تشهد فلسطين المحتلة على جانبي الخط الأخضر هبّة شعبية شاملة بدأت بوادرها منتصف نيسان/ أبريل 2021، مع وضع سلطات الاحتلال حواجز حديدية في ساحة باب العامود المؤدية إلى البلدة القديمة في القدس والمسجد الأقصى في الأيام الأولى من شهر رمضان.

الجزء الأول

اشتدت الهبة الشعبية مع دعوات المستوطنين المتطرفين إلى اقتحام المسجد الأقصى في 10 أيار/ مايو، بمناسبة احتفالاتهم بذكرى احتلال القدس الشرقية، ومساعي سلطات الاحتلال تنفيذ مخطط لإخلاء عائلات فلسطينية قسرًا من منازلها في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية وإحلال مستوطنين مكانهم.

وتوسعت مع اقتحام جنود إسرائيليين للمسجد الأقصى والاعتداء بالضرب على المصلين فيه، وردّ المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة برشقات صواريخ دفاعًا عن القدس والمسجد الأقصى بعد اقتحام الجنود الإسرائيليين له، ثم بدء جيش الاحتلال عدوانًا عسكريًا على قطاع غزة.

خلفيات هبّة القدس

تعمل سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ نكبة فلسطين، في أيار/ مايو 1948، على تهويد مدينة القدس، حين احتلت الأحياء الفلسطينية غرب المدينة وطردت سكانها منها؛ مثل القطمون، والطالبية، والبقعة، وقرى فلسطينية مهجّرة ضُمت إلى القدس بعد طرد سكانها منها مثل عين كارم والمالحة ولفتا.

وسيطرت إسرائيل على ممتلكات الفلسطينيين ومنعتهم من العودة إليها عبر سنّها مجموعة من القوانين، أهمها: قانون أملاك الغائبينالصادر في آذار/ مارس 1950.

وبعد حرب حزيران/ يونيو 1967، ضمّت سلطات الاحتلال القدس الشرقية إلى الغربية، ومكّنت اليهود بموجب أوامر الاستملاك العقاري من السيطرة على منازل وأراضٍ مملوكة للفلسطينيين، وبدأت في إنشاء حزام استيطاني قوامه ثماني عشرة مستوطنة حول القدس، إضافة الى إقامة بؤر استيطانية في الأحياء العربية في القدس الشرقية، ووضعت خطة لتهويد معالم القدس الجغرافية والديموغرافية والمعمارية.

وبلغ المشروع الاستعماري ذروته حين سنَّ الكنيست الإسرائيلي في تموز/ يوليو 1980 قانونًا عُرف باسم قانون أساس: أورشليم القدس عاصمة إسرائيل، أعلن فيه أن القدس بشطريها الشرقي والغربي هي عاصمة موحدةلإسرائيل، وهي مقرُّ رئيس الدولة والكنيست والحكومة والمحكمة العليا.

ورغم رفض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراره رقم 478 الصادر في آب/ أغسطس 1980، ورفض الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 15/36 الصادر في تشرين الأول/ أكتوبر 1981، قانون الكنيست، وعدّه غير شرعيٍ ومخالفًا للقانون الدولي، لم تتوقف سلطات الاحتلال عن تنفيذ مشروعها الاستعماري الاستيطاني في القدس، حيث فَرضت عددًا من السياسات لترسيم حدود جديدة للمدينة أحاطت بموجبها القدس الشرقية بمستوطنات يهودية تفصلها جغرافيًا عن محيطها في الضفة الغربية، مع ضمان ربطها بالقدس الغربية لاستكمال عملية تهويدها، حتى باتت هذه المستوطنات مع منتصف عام 2017 تغطي نحو 35 في المئة من مساحة القدس الشرقية، ويعيش فيها قرابة 220 ألف مستوطن، مقارنة بأكثر من 441 ألف مستوطن في الضفة الغربية.

وضمن المسعى نفسه، قامت سلطات الاحتلال ببناء جدار للفصل العنصري في الضفة الغربية، فصلت بموجبه أكثر من 140 ألف فلسطيني من القدس عن مدينتهم، وحرمت اقتصاد المدينة من عماده وهو تقديم الخدمات للقرى المحيطة ومدن أخرى في الضفة الغربية، كما حرمتها من مصدرها الرئيس للخضروات والفاكهة بعزلها عن قرى شمال غرب القدس، وذلك بعد ضرب قطاع السياحة باستيلاء القدس الغربية وقطاع السياحة الإسرائيلي على غالبية زوار المدينة المقدسة التي تحولت إلى محطة فقط في جولتهم داخل إسرائيل.

وقد تزامن التوسع الاستعماري خارج حدود المدينة مع تضييق سلطات الاحتلال على التطور العمراني للفلسطينيين داخل حدود المدينة، وذلك باستعمال التخطيط الحضري آليةً لمصادرة الأراضي ومحو الوجود الفلسطيني من أجل تحقيق أغلبية يهودية في القدس.

وضمن المسعى نفسه، ألغت سلطات الاحتلال حتى نهاية عام 2017 مكانة الإقامة الدائمة” (المتمثلة ببطاقة الهوية الزرقاء) لأكثر من 14595 فلسطينيًا يسكنون في الأحياء العربية في القدس، وهي وثيقة منحتها سلطات الاحتلال للمقدسيين بعد احتلالها القدس؛ إنها أقل من المواطنة، ولكنها تضمن الإقامة الدائمة، وكأن المقدسيين دخلوا إلى إسرائيل وحصلوا على إقامة فيها، وليس العكس. وبذلك يخسر المقدسي إقامته الدائمةفي القدس إذا غادرها مدة تزيد على ثلاث سنوات متواصلة.

إضافة إلى السياسات الاستعمارية في القدس، تعكف أحزاب يمينية مختلفة في الكنيست منذ آب/ أغسطس 2014 على تشريعٍ لتنفيذ مخططٍ للتقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى، ما يعني تخصيص أوقات ومناطق محددة لدخول المسلمين إلى المسجد الأقصى، وأخرى لدخول اليهود، في استنساخٍ لتجربة المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل.

وقد تزامن العمل على تشريع هذا المخطط مع ممارسة سلطات الاحتلال سلسلة من الانتهاكات المتصاعدة والممنهجة في المسجد الأقصى ومحيطه خلال السنوات الأخيرة، مثل إغلاق بوابات المسجد أمام المصلين والعاملين فيه في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، ومحاولة تثبيت بوابات إلكترونية على مداخل المسجد في تموز/ يوليو 2017، كما كثّفت سلطات الاحتلال من عمليات إبعاد الفلسطينيين عن المسجد الأقصى واعتقالهم؛ إذ بلغ عدد المبعدين عن المسجد عام 2020 نحو 315، وبلغ عدد المعتقلين نحو 1979.

وغالبًا ما تقوم قوات الاحتلال بقطع أسلاك سماعات المسجد الأقصى الخارجية، وتتعرض لموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية، وتخرب أقفال أبواب المسجد الأقصى ومرافقه، وتقتحم المسجد الأقصى على نحو متكرر لحماية دخول مستوطنين يهود متطرفين إليه؛ فقد بلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد عام 2020 أكثر من 18526 مستوطنًا.

أسباب الهبّة الأخيرة

نظرًا إلى تمتعها برمزية سياسية وتاريخية ودينية لدى الفلسطينيين، ونتيجة لبقائها خارج اتفاقيات أوسلو وخارج نفوذ السلطة الفلسطينية بوصفها من قضايا الحل الدائم، ظهرت القدس بوصفها بؤرة احتكاك بين السكان الفلسطينيين وقوات الاحتلال تقود إلى تفجّر حالة الاحتقان والغضب الشعبي ضد الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة فيها، والتي شكلت عامل استفزازٍ لمشاعر الفلسطينيين طوال سنوات نضالهم ضد الاحتلال، وبرز ذلك تحديدًا في هبّة النفق احتجاجًا على حفر نفق أسفل المسجد الأقصى في أيلول/ سبتمبر 1996، والانتفاضة الفلسطينية الثانية أو انتفاضة الأقصى في أيلول/ سبتمبر 2000.

كما اشتدت هذه المواجهات في السنوات الخمس الأخيرة، وذلك في هبّة القدس، أو هبّة أكتوبرفي تشرين الأول/ أكتوبر 2015، وهبّة البوابات الإلكترونية حول المسجد الأقصى في تموز/ يوليو 2017، وهبّة باب الرحمة في المسجد الأقصى في شباط/ فبراير 2019.

ومع بدء شهر رمضان في نيسان/ أبريل 2021، تصاعدت انتهاكات سلطات الاحتلال بحق القدس والمسجد الأقصى، بغرض تنفيذ مخطط التقسيم الزماني والمكاني، وبرز ذلك بوضع حواجز حديدية لمنع الفلسطينيين من المكوث في ساحة باب العامود، واعتقال شبان وأطفال مقدسيين كانوا في المسجد الأقصى، واقتحام المسجد وإخراج المصلّين منه، والاعتداء على كل من يحاول الوصول إلى كنيسة القيامة للاحتفال بسبت النور في نيسان/ أبريل 2021، وحماية مستوطنين متطرّفين دعوا إلى اقتحام المسجد الأقصى.

وقد تزامن هذا التصعيد مع دخول قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر في أيلول/ سبتمبر 2020 حيّز التنفيذ في 2 أيار/ مايو 2021، والقاضي بطرد أربع عائلات فلسطينية من حي الشيخ جراح في القدس الشرقية، وتسليم بيوتهم لصالح شركة نحلات شمعونالاستيطانية، وهي جمعية استيطانية يهودية تتألف من نحو 40 عائلة يهودية مهاجرة من جورجيا، تدّعي ملكية الأرض المسماة كرم الجاعوني“.

وكانت عائلة الكرد قد تعرضت للطرد من جزء من منزلها في الحي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008 وتكرر المشهد في آب/ أغسطس 2009 بطرد عائلتي حنون والغاوي من منزليهما في الحي ذاته.

وتعمل الجمعيات الاستيطانية داخل البلدة القديمة وخارجها على نحو مثابر ومنهجي على نقل ملكية عقارات عربية من بيوت وأراضٍ لتوطين مستوطنين متطرفين داخل الأحياء العربية، وذلك بدعم مالي سخي من ممولين يهود كبار في الولايات المتحدة وغيرها، وتعمل على نحو منهجي برعاية وزارات إسرائيلية وبلدية القدس.

يتبع في الجزء الثاني

__________

مواد ذات علاقة