي في المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، لموقع «المونيتور»: إن زيارة مدبولي والاتفاقيات الموقعة مع الجانب الليبي تأتي في وقت تتوق فيه الجهات الفاعلة الرئيسية في ليبيا إلى التعاون مع السلطات الليبية الجديدة.

وتسعى مصر إلى الحفاظ على نفوذها في ليبيا خلال الفترة الانتقالية التي تقودها حكومة الوحدة الوطنية المشكلة حديثًا، تحت مظلة الأمم المتحدة، قبل إجراء الانتخابات في أواخر عام 2021.

وبعد أن منح البرلمان الليبي الثقة لحكومة الوحدة الوطنية، قالت مصر إنها تتطلع للعمل مع الحكومة الجديدة خلال الفترة الانتقالية؛ لانتشال ليبيا من الأزمة وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

زار الدبيبة مصر في أولى جولاته الخارجية، في فبراير (شباط)، قبل أن يزور رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، القاهرة في مارس (آذار)، في ثاني زيارة خارجية له بعد فرنسا.

ووقعت ليبيا مؤخرًا عددًا من الاتفاقيات الاقتصادية مع تركيا – التي يصفها التقرير بأنها المنافس الإقليمي لمصر – تشمل مجالات الطاقة وإعادة الإعمار، خلال زيارة الدبيبة لأنقرة يوم 12 أبريل برفقة وفد من الوزراء والمسؤولين.

وقال عليبةإن الاتفاقيات المتعلقة بخدمات الكهرباء والصحة والقوى العاملة من شأنها أن تشكل نقلة نوعية في الدور المصري في ليبيا. فبينما كانت الأولوية في وقت سابق تمنح للوضع الأمني في ليبيا، وهو أمر يتعلق بالأمن القومي المصري نظرًا إلى حدودهما المشتركة، تحولت مصر لتعمل ميسِّرًا للعملية السياسية. وخلُص الباحث في ختام التقرير إلى أن القاهرة تريد الآن أن تلعب دورًا في إعادة إعمار ليبيا وتنميتها.

***

محمد سعيد ـ صحفي مصري

___________

مواد ذات علاقة