مختار غميض

كشفت عمليّة مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي مؤخرا النقاب عن حرب حقيقية دائرة في الجنوب الليبي بالوكالة، بين لاعبين كبار وآخرين صغار مجرّد أدوات لهم، حيث تسجل فرنسا حضورها بقوة في تشاد وبقيّة دول الساحل والصحراء من خلال قواعد عسكرية.

الجزء الأول

، بينما تحاول روسيا استغلال الوضع في ليبيا والسودان للتغلغل في إفريقيا انطلاقا من قواعدها في مناطق نفوذ حفتر شمال ليبيا وجنوبها، تركيا تحاول من جانبها استغلال صورة فرنسا السيئة لدى شعوب المنطقة من خلال تفعيل اتفاقياتها العسكرية مع عدد من الدول، خاصة النيجر وتشاد المحاذيتين لليبيا التي بدورها لها مع المنطقة الغربية اتفاقية أمنية وبحرية وتعاون وتدريب عسكري، ناهيك عن دول القرن الإفريقي وغرب القارة، عبر مزيد دعم التعاون الاقتصادي ثم الترويج للصناعة العسكرية التركية.

لكن انفجار الوضع الأمني في تشاد سيجعل الجنوب الليبي محورا لتقاطعات كبرى بين تركيا وروسيا وفرنسا، التي تعتبر إقليم فزّان بالتحديد، تركة شرعية لها ضمن نزعة استعمارية.

كل ذلك يبقى رهين تطور الأوضاع في الساحة التشادية مع تقلد المجلس العسكري زمام السلطة بدعم فرنسي معلن، بينما تعارض ذلك الأوساط الشعبية التشادية وقوى المعارضة النشطة في الجنوب الليبي، وبالتالي ستتحوّل المنطقة إلى ساحة صراعات تغذيها مصر والإمارات الداعمتان للواء الليبي المتمرد خليفة حفتر.

وبالتالي قد تنفتح المنطقة على أزمات أشد قساوة مع رفض المعارضة التشادية الانتقال العسكري في البلاد وعودة القتال بشكل أكثر ضراوة خاصة بإقليم كانم شمال تشاد على الحدود مع ليبيا والنيجير، وهو الممر الآمن الذي وفرته روسيا من المياه المتوسطية الدافئة إلى قلب القارة السمراء عبر بوابة ليبيا.

مقدمة
تأثرت تشاد عبر تاريخها، ودول جنوب الصحراء تأثرا مباشرا بمجريات الأمور في ليبيا، وقد وصل الرئيس التشادي إدريس ديبي إلى السلطة في أنجامينا قبل ثلاثة عقود قادما إليها من الأراضي الليبية بدعم كبير من القذافي، ليلقى ديبي حتفه كذلك من الداخل الليبي بدعم من الجنرال المتمرد خليفة حفتر الذي زوّد المعارضة التشادية بترسانة أسلحة متطورة خلال العدوان على طرابلس صيف 2019.

العدوان الذي كان مدعوما منذ بداياته في بنغازي من قوى عالمية على رأسها فرنسا وبتمويل إقليمي عربي، فرنسا التي تنظر إلى الجنوب الليبي كتركة شرعية لها منذ استعمارها لإقليم فزان حتى منتصف القرن الماضي، وبالتالي ستسعى إلى مزيد ترسيخ قدمها ليس في ليبيا فقط بل في كامل مدن الساحل والصحراء والبحث عن إعادة تموضع في ظل دخول منافسين جدد مثل روسيا وتركيا والصين، لذلك سارعت إلى مباركة السلطة التشادية الجديدة في خرق لمبادئ الدستور التشادي ولقيم الديمقراطية.

1- اللاّعبون الكبار

أالتدخّل الفرنسي المباشر
تمتلك فرنسا عشرات القواعد العسكرية في إفريقيا وأقدمها في تشاد، قرابة خمس قواعد تعود إلى أكثر من أربعين عاما منذ فترة الحرب التشادية الليبية وهي قواعد لا زالت موجودة الى الآن، و أخرى في جيبوتي وساحل العاج وعدة قواعد في مالي والنيجر وموريطانيا.

كل ذلك لتأمين مصالحها في الساحل وشمال أفريقيا عبر قواعدها العسكرية في الساحل كشريط استراتيجي يربط الدول الحدودية الساحلية (النيجر وتشاد) بليبيا وذلك لتأمين نقاط النفط واليورانيوم في النيجر، والذهب بمالي، وبقية الثروات، خاصة حقول النفط والغاز الليبية التابعة لتوتال بالجفرة وتأمينه إلى المتوسط ومنه إلى أوروبا.

وترى فرنسا نفسها وصيّة على القارة السمراء منذ احتلالها لأغلب دولها وتتصرف اليوم على أساس حق التدخل المباشر في أغلب مستعمراتها السابقة.

ولم ينقطع ذلك التدخل، ففي الجنوب الليبي دعمت فرنسا قوات حفتر، فبعد فشل عدوانه على طرابلس حدثت ارتدادات كبرى منها حالة انكفاء وفوضى وسط المعارضة التشادية التي تسببت في مقتل الرئيس إدريس ديبي في العشرين من أفريل الحالي، متأثرا بجراحه بعد إصابته في معارك بمدينة ماو مع جبهة الوفاق التشادية المعارضة المنطلقة من جنوب ليبيا.

وقد تدخل ليلة الثالث والعشرين من أفريل الطيران الحربي الفرنسي مباشرة وقام بقصف موقع لحركة جبهة الوفاق من أجل التغيير التشادية (Fact) شمال إقليم كانم مما نتج عنه سقوط قتلى وجرحي في قوات محمد مهدي علي، والتي كانت قد دعت إلى مواصلة الزخف نحو العاصمة أنجامينا واقتحامها.

كذلك كان الرئيس إيمانويل ماكرون أوّل المشيعين لجثمان ادريس ديبي، الذي اعترف بدور فرنسا في إفريقيا، وسبق أن قال بتصريح تلفزيوني إنه منذ 2002 كان يودّ مغادرة الحكم لأنه جندي ولأنه أقسم على ذلك لكن فرنسا أجبرته على البقاء وأرسلت إليه خبير دستوري ليساعده على تغيير الدستور حتى يبقى أطول مدة في الحكم. فهل تخلت عنه؟

يرجح البعض أن ما جرى في تشاد هو انقلاب على ديبي من طرف المقربين منه وهو مايفسره سرعة تشكيل مجلس عسكري بمجرد مقتله، خاصة أن الدستور التشادي المادة 81 منه ينص على أنه في حالة شغور السلطة يحل رئيس الجمعية الوطنية محل الرئيس بشكل مؤقت، وتجرى انتخابات رئاسية جديدة خلال 45 يوما على الأقل، و90 على الأكثر.

لكن بناء على التقارير الإعلامية، فقد تم تعليق العمل بالدستور وتولى الجنيرال محمد دبيي كاكا، نجل إدريس زمام رئاسة المجلس العسكري، بينما باركت فرنسا ذلك ضاربة عرض الحائط بقيم الديمقراطية، في الوقت الذي كان بامكانها منع تجاوز الدستور أو التنديد بذلك.

بل رأى كثيرون أن الطيران الفرنسي والاستخبارات كانت تتابع وترصد كل التحركات لكنها تغاضت عن ذلك، بل إن إدريس ديبي نفسه وصل إلى قناعة عدم قدرته بمواجهة الحركات المسلحة بمفرده لذلك خيّر الخروج إليها حيث قُتل، وهو يعلم أنها لن توقفها إلا القوات الفرنسية!

كما ثمة من أكد تلقي نجل إدريس دبيي دعما مباشرا من ولي عهد أبو ظبي وجنيرال ليبيا حفتر، للقفز على المسار الدستوري.

بالتالي فإن المخطط الفرنسي والدول التي تتحالف معها قد تبدو متورطة في ما جرى باستخدام المعارضة انطلاقا من دولة مجاورة وهي ليبيا التي باتت فرنسا تروج للفوضى فيها وذلك لتحقيق اختراق كبير لتوفر ذرائع التدخل لحماية الثروات، وزيارة موسى الكوني نائب رئيس المجلس الرئاسي إلى باريس مارس الماضي، قد تصب ضمن هذا الإطار.

وهي إعراب باريس عن استعدادها لحماية إقليم فزان عسكريا انطلاقا من القواعد الفرنسية الجوية الجاثمة على تراب النيجر وتشاد الحدودية معها،

وبالتالي فإن فرنسا ما تزال مندفعة وبقوة، إلى درجة محاولة طرد ومحاربة كل منافس أو متدخل في الشأن الليبي، لو استطاعت إلى ذلك سبيلا.

وقد أشارت الأسبوع الماضي صحيفة، ميدل آيست مونتيرإلى أن فرنسا اختارت لسنوات التغاضي عن القمع الوحشي والفساد، مشيرة إلى أن ماكرون مستعد للجلوس مع أي مارق وطاغ من أجل متابعة طموحات فرنسا الاستعمارية في إفريقيا.

***
مختار غميض (صحفي وباحث في الشأن الليبي)

___________

مواد ذات علاقة