انخرطت الأمم المتحدة في المسار الانتقالي الليبي منذ انطلاقه. وتمثل القرارات الأممية التي بلغت 36 قرارا مخصصا ليبيا علامة بارزة على هذا الدور. يتناول هذا المقال تلك الترسانة من القرارات في محاولة لتصنيفها من حيث تواترها ومضمونها.

الجزء الثاني

إنتشار الأسلحة داخل ليبيا:

بدأ الاهتمام بهذه المسألة مبكرا منذ سيطرة الثوار على طرابلس في محاولة للتحكم في انتشار السلاح. لكن العبارات التي تضمنها القراران المتعلقان [2017 (2011) و2022 (2011)] ربطت المسألة بحماية قوات التحالف المتدخلة من ناحية (بالتركيز على ذكر الصواريخ أرض جو المحمولة على الكتف) وخطر انتقال السلاح إلى الجماعات الإرهابية من ناحية ثانية.

الإجراءات الجزائية:

منذ القرار 1970 بادر مجلس الأمن في إطار البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة إلى اتخاذ جملة من الإجراءات لتعطيل قدرة النظام وردا على استعماله القوة المفرطة ضد المتظاهرين في بنغازي. وتواصل التأكيد على تلك الإجراءات التي توزعت على المجالات التالية:

إحالة الملف الليبي على محكمة العدل الدولية: كانت أول المقررات التي تضمنها القرار 1970 (2011) [النقاط 4 – 9]. ثم تواصل التأكيد عليها لاحقا [2213 (2015)].

حظر السفر على رموز النظام: شمل هذا القرار 16 شخصية من دائرة الحكم المركزية بدءً بمعمر القذافي والدائرة المقربة منه ممثلة في أبنائه وعدد من رموز النظام. وتواصل التأكيد على هذه المسألة في قرارات لاحقة [(2174 (2014)، 2213 (2015)، 2441 (2018)]

تجميد الأصول: برر مجلس الأمن ذلك على أنها من حق الشعب الليبي، لكن لا يمكن إخفاء حقيقة أطماع القوى الدولية الفاعلة في تلك الأرصدة. وربما بررت هذا القرار بشل قدرة النظام على الاستفادة منها في قمع التحركات الشعبية.

وقد خصص لها القرار 1970 النقاط 17 – 23 ليضبط ترتيبات التجميد ومقاييس تحديد الأطراف المعنية بها. وأورد الملحق الثاني منه قائمة المعنيين بالتجميد وهم من آل القذافي.

وقد أكدت القرارات اللاحقة على هذا الإجراء بتوسيع معايير الكيانات والأفراد المعنيين به [(2174 (2014)، 2213 (2015)، 2441 (2018)]. ومنذ 2020 أصبحت تلك الأموال توصف في نصوص القرارات الأممية بالمختلسة ويتم التأكيد على حق الشعب الليبي في تمكينه منها [2510 (2020)، 2570 (2021)].

تصدير النفط:

أصبح موضوع اهتمام المنتظم الأممي منذ 2014 فأخضع لمراقبة اللجنة وأذن للدول الأعضاء بأن تفتش في أعالي البحار السفن التي تحدد اللجنة بأنها تحاول تصدير النفط الخام بطريقة غير مشروعة (2146 (2014)).

وتم تمديد العمل بنفس القرار لاحقا (2213 (2015)، 2278 (2016)، وتوسيعه ليشمل مشتقات النفط [2362 (2017)]، ومطالبة الفريق بتقرير عن صادرات النفط [2509 (2020)، 2510 (2020)].

الإرهاب:

برزت الإشارة إليه منذ السنة الأولى للثورة. لكنه اقترن بسقوط نظام القذافي إذ ورد في القرار 2017 (2011) المؤرخ في 31 أكتوبر 2011.

وتعكس صيغة الفقرة المخصصة له الانشغال بمخاطر فوضى السلاح في ظل الفراغ الذي تركه النظام.

فقد طلب (في النقطة الخامسة) من لجنة الجزاءات المنشأة عمـلا بـالقرار 1970 (2011)”أن تقـوم، مـستعينة بفريــق خبرائهـا وبالتعاون مـع المديريـة التنفيذيـة لمكافحـة الإرهـاب في عملـها مـع غيرهـا من هيئات الأمم المتحدة المعنية بما فيها منظمة الطيران المدني الدولي، وبالتشاور مع المنظمـات والكيانـات الدوليـة والإقليميـة، بتقيـيم التهديـدات والتحديات، وخاصة مــا يتـصل منها بالإرهـاب، الناجمـة عـن انتـشار كـل الأسـلحة والأعتـدة ذات الـصلة بجميـع أنواعهـا مـن ليبيـا في المنطقة، وخاصة القذائف سطح جـو المحمولـة علـى الظهـر...”.

والملاحظ أن الطلب بقي في حدود استشراف المخاطر في علاقة بأمن قوى التحالف المتدخلة في ليبيا الخائفة من سلاح الجو المحمول. ولم يعد الحديث عن المسألة إلا في 2015 في خضم احتدام الصراع بين الفرقاء الليبيين.

ففي القرار 2214 (2015) المؤرخ في 27 مارس 2015 يدعو مجلس الأمن اللجنة إلى النظر بسرعة في الطلبات لنقل أو توريد الأسلحة إلى الحكومة الليبية من أجل أن تستخدمها قواتها المسلحة الرسمية في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات التي تدين له بالولاء وأنصار الشريعة وسائر الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات المرتبطة بتنظيم القاعدة.

بينما أعرب المجلس في ديباجة القرار 2238 (2015) المؤرخ في 10/9/2015 عن قلقه البالغ إزاء تزايد اتجاه الجماعات الإرهابية في ليبيا إلى إعلان الولاء لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (المعروف أيضا باسم تنظيم داعش)، واستمرار وجود إرهابيين آخرين من المرتبطين بتنظيم القاعدة العاملين هناك، سواء من الجماعات أو الأفراد،… وما يترتب على وجودهم، وأيديولوجيتهم المتطرفة العنيفة، وأعمالهم القاتلة من أثر سلبي على الاستقرار في ليبيا والبلدان المجاورة والمنطقة، وضرورة التصدي، بجميع السبل، وفقا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، بما في ذلك ما ينطبق من أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للاجئين والقانون الإنساني الدولي، للأخطار التي تهدد السلام والأمن الدوليين من جراء الأعمال الإرهابية“.

أما القرار 2292 (2016) المؤرخ في 14 جوان 2016 فقد طالب الأمين العام أن يقدم تقريرا عن التهديد الذي يشكّله في ليبيا والبلدان المجاورة المقاتلون الإرهابيون الأجانب الذين جنّدهم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وتنظيم القاعدة والمرتبطين بهما، أو الذين انضموا إليهم.

قضايا الانتقال الديمقراطي:

اعتمدت القرارات الأممية في تناول الانتقال الديمقراطي عبارات منتقاة تصب في دور الداعم والمرافق لا القائد. وتراوحت تلك العبارات بين الترحيب والتثمين والتوصية والتشديد والتأكيد والمطالبة.ولم نلحظ عبارات إلزامية.

وإذا كان الانتقال الثوري يقوم على الحسم في القديم ويعزله ويقصيه من المشاركة في البناء الجديد، فإن الانتقال الديمقراطي، بما هو عملية سياسية انتقالية بين نظامين: نظام قديم شمولي استبدادي ساقط ونظام جديد ديمقراطي ناشئ، يقوم بالأساس على المصالحة بين القديم والجديد، واستيعاب القديم وتطويعه بتخليصه من شوائب المرحلة السابقة وتحويله من قوة معارضة للثورة إلى قوة مساهمة في البناء الجديد.

وقد تعددت إشارات القرارات الدولية إلى قضايا الانتقال الديمقراطي سواء منها مواضيعه مثل العدالة الانتقالية والحل السياسي والانتخابات وحقوق الإنسان ومشاركة المرأةأو الأطر الحاضنة له مثل المؤتمرات والمبادرات السياسية ودور البعثة الأممية.
لكن الملاحظ هو أن حجم حضور هذه القضايا في القرارات الأممية يتباين من حيث الكثافة. ويمكن التمييز بين ما قبل 2015 وما بعدها.

قبل 2015 نلاحظ محدوديةحضور الانتقال الديمقراطي أو ما يمت له بصلة مباشرة في القرارات الأممية. وهو ما يمكن فهمه من زاويتين: قلة عدد القرارات الأممية (باستثناء سنة 2011)، وتدرج العملية السياسية في مراحلها الأولى بشكل يوحي أنها تسير في المسار المطلوب. وقد اعتبر مقتل القذافي وتحرير طرابلس علامة نهاية النزاع“.

ومن هنا بدأت القرارات اللاحقة للقرار 1973 بالتعرض إلى مسار الانتقال. فقد أكد القرار 2009 (2011)الصادر بتاريخ 16 سبتمبر 2011 بعد أسابيع من دخول قوات الثوار إلى العاصمة طرابلس، على ضرورة أن تتولى الأمم المتحدة قيادة جهود المجتمع الدولي دعماً لعملية الانتقال وإعادة البناء التي تقودها ليبيا والتي تهدف إلى إقامة دولة ديمقراطية مستقلة موحدة في ليبياورحب بجهود المنظمة الدولية والمنظمات الإقليمية الداعمة ومؤتمر باريس (1/9/2011).

وعبر عن تطلعه إلى إنشاء حكومة مؤقتة شاملة وممثِّلة للجميع في ليبيا، وشدد على ضرورة أن تكون الفترة الانتقالية مرتكزة على الالتزام بالديمقراطية والحكم الرشيد وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان“.

كما أكد على أهمية تعزيز مشاركة المرأة والأقليات مشاركة كاملة على قدم المساواة في المناقشات المتعلقة بالعملية السياسية في مرحلة ما بعد انتهاء النزاع“.

ورحب بالبيانات الصادرة عن المجلس الوطني الانتقالي وشجعه على تنفيذ خططه الرامية إلى جملة نقاط من بينها (النقطة ج) “ضمان وجود عملية سياسية تشاورية شاملة بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن وضع دستور وإجراء انتخابات حرة ونزيهة“.
في نفس هذا القرار، أحدثت البعثة الأممية الخاصة بليبيا وأسندت لها جملة مهام من بينها (النقطة ب) “إجراء حوار سياسي يضم الجميع، وتعزيز المصالحة الوطنية، والشروع في عملية وضع الدستور والعملية الانتخابيةو(النقطة د) “تعزيزالعدالة الانتقالية“.

وقد أكد القرار 2016 (2011)الصادر بتاريخ 27/10/2011 إثر مقتل القذافي يوم 20 أكتوبر 2011 وإعلان تحرير ليبيا في 23/10/2011 (الحالة في ليبيا ص 105 – 106) نفس الرغبة في شمولية الحل السياسي للجميع.

ورحب بتحسن الأوضاع والدعوة إلى المسارعة في تشكيل حكومة انتقالية تمثل الجميع، وأكد على ضرورة الالتزام بالديمقراطية والحكم الرشيد وسيادة القانون والمصالحة الوطنية واحترام حقوق الإنسان ومنع الأعمال الانتقامية خارج نطاق القضاء ومسؤولية الحكومة في حماية الأجانب والمهاجرين الأفارقة.

ودعا أعضاء المجلس إلى التعاون مع الحكومة في إنهاء الإفلات من العقاب على انتهاك القانون الدولي.

***

د. عبد الرحمن الهذلي ـ باحث تونسي

_____________

 

 

مواد ذات علاقة