د. محمد عاشور مهدي

حينما هبت رياح التغيير والثورة على كل من تونس ومصر، أكد المراقبون والمحللون السياسيون أن ثروات ليبيا كفيلة بألا تجعل الشعب الليبي يثور، غير أن الليبيين أنفسهم كان لهم رأي آخر!.

الجزء الثاني

الأسباب الاقتصادية والاجتماعية

على عكس ما يرى البعض، تكشف مؤشرات تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة عن أن ليبيا تعتبر من الدول العربية التي أحرزت تقدما في دليل التنمية البشرية, فبعد أن كانت تحتل المرتبة رقم (64) على المستوى العالمي في التنمية البشرية سنة2000م، تقـدمت إلى المركز رقم (61) في تقرير سنة2001، ثم المركز (55) في تقرير عام 2009م.

فالمركز (52) في تقرير عام 2010م، مع احتفاظها عبر السنوات الثلاث الأخيرة بالمركز الأول على المستوى الأفريقي في التنمية البشرية.

 فمن ناحية ارتفع العمر المتوقع عند الميلاد للذكور من 46 سنة في عام1970 م إلى 77 سنة في العام 2001م وارتفع عند الإناث من 48 ســنة إلى 80 سنة عن نفــس الفترة. وبلغ معدل نصيب الفرد من الدخل القومي عام 2007 نحو 7290 دولارا أمريكيا.

وعلى الصعيد التعليمي بلغت نسب من يعرف القراءة والكتابة من البالغين (15 سنة فأكثر) نحو 88.31% كما ارتفعت نسبة استيعاب الطلاب الليبيين في المراحل التعليمية المختلفة.

وكذلك وجود 15 جامعة منتشرة في أنحاء البلاد (مع مراعاة أن الخدمات التعليمية المقدمة بتلك الجامعات أقل بكثير من البنية التحتية المــتوفرة بها).

وعلى صعيد الأمن الاجتماعي تمتعت ليبيا بدرجة كبيرة من الأمن الاجتماعي، بفضل سياسات الدعم السلعي والتأمين الصحي، وكذا الأمن الجنائي في ظل القبضة الأمنية للنظام، وذلك رغم تنامي معدلات الجريمة في العقدين الأخيرين، وهو ما عزاه البعض لتدفق المهاجرين الأفارقة على ليبيا تمهيدا للهجرة إلى أوروبا أو للاستقرار فيها.

وفي تقرير نُشر في عام 2007م، أشاد صندوق النقد الدولي بالسلطات الليبية لإنجازاتها في مجال التنويع الاقتصادي, مشيرا الى النمو السريع في النشاط غير النفطي (7.5٪) والنمو القوي في انتاج النفط (4.7٪) في عام 2006.

وفي المقابل ارتفعت معدلات التضخم السنوي إلى حد كبير من مستويات متدنية في النصف الأول من عام 2007 إلى حوالي 11٪ في الربع الثالث من هذا العام بسبب الزيادة في الأجور العامة وكنتاج لزيادة أسعار الواردات لاســيما الأغذية.

 وعلى الرغم من تلك المؤشرات، فإن الكثيرين من داخل ليبيا وخارجها يرون أنه منذ استيلاء القذافي على السلطة بانقلاب عسكري ضد الملك إدريس عام 1969، فقدت ليبيا فرصا عديدة لنهضة شعبها وتقدمه.

فالحكم الشخصي الذي اعتمد على عائلة القذافي ودائرة ضيقة من المقربين والأتباع، أدى إلى حرمان الجماهير العريضة من عوائد الثروة في بلادهم.بل واستخدام تلك الثروة في شراء الأنصار، وترويض المعارضة أو قمعها.

فرغم الثراء النسبي للشعب الليبي مقارنة بشعوب عربية أخرى، (تقدر أرصدة النظام الليبي بما يزيد عن 200 مليار دولار من الفوائض المالية النفطية، علاوة على خمسين مليار دولار تدخل الخزينة الليبية سنويا)، فإنه توجد حالات تفاوت كبير في توزيع الثروة، فبدلا من التوزيع العادل لمليارات الدولارات من العوائد النفطية على الشعب الليبي، استأثرت بها دائرة ضيقة تلتف حول القذافي وعائلته.

ويبدو أن الوصف الدقيق لهذه العقود الأربعة التي هيمن عليها الأخ العقيدهو: تبديد أرصدة الثروة والقوة في المجتمع الليبي(8). علاوة على ما بدده القذافي وأولاده من ثروة المجتمع الليبي على شراء الأسلحة، وتكديس ثرواتهم المالية في الغرب.

مستفيدين في ذلك من الحصار الذي فُرض على ليبيا لعقود طويلة استطاع النظام خلالها تبرير إخفاقاته بذلك الحصار، وقد شهدت الفترة ذاتها تنامي شبكات التهريب وغسيل الأموال التي تورط فيها بعض كبار موظفي الدولة.

 ويمكن القول، أن الانفتاح على الغرب وتدفق الاستثمارات والشركات الأجنبية منذ عام 2003م للمشاركة في مشروعات البنية التحتية الطموحة للنظام، والتي قٌدرت تكلفتها ببلايين الدولارات (150 بليون دولار)، لم يحمل كثير تغيير في معادلة السلطة والثروة والفساد.

بل زاد من تفاقم الوضع ما تزامن مع ذلك الانفتاح من حديث عن مشروعات لبيع الممتلكات العامة للقطاع الخاص، حمل معه مخاوف كثيرة للطبقات العمالية والفئات الاجتماعية المتوسطة والدنيا، بفعل تسارع وتيرة الانفتاح وتفشي الغلاء على الرغم من محاولات النظام ملاحقه الغلاء بزيادة الرواتب والأجور.

إلا أن ارتفاع الأسعار وانتشار الفساد حال دون نجاح تلك الزيادات، أو الوعود بتوزيع عوائد البترول على الشعب، في الحد من آثار السياسات الاقتصادية الرأسمالية السلبية على قطاعات عريضة من المجتمع.

 وهو ما دفع الليبيين للخروج في عمليات احتجاجية تفاوتت قوة وضعفا عبر الزمن وصولا إلى الصدام المفتوح مع النظام وأنصاره في منتصف فبراير 2011م، بفعل شعورهم بعدم العدالة في توزيع الثروات، وأن خيرات بلادهم يتم نهبها دون أن يحصلوا منها إلا على الفتات.

تلك الاحتجاجات إضافة إلى تعارض برامج الإصلاح التي قادها رئيس الوزراء شكري غانم (2003-2006) مدعومة من سيف القذافي، مع مصالح بعض قيادات الحرس القديم من اللجان الثورية، ورجال الأعمال الذين تضررت مصالحهم بفك الحصار عن ليبيا والانفتاح على الغرب، قادت إلى استقالة شكري غانم وتولي نائبه البغدادي المحمودي ذي التوجه المحافظ.

علاوة على ما سبق يمكن الإشارة إلى عامل آخر ساهم في تصاعد الاحتجاجات ضد النظام وهو التغير الديموجرافي وازدياد شريحة الشباب العمرية، وانفتاحهم على العالم الخارجي، فالشباب الليبي الذي يشكل حوالي 52% من مجموع السكان (تحت سن 25 عاما) لم يكن مستعدا أن يقبل التناقضات بين الشعارات والسياسات التي تربى عليها ونشأ في إطارها والتي تؤكد على قيم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وملكية الشعب وبين واقع يناقض ذلك تماما في ظل سياسات الانفتاح والخصخصة، التي هددت قطاعات كبيرة من هؤلاء الشباب، بل وهددت مصالح بعض أنصار النظام، الأمر الذي خلق شعورا بعدم الرضا تجاه تلك السياسات.

وقد عبرت مجموعات ليبية على شاشات الـ فيس بوكعن أن بلادهم رغم أنها تأتي في مقدمة البلاد العربية الغنية بالنفط، فإنها تأتي في مؤخرة البلاد العربية تقدما وتطورا، بل إنها تبدو مثل دول العالم الثالث الفقيرة، بل والفقيرة جداً“.

وعلى صعيد البعد القبلي يمكن القول إن العقيد القذافي وإن كان في بداية حكمهقد جعل إلغاء نظام القبلية واحدًا من المبادئ الأساسية لثورته، إلا أنه بعد نحو ربع قرن من الحكم وتحديدا في عام 1994م.

ورغبة في ضخ مزيد من الحيوية والمشاركة الشعبية في مؤسساته الشعبية، قام بإنشاء لجان شعبية للقيادات الاجتماعية، قوامها الأساسي القيادات القبلية. وهو ما ترسخ وازداد وضوحا عام 1997م مع توقيع قادة القبائل على ما عرف بـوثيقة الشرف التي تعهدوا بمقتضاها بالولاء للنظام الثوري، والتكاتف ضد أي عشيرة أو قبيلة تقوم بأي معارضـة مسلحة للنظام.

أكثر من ذلك فإنه كثيرًا ما استغل الخصومات الداخلية بين القبائل من أجل إحكام قبضته على السلطة. و طوال فترة حكمه الاثنين وأربعين عامًا كوّن العقيد القذافيشبكة من المؤسسات المتناحرة، يتلاعب بهم في مقابل بعضهم البعض لمنع ظهور أي منافس له.

الأسباب التاريخية السياسية

علاوة على الأسباب الاقتصادية الاجتماعية فإن الثورة القائمة في ليبيا تعود لاعتبارات وعوامل تاريخية وسياسية أيضا.

فتاريخيا كان هناك تنافس ضمني بين ولايات شرق ليبيا وغربها على المكانة والسيادة, واقتصاراً على حقبة حكم العقيد القذافي، يمكن القول أنه وإن كانت الولايات الشرقية وبخاصة بنغازي أكثر المدن الليبية التي ساندت حركة الانقلاب التي قادها القذافيعام 1969 في سنواتها الأولى ضد النظام الملكي، فإن تحول تلك المدن إلى معقل للمعارضة الإسلامية وغير الإسلامية، ومصدراً للاضطرابات والمحاولات الانقلابية ضد نظام القذافيمنذ السبعينيات من القرن العشرين وما بعدها، قاد إلى مواجهات عنيفة بين الطرفين وموجة من هجرة الكفاءات والمهنيين إلى الخارج قدرها البعض في الثمانينيات بنحو ثلاثين ألف مهاجر اتجه معظمهم إلى أوروبا.

ذلك ما رسخ حالة القطيعة بين القذافيونظامه وتلك المدن، في ظـل فجـوة عــدم الثقة بين الطرفين، ومحدثا حلقة مفرغة عناصرها: الإقصاء والقمع الذي يقود إلى الاحتجاج والتمرد، فيقود بدوره لمزيد من القمع والإقصاء وهكذا.

وعلى الصعيد السياسي، يمكن القول إنه عبر عقود حكم القذافي تآكلت أسس شرعية النظام الليبي، والتي تمثلت في أربع ركائز أساسية:

أولها: الثورية القومية،

وثانيها: المساواة والعدالة الاجتماعية،

والركيزة الثالثة: شرعية الكرامة والهوية الوطنية،

وأخيرا القيمة الرمزية للقذافي كمناضل ضد (الإمبريالية الدولية).

فمن المعلوم أن أحد الركائز الأساسية للنظام الليبي والتي أكد عليها مرارا العقيد القذافي، هي أنه يمثل امتدادا للثورة الناصرية المصرية، وأنه أمين الوحدة العربية بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر، وهو أمر كانت له انعكاساته على التوجهات الداخلية والخارجية للسياسة الليبية، أدت بدورها إلى سلسلة من المغامرات على الساحتين الإقليمية العربية والأفريقية وعلى الساحة الدولية.

أحداث 11 سبتمبر 2001م والتي قادت من بين ما قادت إلى تخلي ليبيا عما لديها من أسلحة أو مشروعات أسلحة دمار شامل وقبولها دفع تعويضات باهظة لضحايا حادثتي لوكيربي، والطائرة الفرنسية.

فتقلبات السياسة الخارجية الليبية بين السعي للوحدة العربية تارة، والأفريقية تارة أخرى، وما بين مشاريع وحدوية ثنائية حينا، ومشروعات اتحادية جماعية حينا آخر، ومغامرات النظام في دعم ومساندة العديد من منظمات وحركات التمرد في أركــان المعمورة المختلفة, رسخت شعورا بالمرارة لدى قطاعات كبيرة من المواطنين الليبيين بسبب تبديد ثروات بلادهم في تلك المغامرات والسياسات والتعويضات في حين يعاني الكثيرون منهم من الفقر والحرمان النسبي في مجالات التعليم والصحة والمرافق العامة والبنية التحتية، على الرغم من ثراء بلدهم.

وعليه فإنه، مثلما كانت حركة ضباط يوليو 1952م ملهمة لانقلاب 1969م في ليبيا، كانت ثورة 25 يناير2011م، في مصر، ملهمة لشباب 17 فبراير في ليبيا، بالثورة والتمرد على النظام الليبي.

وعليه فليس غريبا أن تنطلق الشرارة الأولى للانتفاضة الليبية من مدينة بنغازي، التي تأثرت على مر العصور بما يجري في مصر، وكانت الأقرب لها، وأبناؤها الأكثر قومية وتأثراً بالثقافة والسياسة المصريتين.

***

د. محمد عاشور مهدي ـ أستاذ العلوم السياسية المساعد، معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة

____________

مواد ذات علاقة