انخرطت الأمم المتحدة في المسار الانتقالي الليبي منذ انطلاقه. وتمثل القرارات الأممية التي بلغت 36 قرارا مخصصا ليبيا علامة بارزة على هذا الدور. يتناول هذا المقال تلك الترسانة من القرارات في محاولة لتصنيفها من حيث تواترها ومضمونها.

الجزء الأول

يبرز تواتر تلك القرارات العلاقة الوثيقة بين تطور الوضع الليبي من ناحية وتفاعل المنظمة الأممية معه صعودا وهبوطا، تسارعا وتباطؤا. بينما تكشف مضامين تلك القرارات أن الأمم المتحدة لم تكن تنظر إلى الانتقال الديمقراطي كمجرد إجراءات شكلية تهم نقل السلطة واستقرارها فحسب، بل كانت نظرتها تتسع لتشمل الإطار الذي يتطور فيه الانتقال الديمقراطي، وأساسا كل ما يحتاجه لتأمين ذاته مثل مصادر التمويل (مشاكل النفط) والأمن (الصراعات الداخلية والسلاح والإرهاب).

لكن الوجه الآخر لكل هذه الترسانة من القرارات، ممثلا في كثرة القرارات من ناحية والعودة إلى نفس القضايا من ناحية ثانية لمدة عشر سنوات، ليس إلا علامة على محدودية نجاعة ذلك التدخل.

مقدمة:
بخلاف تجارب الربيع العربي التي انطلقت من تونس في نهاية 2010 وبداية 2011، تميزت التجربة الليبية بالحضور الأممي منذ انطلاقها مرافقة وتأطيرا. ولعل سوابق النظام الليبي في توتر علاقته بالمنتظم الأممي من ناحية، والرهانات الجيوستراتيجية لليبيا، وردود فعل النظام على التحركات الشعبية منذ انطلاقتها، لعل هذه العوامل هي التي فتحت الباب لهذا الحضور حين أصدر مجلس الأمن الدولي القرار عدد 1970 يوم 26 فيفري 2011. وقد شرّعت الأمم المتحدة للتدخل في الشأن الليبي على أساس واجب حماية المدنيين

أحداث الثورة ولجوء النظام إلى استعمال القوة بشكل اعتبره مجلس الأمن مفرطا. واستفادت في ذلك من مبادرة جامعة الدول العربية ومنظمة العالم الإسلامي إلى إدانة تلك السياسة مباشرة بعد اندلاع الاحتجاجات من بنغازي وقمعها بشدة من النظام، الأمر الذي هيأ لمجلس الأمن استعراض الحالة في ليبيا والتشريع للتدخل فيها.

أصبحت الحالة في ليبيا منذ فيفري 2011، تاريخ اندلاع أحداث الثورة، موضوع تداول قار في جلسات مجلس الأمن باعتبارها حالة تهدد السلم العالمي.

ففي هذا الشهر، نظر المجلس في المسائل المتصلة بالجماهيرية العربية الليبية في جلساته 6486 و6490 و6491، المعقودة في إطار البند المعنون ”إحلال السلام والأمن في أفريقيا“.

وعملا بمذكرة من رئيس مجلس الأمن مؤرخة 16 آذار/مارس 2011 (s/2011/141) أدمجت منذ ذلك التاريخ في بند جدول الأعمال المعنون ”الحالة في ليبيا“المسائل التي نظر فيها المجلس سابقا فيما يتعلق بالجماهيرية العربية الليبية.

وتغير الاسم الرسمي للبلد في الأمم المتحدة من الجماهيرية العربية الليبية“ إلى ”ليبيا“ اعتبارا من 16 أيلول/سبتمبر 2011 بناء على طلب المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا.

وقد وفرت كل تلك الجلسات رصيدا من القرارات التي تمثل الإطار التشريعي للتدخل الأممي.ويمكن تناول هذه القرارات من زاويتين: التواتر والمضمون.

تواتر القرارات الأممية المتعلقة بليبيا:

بلغ عدد القرارات الأممية المتعلقة بليبيا بين فيفري 2011 وأفريل 2021 ستة وثلاثين (36) قرارا. ويكشف توزيعها الزمني المتذبذب تقلبات الحالة الليبية.

يعكس هذا التوزيع تلازم نسق تلك القرارات مع تطور الأوضاع في ليبيا سواء في قمة المواجهة بين الثورة والنظام في انطلاقتها، أو في أوج المواجهة الثانية بعد 2014، مقابل انخفاض عدد تلك القرارات في فترات استقرار النزاع الليبيالليبي.

ويعكس هذا المسار المتوازي بين عدد القرارات ونسق الأزمة الليبية تطور الاهتمام الأممي بالوضع الليبي والالتزام تجاهه بغض النظر عن خلفيته.

لكن بالنظر من زاوية النجاعة، يعكس هذا التوزيع محدودية تأثير كل هذه الترسانة من القرارات ونجاعتها. وهو ما يدعو إلى التساؤل عن مدى حرص المنتظم الأممي على حل الأزمة واستعجال ذلك.

بل إن تواتر عدد القرارات بهذا الحجم في ظرف عشر سنوات وبشكل يعود أحيانا إلى نفس القضايا،بل وقضايا أخرى تخرق قرارات سابقة مثل تصدير الأسلحة إلى المتصارعين أو النفط من ليبيا خارج الأطر التي حددتها قرارات الأمم المتحدة، يكشف، وللأسف، عجزا، أو ربما تعجيزا، للمنظمة من أعضاء ساهموا في إصدار تلك القرارات.

أهم مضامين القرارات الأممية المتعلقة بليبيا:

تعددت المسائل التي تناولتها القرارات الأممية والمتعلقة بالحالة الليبية. ويمكن تصنيفها في علاقة برعاية الانتقال الديمقراطي وتدويله إلى مجموعتين: مجموعة قضايا على علاقة غير مباشرة بإجراءات الانتقال الديمقراطي لكنها تعد شروطا أساسية لتأطيره وحمايته، ومجموعة ثانية على علاقة مباشرة بالانتقال الديمقراطي ذاته وإجراءاته.

قضايا على علاقة غير مباشرة بالانتقال الديمقراطي:

وقف إطلاق النار

كان حاضرا في أول قرار (1970 (2011)) منذ اندلاع أحداث الثورة وردا على استعمال السلطة للقوة ضد المدنيين. وكان يمكن أن يصبح من الماضي لولا أن المواجهات المسلحة انتقلت من الثنائية نظام/معارضة إلى داخل مكونات المجتمع الليبي ذاته خاصة منذ 2014. لذلك عاد هذا المطلب إلى تسجيل حضوره في قرارات مجلس الأمن (2213 (2015)، 2238 (2015)، 2486 (2019)، 2542 (2020)، 2570 (2021)).

يمكن القول هنا مبدئيا إن الاهتمام بوقف إطلاق النار والتأكيد عليه على علاقة بالانتقال الديمقراطي باعتباره ابتداء حماية للثورة من النظام ودفعا له إلى فتح باب الحوار مع شعبه لضمان انتقال سلس للسلطة بدل العنف.

لكن لنلاحظ مرة أخرى أن عودة الحديث عن نفس الموضوع بعد ثلاث سنوات من اندلاع الثورة وإسقاط النظام شهادة على فشل المنتظم الأممي في تأمين الانتقال الديمقراطي وفرض خيار الحوار على خيار السلاح بين الفرقاء الليبيين. وهو ما يحيلنا مرة أخرى على تأزم إدارة الأمم المتحدة للانتقال بسبب اعتلال داخلي نابع من تناقضات مكونات المنتظم الأممي ومصالحه.

الحظر الجوي:

تضمنه القرار 1973 (2011) في سياق منع النظام من استعمال سلاح الجو في استهداف المدنيين. وقد أنهى القرار 2016 (2011) ولاية حماية المدنيين وأحكام منطقة الحظر الجوي بعد ثمانية أشهر في أكتوبر 2011 إثر مقتل القذافي يوم 20 أكتوبر 2011 وإعلان تحرير ليبيا في 23/10/2011.

قضية الأسلحة:

تناولتها مقررات الأمم المتحدة من زاويتين في علاقة بالانتقال الديمقراطي (وهو ما جعلنا نستثني القرار المتعلق بتدمير الأسلحة الكيميائية [(2298 (2016)]:

حظر الأسلحة:
توريدا إلى ليبيا وتصديرا منها منذ القرار 1970 (2011) الذي وضع البلاد تحت الفصل السابع والضغط على السلطة الليبية لمنعها من استخدام القوة ضد المدنيين.

وتعرض لاحقا إلى شيء من التعديل في مناسبات مختلفة تخفيفا لتمكين السلطة المؤقتة من حفظ الأمن ومواجهة الأوضاع الطارئة (2040 (2012) و2095 (2013)) ثم تشديدا مع عودة الصدامات بين الفرقاء الليبيين (2144 (2014)، 2174 (2014)، 2213 (2015)) ووضع المسألة تحت رقابة لجنة الجزاءات وفريق خبراء الأمم المتحدة (2214 (2015)).

بل ذهب الأمر إلى السماح للدول الأعضاء بممارسة التفتيش على السفن المشتبه في تزويد المتصارعين الليبيين بالسلاح [2292 (2016)، 2357 (2017)، 2441 (2018)، 2473 (20169)، 2509 (2020)، 2510 (2020)، 2526 (2020)، 2542 (2020)، 2570 (2021)].

***

د. عبد الرحمن الهذلي ـ باحث تونسي

_____________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مواد ذات علاقة