ضياء عودة

زيارة مفاجئة يجريها كبار المسؤولين الأتراك إلى ليبيا، وعلى الرغم من غياب الأهداف المعلنة لها إلا أنها تحمل أبعاد ودلالات بحسب مراقبين، ولا تقتصر على المسار السياسي فقط، بل تنسحب إلى مسارات أخرى عسكرية واستخباراتية

المسؤولون وهم وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو ووزير الدفاع، خلوصي آكار ورئيس جهاز الاستخبارات التركية، هاكان فيدان كانوا قد وصلوا إلى طرابلس في الساعات الماضية، ومن المقرر أن يناقشوا العلاقات الثنائية، وتبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية، حسب ما ذكرت وسائل إعلام رسمية

وبالنظر إلى هذه الأسماء لا يبدو هذا الحراك السياسيالعسكريالاستخباراتي وكأنه حراكا عابرا، بل تقف ورائه أهداف ترتبط بجزء منها بأنقرة والجزء الآخر بحكومة الوحدة الوطنية، خاصة بعد مشهد القلق الذي ساد في الأيام الماضية من احتمال انزلاق الأوضاع الأمنية والسياسية مجددا بسبب بوادر انقسام غير معلن، كما وصفه خبراء ومحللون.

حدثان بارزان

الانقسام المذكور كانت قد غذته الأحداث الأخيرة في بنغازي وتصريحات وزيرة الخارجية، نجلاء المنقوش، أمام مجلس النواب الإيطالي بخصوص الوجود التركي.

والأسبوع الماضي منع مسلحون ليبيون الوفد الأمني الاستباقي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، من النزول في مطار بنغازي، وأجبروهم على العودة إلى لمطار معيتيقة في طرابلس.

وجاء ذلك في وقت أثار تصريح الوزيرة المنقوش، مؤخرا حول تفاوض الحكومة الليبية مع تركيا تحضيرا لخروجها من ليبيا، جدلا واسعا في البلاد، خصوصا وسط الذين يعتبرون أن لأنقرة دورا محوريا في التوصل إلى أرضية اتفاق بين الفرقاء الليبيين.

وردا على المنقوش، أصدر المكتب الإعلامي للمجلس الأعلى الليبي بيانا أكد فيه الحرص على احترام خارطة الطريق الصادرة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي تشكلت من مخرجاته حكومة الوحدة الوطنية.

وجاء في البيان أنه بالإشارة إلى التصريحات المنسوبة للسيدة وزيرة الخارجية، التي نقلت عبر إحدى وكالات الأنباء الإيطالية، فإننا نؤكد على احترامنا للاتفاقية الموقعة مع الدولة التركية“.

ثقل كبير

حال وصوله إلى طرابلس عقد جاويش أوغلو مؤتمرا صحفيا مع نظيرته المنقوش، وتبادل الطرفان تصريحات متقاربة بشأن طبيعة العلاقة بين البلدين، سواء في المرحلة الحالية أول المقبلة.

وفي كلمتها قالت المنقوش: “نرحب بهذه الزيارة في الفترة المهمة، ونؤكد على حرصنا على دور فعال لتركيا على كل الأصعدة. نشكر تركيا على دعمها لحكومة الوحدة الوطنية“.

وأضافت: “نؤكد على أهمية مساهمة تركيا في ترسيخ وقف إطلاق النار ووقف الحرب، وندعوها لاتخاذ خطوات لتنفيذ كل بنود مخرجات برلين وقرارات مجلس الأمن، والتعاون معا لإنهاء تواجد القوات الأجنبية حفاظا على سيادة الليبيين“.

وتحدثت أيضا عن حرص الطرفين على شراكات اقتصادية وتنموية في إطار تبادل المصالح المشروعة، مشيرة: “حكومة الوحدة الوطنية تؤكد التزامها بخارطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار الليبي، وصولا إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في نهاية هذا العام“.

بدوره قال جاويش أوغلو إن سبب الثقل لهذه الزيارة التي يجرونها إلى طرابلس هو من أجل تجديد دعمنا لحكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي“.

وأضاف أنهم التقوا عبد الحميد الدبيبة، وأجروا محادثات ما بين الوفود، كما تطرقوا إلى موضوع مذكرة التفاهم حول الحدود البحرية والخطوات المستقبلية، وعمل الشركات التركية في المرحلة المقبلة ضمن استثمارات على الأراضي الليبية

وبحسب جاويش أوغلو فقد تم تشكيل مجموعة صداقة برلمانية تركيةليبيةضمن مجلس الأمة التركي الكبير، وعين السفير المتقاعد أحمد يلدز رئيسا لها، والذي سبق وأن خدم في ليبيا كسفير لأنقرة لعدة سنوات

رسائل وأهداف

في تصريحات لموقع الحرةيرى الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية، طه عودة أوغلو أن زيارة المسؤولين الأتراك إلى طرابلس طرحت الكثير من التساؤلات والتكهنات حول رسائل وأهداف الخطوة، وتوقيتها وعلاقتها بالتفاهمات والاتفاقيات الموقعة بين الحكومتين التركية والليبية، فضلا عن التطورات الجارية على صعيد تطبيع العلاقات التركيةالمصرية.

يقول الباحث التركي إن هذه الزيارة تأتي بعدما تعاقبت زيارات الوفود الرسمية التركية إلى طرابلس بوتيرة سريعة ومكثفة خلال الأشهر الأخيرة الماضية.

زياراتٌ وصفتها وسائل الإعلام التركية بأنها تندرج في إطار استمرارية التعاون القائم بين الجانبين، إلا أن الواقع على الأرض يشي بأنها تأتي في إطار ترتيبات جديدة قادمة على الساحة الليبية.

ويضيف عودة أوغلو: “يمكن القول بأن زيارة الوفد التركي إلى ليبيا تحمل في طياتها بعدين لا ثالث لهما الأول عسكري، من خلال اتجاه تركيا للحفاظ على الاتفاقيات الموقعة مع الحكومة الليبية، والثاني سياسي من خلال التأكيد على أنها طرف فاعل في التسوية السياسية خلال المرحلة المقبلة ومن الصعب تهميشها وتجاهل مصالحها هناك“.

وبالإضافة إلى ذلك هناك من يرى بأن هناك موقفين مهمين سيرسمان التحركات التركية في ليبيا، خلال الفترة المقبلة.

الأول حسب الباحث التركي هو موقف إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن حيال التحركات التركية على الساحة الليبية

أما الموقف الثاني، والذي وصفه عودة أوغلو بأنه على غاية من الأهميةفيتعلق بالحوار التركي المصري، ومدى ارتباط هذه الزيارة الحالية إلى ليبيا بزيارة الوفد التركي الذي ترأسه مساعد وزير الخارجية التركي سادات أونال إلى القاهرة الاثنين لبحث سبل تطبيع العلاقات بين البلدين“. 

ملفات عديدة

وأمام التطورات التي تشهدها الساحة الليبية يجمع المراقبون أن أنقرة تحاول بأقصى طاقتها الحفاظ على موطئ قدمها في المنطقة، من خلال تثبيت الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية التي سبق وأن أبرمتها في السنوات الماضية مع حكومة الوفاق الوطنيةالمعترف بها دوليا

وهذه الاتفاقيات كانت قد ازداد عددها في الثالث عشر من أبريل الماضي، في أثناء الزيارة التي أجرتها حكومة الوحدة الوطنية إلى العاصمة التركية أنقرة، وشملت حينها مجالات مختلفة على صعيد الاقتصاد والسياسة وحتى الإعلام أيضا

إبراهيم بلقاسم كاتب وصحفي ليبي يقول إن زيارة الأتراك إلى ليبيا الآن تحمل رسائل هامة ولافتةلأنها الأولى التي يجريها وفد رفيع المستوى فيه الرجال الثلاثة الكبار آكار وجاويش أوغلو وفيدان“. 

ويعتقد الكاتب الليبي أن الزيارة ستتناول ملفات مهمة جدا تحتاج ليبيا للخوض بها بشكل سريع، أولها مسألة الشراكة الأمنية والدفاعية بين الطرفين، باعتبار أن ليبيا قابعة الآن في بؤرة ساخنة. هو ما يحصل في تشاد وانعكاس ذلك على مسألة استقرار الملف الليبي“.

ويوضح بلقاسم أن ليبيا تحتاج أيضا على شراكات حقيقة ما بين عدة أطراف، سواء مع تركيا أو دول الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقية الصداقة الموقعة في عام 2008″.

وبالإضافة إلى ماسبق لن يكون ملف المقاتلين الأجانب بمنأى عن مناقشات الطرفين، ولاسيما مع دورهم في تقويض عملية السلام في الداخل الليبي، في حال بقائهم في المرحلة المقبلة

وعقب وضع خطة برلين وخارطة الطريق، يتابع بلقاسم: “أمام الليبيين استحقاق مهم وهو الانتخابات والتمهيد لها. أعتقد أن التشاور مع الجيران والشركاء ستساهم في حالة من الاستقرار وصولا إلى السلطة الجديدة“.

_________

مواد ذات علاقة