عبد الرزاق مختار

لن يجد المتابع الموضوعي لملف العلاقات الليبية الخارجية صعوبة في توصيف الحالة العامة لهذه العلاقات التي لا تحتاج إلى جهد ولا تحتاج إلى اجتهاد في توصيفها.

فهي حالة أقل ما توصف به أنها لا ترقى إلى مستوى التحديات الكبيرة والخطيرة التي تحيق بالوطن من كل جانب وتعيق كل مساراته الديمقراطية والاقتصادية والتنموية وحتى الاجتماعية. وتستدعي جهوداً مضنية مخلصة استثنائية من جميع مؤسساته في الداخل والخارج.

وهذا يقودنا إلى الحديث عن مكون من أهم مكونات الخارجية وواحد من أهم أدواتها في تحقيق غاياتها وهي :السفارات الليبية التي انتشرت في العالم بداع وبغير داع بمبررات وبغير مبررات والتي بدلاً من أن تكون عضداً وسنداً للبلد في محنتها تحول كثير منها إلى كيانات فاشلة لا تقدم أي دعم على مستوى العلاقات الدولية للقضية الليبية ولا للتحديات التي تواجهها وللتعريف بأبعادها وبخصوصيتها.

هذه السفارات التي تكاثرت بسرعة مكوكية في السنوات العشر الأخيرة وصارت (تكية) للاسترزاق والانتفاع الشخصي وكسب الولاءات و منح المكافآت تحت وقع التهديدات والابتزاز والجهوية والاستقواء.

فلم يعد للمعايير الدبلوماسية والعلمية أي اعتبار عند إصدار التكليفات فتضخمت السفارات بأنصاف المتعلمين وبالجهلة بمن لا رصيد ولا تأهيل ولا علاقة لهم بالعمل الدبلوماسي.

وكما ذكرت صارت السفارات موائد وولائم للباحثين عن التربّح والمكاسب الشخصية يتكالبون عليها وينتزعون المناصب فيها بالقوة وبالتهديد أو في إطار المساومات والمواءمات والمحاصصة البغيضة.

ولم تعد الكفاءة ولا التأهيل ولا الوطنية في كثير من الأحيان هي الفيصل أو المعيار عند اختيار السفراء وأصبح الباب مفتوحاً بالقوة لتولي هذا المنصب الحساس ونعني منصب السفير واجهة البلد في العالم الخارجي ولسان حال الوطن في المحافل الدولية .

كل هذه السلبيات والممارسات الفاسدة هي التي أوصلت واقع السفارات الليبية إلى ما هو عليه الآن من تردٍ وفساد وإخفاق في تقديم أي دعم للبلد على الساحة الدولية.

بل كما ذكرت، صارت هذه السفارات عبئاً لا عوناً وحجر عثرة لا سنداً ولا مددا .أصبحت السفارات عبارة عن تجمعات خارجية يتكدس فيها مئات الموظفي للتكسب والانتفاع واستنزاف العملة الصعبة وكسب المزايا وعقد الصفقات وتحولت معظم السفارات إلى مكاتب سفريات واستقبال حجوزات في الفنادق وعلاج بعض المسؤولين وأسرهم .

إن المبالغ التي تصرف على وزارة الخارجية سنوياً تقدر ب تلاثمائة وخمسين مليون (350)دولارا.

أعداد هائلة من موظفين بدون كفاءات تقلدوا إدارت السفارات البعض منهم لا يتقن حتى اللغة العربية. حالة من التكالب للحصول علي الإيفاد دون مراعاة أية معايير أو الخضوع لأية ضوابط.

سفارات خارج التغطية ليست لها مهام محددة ولا خطة عمل تُسأل عن تطبيقها ولا تقوم بأي دور في توطيد العلاقة بين ليبيا والدولة التي توجد بها السفارة وفتح آفاق جديدة لتلك العلاقات والإسهام في تفعيلها وتطويرها بما يعود بالنفع على ليبيا.

إن قانون السلك الدبلوماسي يحتاج إلى إعادة النظر فيه. وكذلك الملاك الوظيفي يستدعي مراجعة كاملة له وتقييمه وإعادة الاعتبار للمعايير الدبلوماسية المطبقة عند الإيفاد والعمل الخارجي.

إن دولة مثل النرويج.. عدد السكان فيها وانتاج نفطها مثل ليبيا وصندوقها السيادي اكبر صندوق في العالم تصل أصوله الي تريليون وتلاتمائة مليار دولار . عدد مبعوثيها في الخارج أقل كثيراً من أعداد المبعوثين الليبيين المتضخمة.

وللأسف الشديد حتى هذه اللحظة لاتوجد سياسة خارجية مرسومة من الوزارة تلزم السفارات بتنفيذها.

وفي السياق نفسه نتساءل :

هل من المعقول أن ليبيا لا تشارك في القرارات التي يتم إصدارها عن طريق بعثة الأمم المتحدة. أو المشاركة فيما يتم من قرارات تصدر عن مجلس الأمن ؟!

من المفترض أن ليبيا هي من تقود قضيتها السياسية المصيرية وليس العكس أن تهمشها البعثة وتقصيها وتنفرد هي بالملف الليبي .

وهذا يعكس رغبة الأمم المتحدة في إطالة أمد الصراع. والنماذج والسوابق موجودة في قضية فلسطين وأفغانستان وسوريا وفي العراق.

الأمم المتحدة لم يذكر لها أنها تمكنت من حل أية مشكلة عالمية حلاً جذريا . وسبب تغول الأمم المتحدة على الدور الليبي هو ضعف التمثيل الدبلوماسي الليبي.

نعود إلى ملف السفارات والبعثات الليبية في الخارج ونؤكد أنه يحتاج إلى وقفة جادة ومراجعة دقيقة فقد استشرى فيه الفساد وصار عنواناً صريحاً تنضوي تحته كل الممارسات المسيئة التي يرتكبها أشخاص غير مؤهلين ولا أدنى خبرة لهم في العمل الخارجي.

مطلوب من الخارجية الليبية وهي قادرة على ذلك بإذن الله تعالى أن تطهّر هذا الملف الوطني الدقيق والواجهة الليبية أمام العالم مما أصابه من تشويه وانحراف وفساد.

***

عبدالرزاق مختار ـ سفير ليبيا في تركيا سابقا

___________

المصدر: صفحة الكاتب على الواتسآب

مواد ذات علاقة