مختار غميض

كشفت عمليّة مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي مؤخرا النقاب عن حرب حقيقية دائرة في الجنوب الليبي بالوكالة، بين لاعبين كبار وآخرين صغار مجرّد أدوات لهم، حيث تسجل فرنسا حضورها بقوة في تشاد وبقيّة دول الساحل والصحراء من خلال قواعد عسكرية.

الجزء الثاني

باللاعب الروسي: احتلال قاعدة الجفرة

تسعى روسيا لتكريس سياستها في سوريا إلى واقع في ليبيا من خلال احتلال القواعد العسكرية.

وإنطلاقا من الجنوب الذي بدأ يشكل قاعدة ومنصة للتوسع الروسي بدء، من قاعدة القرضابية وراس لانوف شمالا كنقاط دعم إلى قاعدة الجفرة جنوبا، المحتلة من مرتزقة فاغنروجهاز الاستخبارات الروسي، يمكن القول إنّ ما حصل ويحصل في دولة تشاد تقف خلفه أيادٍ روسية واضحة ومخطط له بعناية منذ سنة 2019 عندما عقدت روسيا قمة إفريقية في سوتشي.

وبحسب المعلومات المُسرّبة حينها فقد تم استخدام الحدود الليبية لإدخال قوات تابعة لروسيا إلى تشاد لدعم المتمردين على سياسة الراحل إدريس دبيي، فضلا عن طرح روسيا فكرة إقامة قاعدة عسكرية لها بالسودان تطل على البحر الأحمر وتكون بوابة إلى الدواخل الإفريقية.

إذاً، الموضوع هنا يتداخل فيه الصراع الفرنسي بالروسي على الأرض الليبية نحو مزيد التوغل الروسي في إفريقيا مستفيدة من تواجدها من قبل في إفريقيا الوسطى وإقليم دارفور، معتمدة سياسة الابتزاز والأوراق المختلطة في الجنوب الليبي.

بل أن فرنسا أخيرا لم تمانع في التخليّ عن ديبي وإحالته على التقاعد قبل استهدافه، فتحالفت مع المعارضة التشادية وسلحتها في ليبيا واستعملتها مع حفتر، لكن عندما دخلت روسيا على الخط الليبي شاركت فرنسا ولاء المعارضة التشادية، وقد تكون بذلك تشاد ورقة روسية مقابل إخراج فرنسا من أوكرانيا.

وسبق لناطق رسمي باسم إحدى الفصائل التشادية المسلحة المعارضة أن أكد وجود دعم روسي نسبي لجبهة الوفاق من أجل التغيير التي يقودها مهدي علي وهو أحد القادة البارزين في المعارضة التشادية، وهذا الدعم الروسي الفرنسي، مسنود بدرجة أقل من الحليف المصري والإماراتي.

2- الوكلاء: حفتر ومصر والإمارات

يمكن الإشارة إلى أن الجنوب الليبي مستباح منذ الثمانينات، وظل معظم أهالي الجنوب مغلوبين على أمرهم، رغم وجود أكبر الحقول النفطية مثل الفيل وأوباري، بأوامر فرنسية منذ الإستقلال في 1951، تمنع عنهم التنمية و تنشر وتدعم الفتن القبلية والعرقية بين المكوّنات العربية والتبو والتوارق، فتفشى الفقر والجهل عن قصد لتحقيق مطامع امبراطورية استعمارية.

ثم نظرا لتجنب أهالي الجنوب الصّدام وعدم تحرك قوات الوفاق الوطني قبل عدوان حفتر على طرابلس، لتركيزها على حياض العاصمة والمدن المجاورة، خضعت معظم مدن الجنوب لقوات حفتر .

ولم تكن التحركات العسكرية في الجنوب الليبي الأيام الماضية، من طرف المعارضة التشادية فحسب، بل كانت تحركات منسَّقة بين المعارضة التشادية وقوات حفتر ومرتزقة فاغنرالروسية.

وممّا يدل على أنّ المغامرة الفاشلة التي قامت بها المعارضة التشادية التي كانت تهدّد حتّى آخر لحظة بالزحف على عاصمة تشاد أنجامينا، كانت بتنسيق بين كل هذه الأطراف بالإضافة إلى مصر التي أرسلت طائرتي شحن لمطار سبها جنوب ليبيا، محملة بدعم عسكري لهذه العملية ربما يكون بدعم من الإمارات العربية المتحدة أيضا.

ونعرف أن الإمارات التي موّلت حفتر بسلاح نوعي وهو ما غنمت منه المعارضة التشادية لتنفيذ هجومها داخل تشاد بعد خسارة حرب طرابس، وقد نقلت صحيفة نيويورك تايمزعن مسؤل سابق في وزارة الخارجية الأمريكية قوله عن عناصر المعارضة التشادية، إنّهم يهاجمون في سيارات تشابه تلك التي يتلقاها حفتر من الإمارات، ويستعملون أسلحة مثل التي تستعملها قواته، وكانوا يتجمعون ويتدربون فى الجفرة حيث فاغنر“.

ذلك أيضا ما أكدته صحيفة لوبنيونالفرنسية الأسبوع الماضي، حيث قالت إنّ حفتر قدّم أسلحة وصواريخ فرنسية الصنع للمعارضة في تشاد.

يتم ذلك أمام تغاض فرنسي، فمن المستبعد أن لا يكون الطيران الفرنسي في الجنوب الليبي على غير علم بذلك، لكن ما هو الهدف من هذا التحرك ؟

الهدف بالنسبة للروس هو التوغل في القارة السمراء عبر تشاد في إطار المراوحة بين المنافسة أو تبادل الأدوار مع فرنسا، مما سيشكل خطرا على الجنوب أكبر من كل المخاطر السابقة، بما أن عملية مقتل دبيي انطلقت من الجنوب الليبي عبر قاعدتي تمنهنتوالويغكنقاط تعبئة وتزويد بإشراف فرنسي، وبالتالي توظيف المعارضة التشادية للتدخل في مجريات الأمور في أنجامينا وقلب نظام حكمها.

 أما بالنسبة لحفتر ومصر، فالهدف هو محاولة المحافظة على التحالف مع روسيا، التي بدأت تتلقى عروضا سخيّة من حكومة الوحدة الوطنية بعد زيارة رئيسها عبد الحميد الدبيبة، ما قد تجعلها تفكر في الانسحاب من تحالفها مع حفتر وداعميه وتخفيف الضغط على الجنوب.

وعليه، يمكن الإشارة إلى الأوامر الصادرة عن حكومة الوحدة للوحدات العسكرية في الجنوب برفع أقصى درجات الاستعداد والحذر وحماية الحدود الليبية والتعامل مع أي أهداف معادية في إشارة إلى الأحداث الأخيرة في تشاد، العبئ الجديد على ليبيا مع تزايد التهديدات الأمنية القادمة من تشاد للجنوب والواقع المعيشي المتأزم منذ سنوات للجنوب الليبي.

كذلك الإمارات التي تسير في ركاب فرنسا أعلنت صراحة مساندة وزارة دفاعها لجهود فرنسا في الساحل الإفريقي بحيث لا يمكن قراءة ذلك خارج العلاقات المتوترة مع تركيا، وتعادي  أبوظبي الحضور التركي المتعاظم في منطقة الساحل الأفريقي.

3- مستقبل المشهد السياسي في الجنوب الليبي

أعلى الحدود الليبية التشادية

لا يبدو المشهد جنوب ليبيا وشمال تشاد على الأقل في هذه المنطقة المتحركة بإقليم كانم خاصة، وعلى المدى المنظور، باعثا على الاستقرار، بل بالعكس هناك مخاوف جدية من انفلات أمني مع إمكانية استمرار وتيرة المواجهات بين المعارضة ونجل ديبي وخروج الأمور عن السطيرة وحدوث موجات نزوح باتجاه جنوب ليبيا، نتيجة غياب حد أدنى من الاستقرار كان موجودا.

ويجب الاعتراف به لإدريس دبيي الذي نجح في تحقيقه خاصة في مواجهة جماعة بوكو حرام، لكن الخطر المحدق هو سيناريو مستقبلي خطير، وقائم سينعكس على ليبيا، وتتدخل فيه فرنسا بقوة من القواعد العسكرية في أقصى الجنوب الليبي بتوظيف المعارضين لأنجامينا.

وبالتالي خلق مساحة جديدة شمال تشاد وجنوب ليبيا للعب تكون فيه الثروات الضخمة تحت الأعين الفرنسية، بينما ضمنت روسيا ممرا آمنا من مياه المتوسط الدافئة وموانئ راس لانوف وقاعدة القرضابية حتى الجفرة جنوبا، فالموضوع التشادي لم ينته بعد، ولم نرَ منه إلاّ بدايته.

وربما سيكون مقتل دبيي بمثابة إعلان صريح لتدخل فرنسي في تشاد لإيجاد ذريعة في التوغل داخل الجنوب الليبي وإقامة قواعد عسكرية فيه، كما تركزت من قبل على الحدود الليبية شمال النيجر بقاعدة مداماحيث يتواجد أكثر من ألف جندي فرنسي بتجيهزاتهم وطائراتهم، قرابة تسعين كلم فقط عن الحد الجنوبي الليبي على مشرفة من خطوط تهريب المهاجرين و الدواعش النشطين في جبال الهروج فضلا عن استمرار عمل شبكات تهريب المخدرات.

كل ذلك يبقى إلى حدّ ماّ مرتبطا بمدى إثارة المعارضة التشادية لقلاقل للنظام التشادي خاصة إذا لم يقتنع نجل ديبي بحلول سياسيّة بمشاركة حقيقية للمعارضة.

وقد نُقل مؤخرا عن زعيم المعارضة محمد المهدي قوله، إنه قبِل الحوار السياسي ووقف إطلاق النار في عموم تشاد، بعد اتصالات ووساطات من رئيسي موريتانيا والنيجر بشأن الوضع الحالي تزامنا مع الحديث عن مباحثات سلمية مرتقبة.

هذا إذا لم تتدخل الإمارات وفرنسا لتقويض ذلك، على غرار ما سبق وأن اعترف به الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند بدفع أبو ظبي تمويلات لقمع الحراك الشعبي في مالي، بهدف تقويض الثورة التي يقودها السكان المحليون في إقليم أزواد ضد سياسيات الحكومة المركزية في مالي.

وبناء عليه، لن تنشغل فرنسا على شعوب المنطقة طالما هي راضية بالقمع والخنوع وطالما مصالحها محميّة، فإن مسألة الاستبداد هي مسألة داخلية للدول لا تهمها في شيئ.

بعلى المستوى الاقتصادي

وسط مناخات عدم الاستقرار السياسي وضبابية الرؤية الجديدة للسلطات التشادية ومدى استيعاب المعارضة في المشهد الجديد، في ظل احتجاجات للمعارضة والمجتمع المدني تتمسك بالعودة إلى النظام الدستوري ورفض تدخل فرنسا بحرق علمها في ساحات وشوارع أنجامينا، ستسعى روسيا لمزيد التمدد بينما ستستغل تركيا الوضع من الجانب الاقتصادي بمزيد دعمه.

وقد سبق لها أن وقعت اتفاقيات عديدة مع تشاد  في 2017، لزيادة التعاون التجاري المبني على المصلحة السياسية من خلال ليبيا كدولة عبور على خلاف طبيعة التعاون التشاد الفرنسي كتعاون استعماري تقليدي قديم بات مرفوضا شعبيا.

كذلك تفعيل الاتفاق المبرم مع تشاد في 2019 بشأن صناعة المعدات العسكرية وتطويرها، بالإضافة إلى التبادل المعلوماتي في الإنتاج وبيع معدات لوزارة الدفاع التشادية.

وهو ما تسعى تركيا إلى تطبيقه حتى مع النيجر للعب دور أكبر في ملف ليبيا، وبالتالي التمدّد إلى النيجر التي لها معها أيضا اتفاقا للتعاون العسكري لتعزيز سيطرتها في المنطقة، أوّلا للفوائد الاقتصادية الكبرى، ثم لتعزيز العلاقة مع دول الساحل والصحراء، ثم للاستفادة من تصاعد الرفض الشعبي للتواجد الفرنسي في المنطقة.

إلى ذلك فإن تركيا كما تفاوضت مع روسيا لوقف إطلاق النار في ناغورنو كاراباخ، وبتدخلها في ليبيا وسوريا، تريد إثبات أنها حليف الأوقات الحاسمة، وستوظف تلك المكانة لجلب حلفاء جدد في أثيوبيا ومالي والسنغال.

وبتلك التفاهمات ستقوم أنقرة بدعم الدول الأفريقية والمنظمات في القارة السمراء وستحجم دور فرنسا في القارة وهو بفعل الاتفاقية العسكرية مع النيجر والأمنية البحرية مع ليبيا اللتان ستقللان فرص التهديدات العسكرية الفرنسية.

خاتمة:

لايبدو المشهد التشادي والليبي واضحا قبل معرفة السلطة الجديدة في تشاد ومدى نجاح السلطات الليبية الحالية في التوصل إلى استقرار نسبي ناجز يستطيع السيطرة على الحدود مترامية الأطراف، خاصة في الجنوب، مسرح العمليات النشطة لتنظيمات الهجرة غير الشرعية وتنظيمات إرهابية، وأخرى للحركات المعارضة لأنجامينا.

تلك المعارضة التي تستغلها حركة التمرد في الشرق الليبي على السلطة الشرعية المركزية، مما سمح باعادة خلطة الأوراق في منطقة مهمة تتحكم في حاضر ومستقبل دول الساحل والصحراء الإفريقية التي ستسقطب اهتمام اللاعبين الدوليين وتُسيل لُعاب اللاعب الفرنسي القديم أكثر، فضلا عن تحسّس روسيا وتركيا الفراغات المستقبلية التي يمكن اللعب فيها جيوسياسيا واقتصاديا، إلى جانب لعب قوى كالصين والولايات المتحدة.

***
مختار غميض (صحفي وباحث في الشأن الليبي)

___________

مواد ذات علاقة