تشهد فلسطين المحتلة على جانبي الخط الأخضر هبّة شعبية شاملة بدأت بوادرها منتصف نيسان/ أبريل 2021، مع وضع سلطات الاحتلال حواجز حديدية في ساحة باب العامود المؤدية إلى البلدة القديمة في القدس والمسجد الأقصى في الأيام الأولى من شهر رمضان.

الجزء الثاني

سمات هبة القدس الأخيرة

رغم أن النضال الفلسطيني في القدس مستمر منذ احتلالها، فإن ثمة سمات تميّز الهبّة الأخيرة، أهمها:

أولا: بروز المقاومة الشعبية العفوية على نضال المقدسيين بعيدًا عن العمل الحزبي والفصائلي المنظم. فبعد حراك عفوي شبابي غير منظم، أجبر المقدسيون الشرطة الإسرائيلية على إزالة الحواجز الحديدية من ساحة باب العمود في 25 نيسان/ أبريل 2021، بعد أسبوعين على نصبها.

كما دفع نضال المقدسيين بمشاركة شباب وطلاب جامعيين من أراضي الـ 48 المحكمة العليا الإسرائيلية في 9 أيار/ مايو 2021 على تأجيل البتّ في ملف طرد عائلات فلسطينية من منازلها بحي الشيخ جراح، بعد طلب قدّمه المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية، أفيخاي مندلبليت، جاء عقب مظاهرات يومية طالبت بإنقاذ الحي من التهجير القسري والتطهير العرقي لسكانه.

كما قدّم المقدسيون والمتضامنون معهم، مستفيدين من تراكم خبرة نضالية في السنوات الخمس الأخيرة، أشكالًا متنوعة من المقاومة الشعبية ضد سلطات الاحتلال؛ ففضلًا عن المظاهرات اليومية، كثفوا من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال صوتهم إلى العالم وتشجيع الفلسطينيين على القدوم إلى القدس، وتكثيف تفاعل عدد من المؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي في العالم لكتابة منشورات ونشر صور وتسجيلات مصورة عن جرائم الاحتلال في القدس.

كما تعززت أشكال التضامن والتكافل الاجتماعي في القدس، بإقامة الصلوات وتناول الإفطار الجماعي في شهر رمضان، وتعزز أيضًا تفاعل المقدسيين مع حضور فلسطينيي الداخل إلى القدس، ولا سيما عندما قامت سلطات الاحتلال بمنع المصلين القادمين من الداخل من الوصول إلى القدس، وإنزالهم من حافلاتهم، فقام المقدسيون بنقلهم بسياراتهم وباصاتهم إلى القدس.

ثانيا: قرار حركة حماس في غزة أن تتفاعل مع ما يجري في القدس، بحيث يكون ثمة ردعٌ فلسطيني ما ضد إجراءات الاحتلال فيها، ولا سيما أن هناك تجاهلًا دوليًا للقدس منذ نقل السفارة الأميركية إليها، وعجزًا فلسطينيًا رسميًا عن فعل أي شيء.

وفي غياب إطار وطني شامل يجمع القوى الفلسطينية الرئيسة، جاء قرار حركة حماس منفردًا.

وقد تفاعلت فصائل المقاومة في غزة مع هبّة القدس بإطلاقها عملية سيف القدسالتي أظهرت تطور قدراتها النوعية في صناعة صواريخ محلية اخترقت القبة الحديدية الإسرائيلية ووصلت إلى مناطق مختلفة داخل إسرائيل.

وفي غضون أسبوع من إطلاق عملية سيف القدس، أطلقت فصائل المقاومة أكثر من 3000 صاروخ تجاه اسرائيل، أي قرابة 500 صاروخ في اليوم الواحد.

وعلاوة على كثافة النيران، برز أيضًا تطور نوعية الصواريخ ومداها، ولا سيما صاروخ A120، الذي أطلقته فصائل المقاومة تجاه القدس المحتلة في 10 أيار/ مايو، وحمل رؤوسًا متفجرة ذات قدرة تدميرية عالية ويصل مداه إلى 120 كيلومترًا.

كما برز صاروخ عياش 250″ الذي أطلقته فصائل المقاومة تجاه مطار رامون الدولي في 13 أيار/ مايو، ووصل مداه إلى 220 كيلومتر، وهو أبعد مدى وصله صاروخ فلسطيني منذ أول صاروخ أطلقته فصائل المقاومة عام 2001 تجاه مناطق إسرائيلية.

كما نفذت فصائل المقاومة هجمات باستعمال طائرات مسيّرة محلية الصنع من طراز شهاب، تستعمل لأول مرة، استهدفت مراكز إسرائيلية، بينها منصة غاز قبالة ساحل شمال غزة.

وينبغي لنا أن نتذكر أن هذه الصواريخ طُوّرت وصُنّعت في قطاع غزة في ظل حصار خانق يتعرض له القطاع منذ عام 2007.

وفي المقابل، وفي إطار محاولة ترهيب الفلسطينيين وإخضاعهم في غزة، كثّف الجيش الإسرائيلي من عدوانه على المدنيين الفلسطينيين؛ إذ في غضون أسبوع واحد سقط أكثر من 200 مدني فلسطيني في غزة، بينهم 58 طفلًا و34 امرأة، ونزح نحو 34 ألف فلسطيني.

كما كثّف الجيش من غاراته لتدمير البنية التحتية، إذ بلغ عدد المباني التي قُصفت في غضون أسبوع نحو 90 بناية، بينها 6 أبراج سكنية، 3 منها دُمّرت تدميرًا كاملًا، فضلًا عن تدمير محطات المياه، والصرف الصحي، والكهرباء، والإنترنت.

ولئن كان هدف المقاومة هو إظهار رفض عزل غزة عن بقية الشعب الفلسطيني وإدخال عنصر الردع إلى المعادلة في القدس بحيث لا يستفرد الاحتلال بها، فإن الرد الإسرائيلي التدميري الشامل يهدف إلى منع غزة من تكرار محاولة الردع هذه وتكريس الاستفراد الإسرائيلي في القدس باعتبارها ملفًا خاصًا بإسرائيل حصرًا.

كما يهدف رد الفعل الإسرائيلي إلى تدمير البنية التحتية التي مكّنت فصائل المقاومة من إنتاج هذا الكم من الصواريخ.

ثالثا: مثلت الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح وقطاع غزة المحفز الرئيس الذي دعا الفلسطينيين في مدن الداخل إلى المشاركة الواسعة في الهبّة الشعبية الأخيرة.

لكن عنف المستوطنين اليهود المتطرفين خلال الأحداث الأخيرة بحماية الشرطة الإسرائيلية، والذي برز مع استشهاد موسى حسونة في مدينة اللد بعد إطلاق مستوطن متطرف يهودي النار عليه في 10 أيار/ مايو، أشعل انتفاضة شاملة في جلّ مدن الداخل، ولا سيما فيما يسمى المدن المختلطة التي احتُلت عام 1948 والتي يسكنها حاليًا فلسطينيون ويهود.

وقد انطلقت مظاهرات حاشدة في مدن وبلدات عربية رفعت فيها أعلام فلسطينية نددت بالعدوان الإسرائيلي على القدس وغزة. وبعد اتساع رقعة المظاهرات في مدن الداخل وأحيائه وقراه، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 12 أيار/ مايو عن حالة طوارئ خاصة في مدينة اللد، ومنح المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، يعقوب شبتاي، الصلاحيات بإدخال الجيش الإسرائيلي إلى مدن الداخل لمساعدة الشرطة الإسرائيلية في وقف التظاهرات.

وقد حفّز ذلك المستوطنين المتطرفين على تصعيد عنفهم تجاه الفلسطينيين، بالاعتداء عليهم في البيوت والشوارع والمتاجر والجامعات، ولا سيما في عكا ويافا وحيفا واللد، واعتقال الشرطة الإسرائيلية أكثر من 700 فلسطيني منذ 9 أيار/ مايو، وإطلاقها الأعيرة المعدنية المغلّفة بالمطاط والغاز المسيل للدموع صوب المتظاهرين الفلسطينيين.

وقد أكدت الهبّة على رفض فلسطينيي الداخل الفصل بينهم وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وربط مطالبتهم بحقوقهم القومية والمدنية بدفاعهم عن القضية الفلسطينية.

رابعا: خروج مظاهرات محدودة في الضفة الغربية منذ تصاعد وتيرة الهبّة الشعبية في 9 أيار/ مايو بادر إليها شباب غير محسوب على القوى والفصائل الفلسطينية، وانضمت إليها فصائل من ضمنها حركة فتح، لكن هذه المظاهرات اتسعت وانتشرت بكثافة بعد صلاة الجمعة في 14 أيار/ مايو، لتشمل مختلف أرجاء مدن الضفة، منها الخليل ورام الله والبيرة وبيت لحم وسلفيت وقلقيلية وطولكرم وأريحا ونابلس، سقط خلالها 11 شهيدًا وعشرات الجرحى.

وارتفع العدد إلى 21 شهيدًا، بينهم طفل مع نهاية يوم 16 أيار/ مايو، وهو ما عُدَّ تصعيدًا عسكريًا إسرائيليًا لمنع الضفة الغربية من المشاركة بكثافة في الهبّة الشعبية، مخافةَ تحولها إلى انتفاضة جديدة، كما حدث عام 2000.

وعلى الرغم من مسارعة بعض القوى والفصائل إلى الدعوة إلى النفير العامفي مختلف محافظات الوطن، بما فيها الضفة الغربية، ظلت استجابة جيل الشباب في الضفة الغربية تؤكد على عفويتها غير المقيّدة بالأطر السياسية، ولا سيما أن شريحة كبيرة منهم تشعر بخيبة أمل من سلوك السلطة والقوى والفصائل الفلسطينية، بسبب تراكمات عدة، آخرها تأجيل الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الانتخابات الفلسطينية في 29 نيسان/ أبريل.

ولا شك في أن هبّة الضفة الغربية تتضمن بوادر انتفاضة شاملة يمكن أن تمنع مواصلة الاحتلال سياساته بعد وقف إطلاق النار في غزة، كما يمكن أن تمنع انتكاسةً بعد الصمود الأسطوري لغزة.

إن تحويل الهبّة الشعبية إلى انتفاضة شاملة أمر ممكن لو توافرت الإرادة السياسية لدى السلطة الفلسطينية، وإذا أدركت أنه ليس أمامها بديل آخر.

خاتمة

تنشط جهود دبلوماسية إقليمية ودولية لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة وتقييد الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في القدس، لكن هذه الجهود ما زالت تصطدم بتعنّت إسرائيلي مرتبط من جهة برغبة نتنياهو في تحقيق نصر أمام الرأي العام الإسرائيلي بعدما وضعت فصائل المقاومة ستة ملايين إسرائيلي في مرمى صواريخها، وبعدما أظهر الفلسطينيون وحدتهم في مواجهة سياسات التجزئة والتهويد والأسرلة.

ومن جهة أخرى، يسعى نتنياهو إلى القضاء على فرص خصمه يائير لبيد، زعيم حزب يوجد مستقبل، المكلف في 5 أيار/ مايو 2021 بتشكيل حكومة جديدة في إسرائيل.

لكن، وبغضّ النظر عن الطريق التي ستسلكه المواجهات، سواء في اتجاه تصعيد العدوان الإسرائيلي، أو التوصل إلى اتفاق تهدئة عبر وساطات إقليمية ودولية، بات مطلوبًا من كل القوى والفصائل الفلسطينية وقف التعامل مع قضية التحرر من الاحتلال وفق مبدأ رد الفعل، والاتفاق على استراتيجية نضالية موحدة تسخّر كل أشكال العمل النضالي في الداخل والخارج لخدمة مشروع إنهاء الاحتلال بدلًا من التركيز على تكريس وجود سلطة تخدم وتعزز وتطيل بقاءه.

وهذا لا يمكن أن يحصل من دون إطار وطني جامع.

____________

مواد ذات علاقة