هناك من يسعى لإشعال فتيل الحرب مرة أخرى، هذه القناعة تشكلت لدى رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبدالحميد الدبيبة، عقب منع قوات خليفة حفتر له من دخول مدينتي سرت (وسط) وبنغازي (شرق).. إلا بشروط.

الجزء الثاني

مصر تواصل الرهان على حفتر

بالنسبة للنظام المصري، فما زالت سياسته في ليبيا قائمة على إبعاد جماعة الإخوان المسلمين من الحكم في الجارة الغربية، لذلك فدعمهم لحفتر مازال متواصلاً رغم زيارة الدبيبة لهم وسعيه لكسب تأييدهم.

وتحاول القاهرة تغيير تكتيكها، فبدل دعم عمل عسكري يقوده حفتر، تسعى لركوب موجة الانتخابات لإيصال حفتر إلى الرئاسة دون أن يتنازل عن سيطرته على قواته والمناطق الواقعة تحت نفوذه لصالح المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة.

فتركيز القاهرة حالياً أكثر على ملف سد النهضة وتأثيره على حصتها من مياه النيل، خاصة مع اقتراب موعد الملء الثاني للسد في يونيو/حزيران أو يوليو/تموز المقبلين.

لكنها في نفس الوقت تواصل تزويد قوات حفتر بالأسلحة، بحسب الجيش الليبي، الذي أشار إلى أن الطائرتين المصريتين اللتين هبطتا في مطار مدينة سبها (في أبريل/نيسان) تحملان شحنة من الأسلحة والذخائر مخبأة تحت الأدوية“.

وهذه الأدوية، التي قالت قناة الحدث الموالية لحفتر، إنها جاءت بالتنسيق بين الأخير والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، يمكن أن تلعب دوراً في التسويق السياسي لحفتر بين سكان الجنوب قبيل أشهر من الانتخابات الرئاسية المرتقبة.

وبالمقابل، أعلن الدبيبة، في مؤتمر صحفي مع نظيره المصري مصطفى مدبولي، أن افتتاح السفارة المصرية بطرابلس سيتم عقب عيد الفطر، لتسهيل عودة العمالة المصرية إلى ليبيا، والمرتقب أن تصل إلى مليوني عامل في 2024، لتخفيف الأزمة الأمنية في البلاد.

 ومن شأن هذا التطور السياسي، وإمكانية نجاح تطبيع العلاقات مع تركيا، تقليص اندفاع القاهرة نحو دعم الحلول العسكرية في ليبيا، إلا أنه من المستبعد تخليها عن دعم مشروع حفتر في الوصول إلى الحكم، أو القبول برئيس من جماعة الإخوان المسلمين أو مقرب منهم.  

سيناريو حكومة الوفاق يتكرر مع الدبيبة 

هذا الوضع من شأنه تكرار نفس سيناريو حكومة الوفاق الوطني، بقيادة فائز السراج (2016-2021)، التي حاولت استرضاء حفتر بكل السبل من خلال منحه عدة امتيازات ومناصب لأنصاره.

حيث شدد السراج حينها على أنه لن يكون طرفاً في أي حرب بين الليبيين، وهذه السياسة شجعت حفتر على السيطرة على الموانئ النفطية في خليج سرت (السدرة وراس لانوف والبريقة والزويتينة) في 2016، ثم سيطر على قاعدة الجفرة الجوية (وسط) وكامل بلدات المحافظة التي تحمل نفس الاسم في 2017، وأنهى سيطرته على كامل الشرق الليبي بعد إخضاع مدينة درنة (شرق).

ولم يكتف حفتر بما حققه بل استولى، في 2019، على جميع القواعد الجوية العسكرية وحقول النفط والمدن الرئيسية في إقليم فزان.

ولم تحشد حكومة الوفاق كل قوتها إلا بعدما زحفت ميليشيات حفتر نحو العاصمة طرابلس في 4 أبريل/نيسان 2019، واستولت في طريقها إليها على مدن رئيسية في الغرب الليبي، على غرار غريان وترهونة وصبراتة وصرمان.

ولولا تحالف ثلاث مدن رئيسية في الغرب الليبي (مصراتة والزاوية وشطر من الزنتان) لسقطت طرابلس في يد حفتر خلال أيام وليس أسابيع.

كما أن تدخل تركيا مطلع عام 2020، أنقذ حكومة الوفاق من السقوط بعدما لم يكن يفصل قوات حفتر عن قلب العاصمة سوى نحو 6 كلم فقط، خاصة بعد دخول مرتزقة شركة فاغنر الروسية ووحدات من الجيش المصرية (بشكل غير معلن) وطائرات إماراتية خاصة المسيرة منها من نوع وينغ لونغالصينية الصنع.

وتمكن التدخل التركي عبر المستشارين العسكريين وطائرات بيرقدار المسيرة وأجهزة التشويش من قلب معادلة الصراع لصالح حكومة الوفاق، التي استعادت كامل مدن الغرب الليبي باستثناء سرت.

جمود سياسي وعسكري قد يؤدي إلى انتكاسة

المرحلة الحالية تتسم بنوع من الجمود السياسي والعسكري الخطير الذي قد يؤدي إلى انتكاسة تهدد اتفاق جنيف وتفاهمات تونس.

 فمجلس النواب لم يتقدم في مسار وضع قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات، ولا قانون الانتخابات ناهيك عن قانون الأحزاب، ويركز جهوده حالياً على تعطيل عمل الحكومة من خلال إعادة الموازنة إليها.

بينما أنهت اللجنة القانونية في ملتقى الحوار إعداد القاعدة الدستورية، وتنتظر عرضها على الأعضاء الـ75 للملتقى للفصل في النقاط الخلافية، ما يضع مجلس النواب أمام مسؤولياته.

وفي سياق آخر، اعترض رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري على المخرجات المحالة إليهم من قبل لجنة النواب المتعلقة بقبول الترشيحات لتولي المناصب القيادية للوظائف السيادية“.

هذا يعني أن هناك أزمة مقبلة بين مجلسي النواب والدولة، حول تأويل اتفاق بوزنيقة، من شأنها التأثير سلباً على موعد الانتخابات.

على الصعيد العسكري، أخفقت لجنة 5+5 العسكرية في توحيد الجيش وإخراج المرتزقة، ونزع الألغام، وفتح الطريق الساحلي

بينما اعتبر رئيس مجلس الدولة عدم خضوع حفتر لأي سلطة في البلاد يهدد إمكانية إجراء الانتخاباتفي موعدها.

في حين يؤكد عماد السايح، رئيس مفوضية الانتخابات، أن آخر أجل لاستلامهم القاعدة الدستورية للتحضير لإجراء الانتخابات في موعدها يجب ألا يتجاوز 1 يوليو/تموز 2021، حتى تتمكّن المفوضية من الاستعداد بشكل مناسب لانتخابات 24 ديسمبر/كانون الأول 2021.

فالتقدم البطيء في العملية السياسية وفي مسار توحيد الجيش يثير قلق الناشطين وقوات الجيش في المنطقة الغربية من تكرار نفس السيناريوهات السابقة منذ 2014.

فمنذ ذلك العام، كل الأسماء والشخصيات التي قادت المعركة ضد استيلاء حفتر على الحكم غابت عن الساحة، بدءاً من رئيس حكومة الإنقاذ عمر الحاسي، وخليفة الغويل الذي خلفه في ذات المنصب، ثم السراج رئيس حكومة الوفاق ووزير داخليته القوي فتحي باشاغا.

وطيلة كل هذه السنوات ظل حفتر وعقيلة صالح في منصبيهما ولم يتزحزحا عنهما، ما يثير قلق قيادات في الغرب الليبي من أن تنازلاتهم ستكون بدون جدوى.

وتحرك أرتال من قوات المنطقة الغربية نحو خطوط التماس مع قوات حفتر، تحت شعار الإفطار في أبو قرين، رسالة في الاتجاه المعاكس، تكشف أن اتفاق وقف إطلاق النار قد ينهار في أي لحظة.

وهذا ما دفع الدبيبة للقول، مخاطباً أعيان تاجوراء: “أدعوكم إلى الوقوف مع أولادكم وعدم الدفع بهم إليها (الحرب)”، محذراً من أن هناك تجار حروب كونوا ثرواتهم من ذلك، ويجب على الليبيين أن يعوا ذلك جيداً وأن نستثمر ثرواتنا بعيداً عن الفتنة والحرب“.

فعدم التقدم في المسارين السياسي والعسكري يدفع عدة أطراف لليأس، ومع وجود آلاف المرتزقة في ليبيا على خطوط التماس، فإن الوضع يصبح قابلاً للانفجار في أي لحظة، أو على الأقل تجميد العملية السياسية وكل ما تم الاتفاق عليه سابقاً، إذا لم تتحرك الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لإنقاذ الموقف من الانهيار.

___________

مواد ذات علاقة