ميهاري تاديل مارو

تناقش هذه الورقة سؤالين حرجين ومترابطين على خلفية تجربتي إثيوبيا وراوندا. السؤال الأول، ما هي عناصر الدولة التنموية في ليبيا وما هي شؤونها السياسية والإقتصادية والثقافية؟ والسؤال الثاني، في ضوء الاختلافات بين مواقف القوى داخل وخارج ليبيا، هل تعتبر إقامة دولة تنموية هناك أمراً ممكناً؟

الجزء الرابع

ثانيا: تجربة رواندا

الإنجازات الاقتصادية والسياسية

تمثل راوندا الدولة الأسرع نموا في إفريقيا. إذ لا توجد بقعة في القارة ظهر فيها أثر النمو الاقتصادي والتنمية بصورة جلية كما ظهر في رواندا. إذ يشكل انتقال البلاد التي نالت منها الحرب الأهلية وعمليات الإبادة الجماعية إلى دولة تنموية نموذجية، نجاحا إفريقيا باهرا يجب انتشار أخباره في مختلف أرجاء القارة.

بعد انبعاثها من رماد الإبادة الجماعية التي تعرضت لها قبائل التوتسي عام 1994، تعرّض رواندا معظم سمات الدولة التنموية، وهي الاستقرار وهيمة الحزب الحاكم والقيادة الرشيدة، بالإضافة إلى جدول أعمال إنمائي تحولي وبيروقراطية عامة فعالة.

فمنذ عام 1994، بقي الرئيس بول كاغامي، الذي يشغل الآن الولاية الرئاسية الثالثة، وتبلغ مدتها 7 سنوات، زعيم الجبهة الوطنية الرواندية التي تسيطر فيها على أغلبية مطلقة. ومع التطلع للوصول إلى بلاد متوسطة الدخل بحلول عام 2035، أدت الاستراتيجية الوطنية الراوندية للتحول والتنمية الاقتصادية والحد من الفقر إلى زيادة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.2% سنوية مع 5% منها لنصيب الفرد لأكثر من عقد حتى عام 2018.

وفي العام 2019، بلغ النمو نسبة 10%. ويرجع هذا التطور بصورة أساسية إلى إنفاق القطاع العام الذي أدى إلى تحسن ملموس في مستويات المعيشة. ففي العقدين الماضيين، حققت الدولة التنموية في رواندا انخفاضا بمعدل 75% في إعداد الوفيات، وزيادة بمعدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية وصل إلى 100%، كما انخفضت نسبة الفقر إلى 50%. وزاد متوسط العمر المتوقع عند الولادة من 29 عام في العام 1994 إلى 69 في العام 2019. بين أن الأداء الاقتصادي المذهل جاء على حساب الديون المتراكمة.

وتواجه رواندا أنواعا أخرى من التحديات التي عادة ما تواجه الدول التنموية. ويتعلق إحداها بالديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة في نظام سياسي يهيمن عليه حزب حاكم. ومع غياب زعيم قوي في مركز النظام، قد تنزلق البلاد إلى حالة من الفوضى وزعزعة للإستقرار، كما حدث بعد وفاة ميليس زيناوي، مؤسس الدولة التنموية الإثيوبية.

علاوة على ذلك، وكما هي الحال في دولة تنموية أخرى مثل إثيوبيا، تلعب المشاريع العامة وجهات القطاع الخاص التابعة للجبهة الوطنية الرواندية دورا حاسما في النمو الاقتصادي السريع وتتمتع بامتيازات اقتصادية، بما في ذلك إمكانية الحصول على العقود العامة.

ولقد صنّف تقرير مؤشر محمد إبراهيم للحكم الإفريقي رواندا في المرتبة الحادية عشرة من أصل 54 دولة في القارة احتل التوجه القطري لمدة عشر سنوات من 2006 إلى 2015 المرتبة السابعة. وقد احتلت رواندا المرتبة الرابعة من حيث الفرص الاقتصادية والعاشرة في التنمية البشرية، ما يؤكد على النمو الكبير الذي حققته. والدليل على التحديات السياسية الكبيرة التي تواجهها رواندا هي أنها تحتل المرتبة الحادية والثلاثين من حيث المشاركة السياسية والحقوق.

أما من حيث الأمن وسيادة القانون فقد احتلت المرتبة الحادية عشرة. حيث تُعدّ رواندا أقل تنوعا من إثيوبيا. إذ قمعت الحشد السياسي على أساس عرقي إلى درجة أصبح معها التعبير السياسي المتعلق بالعرق محظورا. وهذا يعارض الضمان الدستوري لتقرير المصير والحكم الذاتي للمجتمعات العرقية في إثيوبيا.

انبعاث دولة تنموية من رماد الإبادة الجماعية

يمثّل التطور السياسي تركة التاريخ المأساوي للإبادة الجماعية التي تعرضت لها قبائل التوتسي عام 1994 والخطاب السياسي الذي سبقها. ويجب على مناقشات حالة وراندا أن تبدأ بالاعتراف بالتحديات الاستثنائية التي واجهتها البلاد في أعقاب الإبادة الجماعية لقبائل التوتسي عام 1994. إذ أطّرأت أحداث الإبادة الجماعية التنمية السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية في رواندا. ومع وضع ذلك التاريخ في الاعتبار، لا يمكن اعتبار إعادة إحياء السياسة والاقتصاد وتنميتها أمرا بسيطالعمليتي إرساء الديمقراطية وبناء الدولة.

ولا يخضع تاريخ رواندا الخاص والتطورات الأخيرة ببساطة لتقييم تقليدي لعمليتي إرساء الديمقراطية وبناء الدولة. فخصوصياتها التاريخية تجعل الاستقرار اللازم لتحقيق التنمية في البلاد على قدر من الأهمية يعادل الديمقراطية. ومن هنا تأتي أهمية الحكومة الفعّالة فاللافت للنظر، في هذه الظروف والخلفية الخاصة، أن رواندا تمكنت بعد عقدين فقط من التخلص من الأثار الاقتصادية الصعبة الناجمة عن الإبادة الجماعية، وأصبحت مثالا يحتذى لدولة تنموية إفريقية ناجحة.

إذ ليست الإبادة الجماعية حقيقة تاريخية تحدد مسار التنمية الإجتماعية السياسية فحسبت، بل هي حقيقة سائدة في الأجواء العامة أيضا. إذ يسيطر الخوف بصورة واسعة على أفق السياسات الرواندية. ففي دولة فقيرة وبتاريخ مضطرب، قد تتأزم ألاف القضايا.

ويعد الخوف من صراع عرقي أمرا مفهوما، وللمخاوف من اضطراب الديمقراطية ما يفسّرها. وتبرّر نسبة كبيرة من الروانديين القيود التي تفرضها الحكومة على الديمقراطية وتعتبرها مشروعة وتناسب الوضع الراهن، نظرا لقلقهم من حدوث إبادة جماعية أخرى. نتيجة لذلك، يفضّل العديد من الروانديين وتقديم المنافع العامة على الديمقراطية، وهو موقف ناتج عن الخوف من السياسية، وسياسة الخوف.

وصحيح أن فرض القيود على بعض جوانب الديمقراطية في رواندا قد يكون مبرّرا أو حتى ضروريا. ففي أعقاب الإبادة الجماعية ودور الإعلام الذي أسهم في عمليات القتل، لا تزال القيود الصارمة على حرية التعبير، لا سيما حرية وسائل الإعلام، تشكّل توجّها سياسيا مؤسفا.

كما اعتبر النقاد الولاية الرئاسية الثالثة لكاغامي غير مبرّرة من الناحية القانونية والمعتادة. فمنذ انتهاء الحرب الباردة، انتهت حقبة الرئاسات التي تدوم مدى الحياة في إفريقيا، ولا تزال مرفوضة شعبيا على نطاق واسع.

عيوب نموذج الدولة التنموية في حالتي إثيوبيا ورواندا

يبيّن هذان المثالان العيبين الأساسيين للدولة التنموية:

.ـ المثال الأول، هيمنة الدولة بدل التعددية الديمقراطية

ـ المثال الثاني، وهو نتيجة للمثال الأول، ضعف مساءلة الحكومة التي تعتمد بصورة كبيرة على الرقابة الشخصية والحزبية، بدل المساءلة المؤسسية الديمقراطية.

وفي كل من إثيوبيا ورواندا، كانت الدولتان التنمويتان فعالتين بتقديم الخدمات العامة والتنمية الاقتصادية (وإن كان ذلك أقل في مجالي السياسات والديمقراطية). نتيجة لذلك، تمتعت حكومتاهما بصورة عامة بشرعية الأداء. وقاد كلا البلدين حزب مهيمن، الأمر الذي يُعد في غاية الأهمية بالنسبة للدول التنموية.

وكانت الجبهة الوطنية الرواندية والرئيس بول كاغامي مركز التحول الذي طرأ على الاقتصاد الرواندي وعلى أمن البلاد، بينما كانت الجبهة الديقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية وزعيمها، ميليس زيناوي، مركز التحول. ويطلق البنك الدولي على هذا النموذج اسم الطريقة الإثيوبية“.

وبغية توفير الخدمات التنموية، نظرت الجبهة الديمقراطية الإثيوبية والجبهة الوطنية الرواندية شرقا لاستلهام النموذج. ففي حين مثّلت اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وهونغ كونغ وتايلاند وإندونيسيا وماليزيا والصين الدول التنموية الرئيسية، قدّمت الصين وكوريا الجنوبية المخطط الملهم الذي أسست عليه الجبهة الديمقراطية الإثيوبية نموذجها الاقتصادي، مع بعض التعديلات في ضوء الخصائص التاريخية والثقافية لإثيوبيا بالإضافة إلى خصائص وطنية أخرى.

وأصبحت الدولتان التنمويتان في إثيوبيا ورواندا معاديتين بشراسة للمساءلة وسيادة القانون. ففي حين أن الديمقراطية، في المفهوم العام، مصممة للتعامل مع أوجه الاختلاف أكثر من التعامل مع أوجه التشابه، وتفترض إمكانية استبدال جميع المسؤولين والأحزاب، بما في ذلك الرؤساء والأحزاب الحاكمة، غير أن ممارسة السلطة في الدولة التنموية احتكارية.

وكان لكل دولة تنموية حزب مهيمن ذو ميول استبدادية أو ماركسية في فترة ما من تاريخها. وبالتالي، يمكن للدولة التنموية قيادة حزب سياسي حاكميمارس سلطة الدولة كقوة مهيمنة واحتكارية. شأنها شأن إثيوبيا وزعيمها ميلي زينانوي، تُعرب رواندا بنموها الاقتصادي السريع ورئيسها، بول كاغامي، ذي الفترات الرئاسية الطويلة في البلاد. وقد وصفت العديد من المنابر الإعلامية الانتخابات في كلا البلدين بأنها سباقات الخيل الواحد، إذ قادها الحزبان الحاكمان المهيمنان: عرضت إثيوبيا تحت حكم زيناوي ورواندا تحت حكم كاغامي مساحة تشاركية لكنها لم تكن تنافسية.

غير أن أحزاب المعارضة في الداخل والخارج اتهمت الحزبين الحاكمين وقيادتيهما في كلا البلدين بانتهاك حقوق الانسان وتضييق الخناق على المتنافستين على السلطة. وأعربت وسائل الإعلام الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والهيئات الحكومية الدولية مثل الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي عن معارضتها لأسلوب الحكم في إثيوبيا ورواندا.

وتعد الدينامية والبراغماتية ركيزتين أساسيتين للدولة التنموية. ولكن مع توسع الطبقة الوسطى واشتداد المطالب الشعبية، فشلت الدولة التنموية في إثيوبيا في تلبية تلك المطالب. وأدّت الاحتجاجات التي أعقبت وفاة زيناوي، مؤسس الدولة التنموية في إثيوبيا، إلى تغيير القيادة التي فضّلت الفكر النيوليبرالي، الأمن الذي تسبب في انقسام داخل الحزب الحاكم. وفشل النظام الدستوري الإثيوبي في حل الخلافات داخل الحزب الحاكم، ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية في البلاد.

وعلى الرغم من أن التقدم التي أحرزته الدولة التنموية في إثيوبيا جدير بالثناء، إلا أنها تأخرت في إرساء الديمقراطية، الأمر التي تسبب في احتجاجات مستمرة تطورت لتصبح حربا أهلية في الوقت الراهن. وقد لا يختلف مصير رواندا ما لم تسرّع في إضفاء الديمقراطية إلى سياساتها.

هذا بالإضافة إلى المنافسة الجيوسياسية بين القوى العظمى في إفريقيا التي قد تؤثر على مصيرها. وقد تقدّم الحرب الأهلية الأخيرة في إثيوبيا دروسا لليبيا باعتبارها دولة تطمح إلى التنمية.

حيث تبييّن الحاجة إلى نظام دستوري ديمقراطي قوي وموثوق مستوحى من سيادة القانون. إذ لا يمكن لأي حزب سياسي مهيمن أو قائد بارز استبدال ديمقراطية دستورية نشطة تمارس فيها السلطة بصبغة شرعية، فللأغلبية الحق في الحكم مع احترام حقوق الأقليات بالكامل. بالإضافة إلى أن المساءلة الديمقراطية، شأنها شأن التنمية الاجتماعية الاقتصادية، تزيد من التسامح في التنوع والتعددية.

ويّعد إرساء الديمقراطية بين المواطنين أمرا محوريا في زيادة مساءلة المسؤولين عبر المؤسسات الدستورية الديمقراطية. وعلى النقيض من ذلك، قد يعرّض التركيز على تحقيق الاستقرار بأي ثمن، التطورات الاجتماعية في المستقبل وحتى قوة الدولة إلى الخطر، سوف تزيد حاجة جيل ما بعد الحرب في ليبيا إلى قيادة تزدهر على أساس نشر الحرية، لا الخوف.

يتبع في الجزء الخامس

***

ميهاري تاديل مارو ـ أستاذ (دوام جزئي) في مركز سياسات الهجرة، ومنسق أكاديمي لبرنامج القادة الشباب من أفريقيا في كلية الحوكمة عبر الوطنية، المعهد الجامعة األوروبية؛ يشكر المؤلف الزملاء في برنامج مسارات الشرق الأوسط على تعليقاتهم ومساعدتهم في هذا البحث.

__________

المصدر: منصة الحوار الليبيتابعة لبرنامج مسارات الشرق األوسط في معهد الجامعة الأوروبية. يرمي المشروع إلى إقامة منتدى للحوار والتبادل بين القوى السياسية الرئيسية في ليبيا، والباحثين الليبيين والدوليين، والجهات الفاعلة الأساسية في المجتمع الدولي، بشأن سياسات أساسية لمستقبل ليبيا.

مواد ذات علاقة