انخرطت الأمم المتحدة في المسار الانتقالي الليبي منذ انطلاقه. وتمثل القرارات الأممية التي بلغت 36 قرارا مخصصا ليبيا علامة بارزة على هذا الدور. يتناول هذا المقال تلك الترسانة من القرارات في محاولة لتصنيفها من حيث تواترها ومضمونها.

الجزء الثالث

في السنة الموالية صدر القرار 2040 (2012) يوم 12/3/2012. وثمن فيه المجلس التطورات السياسية الإيجابية وأعلن تطلعه لإجراء انتخابات نزيهة وموثوق بها لإقامة جمعية تأسيسية، وأعاد تأكيد الحاجة لفترة انتقالية تقوم على الالتزام بالديمقراطية، والحكم الرشيد، وسيادة القانون، والمصالحة الوطنية، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية لجميع الأفراد في ليبيا.

كما طالب السلط الليبية بتعزيز حقوق الإنسان ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكها. وحث جميع الدول الأعضاء على التعاون بصورة وثيقة مع السلطات الليبية فيما تبذله من جهود للحد من الإفلات من العقاب على هذه الانتهاكات؛ كما أعرب عن قلقه من العمليات الانتقامية وتشجيعه دول الجوار للتعاون مع السلطات الليبية من أجل الاستقرار.
بعد سنة، صدر القرار 2095 (2013) يوم 14/3/2013. وثمن انتخابات 7/7/2012، وإنشاء المؤتمر الوطني العام، ونقل السلطة سلميا من اﻟﻤﺠلس الوطني الانتقالي إلى حكومة الوحدة الوطنية التي شكلت لأول مرة بطرق ديمقراطية.

وأعلن تطلعه إلى أن تتم عملية صياغة الدستور على أساس المشاركة الشاملة، والحاجة إلى الديمقراطية والمصالحة الوطنية واحترام حقوق الإنسان في المرحلة الانتقالية.

ودعا إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وحث جميع الدول الأعضاء على التعاون عن كثب مع الحكومة الليبية للحد من إفلات الجناة من العقاب على هذه الانتهاكات.
بعد سنة أخرى صدر القرار 2144 (2014) بتاريخ 14/3/2014.

وأعرب فيه المجلس عن تطلعه إلى مستقبلٍ لليبيا أساسه المصالحة الوطنية والعدالة واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وشدد على أهمية تشجيع مشاركة جميع شرائح المجتمع الليبي في العملية السياسية على قدم المساواة وبصورة كاملة، بما يشمل النساء والشباب والأقليات.

وأكد على أهمية الاتفاق على الخطوات التالية اللازم اتخاذها فورا لكفالة التحوّل الديمقراطي في ليبيا، والأهمية البالغة التي يتسم بها تنظيمُ انتخابات ذات مصداقية وتنفيذُ عملية لصياغة الدستور تكون شاملة للجميع وشفافة وإجراءُ حوار وطني موحد وشفاف يشارك فيه الجميع.

ورحب بما تبذله بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والممثل الخاص للأمين العام من جهود لتيسير إجراء حوار وطني هادف بقيادة ليبية. ورحب بتنظيم انتخابات هيئة صياغة الدستور في 20 شباط/فبراير 2014، وحث الزعماء السياسيين على إكمال تشكيل الهيئة والعمل مع مجتمعات الأقليات لكفالة تمثيلها على النحو السليم في عملية صياغة الدستور.

ورحب نفس القرار بتنسيق موقف المجتمع الدولي دعما لعملية الانتقال في ليبيا أثناء مؤتمر روما المعقود في 6/3/2014 في إطار متابعة نتائج مؤتمر باريس المعقودفي 12 /2/2013، وأيد إجراءَ حوار وطني في ليبيا في الوقت المناسب يكون موحدا وشاملا للجميع وشفافا، وتنفيذَ عمليةٍ لصياغة الدستور تكون شاملة للجميع وشفافة، وكررالتأكيد على ضرورة إرساء الفترة الانتقالية على أساس الالتزام بالعمليات والمؤسسات الديمقراطية وبالحكم الرشيد وسيادة القانون والمصالحة الوطنية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية لسكان ليبيا كافة.

وفي سياق استعراض مهام البعثة الأممية لليبيا حدد القرار أحد مهامها في (النقطة أ) كفالة التحول الديمقراطي، على سبيل الأولوية القصوى، بوسائل منها تشجيع وتيسير إجراء حوار وطني موحد وشامل للجميع وشفاف وتشجيع وتيسير العمليات الانتخابية الليبية وعملية إعداد وصياغة واعتماد دستور ليبي جديد، وتقديم المشورة الفنية والمساعدة التقنية لتنفيذ كل ذلك، وتشجيع تمكين جميع شرائح المجتمع الليبي وتيسير مشاركتها السياسية، بما يشمل النساء والشباب والأقليات.

وكذلك باستخدام المساعي الحميدة من أجل دعم تحقيق تسوية سياسية ليبية شاملة للجميع والتشجيع على تهيئة المناخ السياسي اللازم لإدماج المقاتلين السابقين في صفوف قوات الأمن الوطني الليبية أو تسريحهم وإعادة إدماجهم في مناحي الحياة المدنية.

الملاحظة الأولى هي هذا التباعد في القرارات المعنية بالانتقال الديمقراطي. أما الثانية فبعد ثلاث سنوات من إسقاط النظام، لا يزال الحديث عن الانتقال يراوح مكانه: التثمين والرغبة في تحقيق انتقال يشمل الجميع.

ما الذي تغير يعد 2014؟
وفي كل الأحوال، لم يتجاوز عدد القرارات الأممية المخصصة للحالة الليبية حتى 2014 أحد عشر (11) قرارا من جملة 36 قرار (أي أقل من الثلث فقط). ولم يكن بعضها على علاقة مباشرة تماما بمسألة الانتقال الديمقراطي مثل القرار 2146 (2014) الموجه لمسألة النفط.

بينما صدر أكثر من ثلثي تلك القرارات بعد 2014بالتوازي مع توتر الأوضاع وتعطل مسار الانتقال الديمقراطي بعد الخلاف حول مخرجات انتخابات مجلس النواب25/6/2014.

فمع الانقسام الحاصل إثر الانتخابات المشار إليها أدركت المنظمة الأممية ضرورة تكثيف تدخلها لتقريب وجهات النظر وإعادة الوضع إلى الحوار بدل السلاح.

وتناولت تلك القرارات مختلف نقاط المرحلة ويمكن أن نشير منها إلى ما يلي:
التأكيد على الحل السياسي وانعدام أي أفق للحل العسكري ودعوة جميع الأطراف الليبية إلى الحوار والدعوة إلى وقف إطلاق النارتركيز ولاية البعثة الأممية على تقديم الدعم إلى العملية السياسية والترتيبات الأمنية عن طريق الوساطة والمساعي الحميدة (2213 (2015)).

أما القرار 2238 (2015) الصادر بتاريخ 10/9/2015 فقد دعا إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار وأكد على الحل السياسي. كما دعا إلى تشكيل حكومة وفاق وطني ووضع ترتيبات أمنية مؤقتة عن طريق الحوار السياسي تتولى الأمم المتحدة تيسيره. وأدان انتشار العنف وانتهاك حقوق الإنسان ودعا الحكومة إلى تعزيزها وحمايتها ومحاسبة منتهكيها.
ومباشرة بعد عقد اتفاق الصخيرات (17/12/2015) عقد مجلس الأمن اجتماعا بتاريخ 23/12/2015 وصدر عنه التقرير 2259 (2015) الذي رحب بتوقيع اتفاق الصخيرات وما انبثق عنه من مؤسسات. وأيد بيان روما (13/12/2015) الذي يدعو إلى دعم حكومة الوفاق الوطني“.

كما حرصت قرارات المجلس على التذكير بمختلف قضايا الانتقال مثل دعوة الأمين العام إلى البحث في طرق ضمان إجراء الانتخابات (2434 (2018)) والترحيب بتقدم البعثة الأممية في وضع استراتيجية سياسية شاملة (2486 (2019))ومؤتمر برلين المنعقد في 19/1/2020 وترشيح ممثلين لعضوية اللجنة العسكرية 5+5 (2510 (2020)).

وتفاعل المجلس مع مخرجاته اللاحقة عندما رحب القرار 2570 (2021)) “بالاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وطنية في 24 /12/2021 على النحو المبين في خارطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي المعقود في تونس العاصمة في نوفمبر 2020، وضرورة وضع الأساس الدستوري للانتخابات وقانون الانتخابات ذي الصلة بحلول 1/7/2021 من أجل إتاحة الوقت الكافي للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات للتحضير للانتخابات وفقا للجدول الزمني المحدد.

كما رحب باتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 23/10/2020 وتشكيل المجلس الرئاسي المؤقت وحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة بصفتها حكومة ليبيا المكلفة بقيادة البلد إلى غاية الانتخابات الوطنية في 24 /12/ 2021، على النحو المبين في خارطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي.

ودعا حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة وبقية المؤسسات ذات الصلة، بما في ذلك مجلس النواب إلى القيام بالأعمال التحضيرية اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وطنية حرة ونزيهة وشاملة للجميع بما في ذلك الترتيبات اللازمة لكفالة المشاركة الكاملة والمتساوية والهادفة للنساء وإشراك الشباب، وإلى توفير التمويل بسرعة للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وأشار إلى أهمية إجراء انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية في انتخاب حكومة تمثيلية موحدة وتعزيز استقلال ليبيا وسيادتها وسلامتها الإقليمية ووحدتها الوطنية.

لم يتوقف اهتمام المنتظم الأممي بالجانب المؤسسي من الانتقال الديمقراطي بل طال الجوانب القيمية ممثلة خاصة في حقوق الإنسان.

فقد شملت القرارات انتهاكات حقوق الإنسان ولكنها ميزت الفئات الضعيفة مثل المرأة والأطفال والمهاجرين.

في ما يتعلق بحقوق الإنسان، طرحت هذه المسألة مباشرة عند اندلاع الثورة وتضمنها القرار 1970 (2011) الذي طالب النظام باحترام حقوق الإنسان علامة على ضرورة الاستجابة لمطالب الليبيين الثائرين في تغيير سياسي يلبي طموحهم إلى الحرية والديمقراطية.

ثم عاد الحديث في القرارات الأممية عن المسألة سنة 2015 (القراران 2213 و2238) في خضم تصاعد المواجهات بين الفرقاء الليبيين وما رافقها من انتهاكات. والطريف أن القرار 2213 (2015) أدرج ضمن هذا السياق حقوق المهاجرين وخاصة الأفارقة، والأطفال والنساء والفئات الضعيفة وما يتعرضون له من اعتقالات تعسفية.

ولا شك أن الأمر على علاقة باحتدام الصراع والأعمال الانتقامية التي رافقتها، فضلا عن ضعف الدولة وانفتاح الباب أمام العصابات والميليشيات لارتكاب الفظاعات في حق هذه الفئات الضعيفة. ولعل ذلك ما يفسر حديث القرار 2238 (2015) عن تهريب المهاجرين والاتجار بالأشخاص انطلاقا من الأراضي الليبية وعبرها” (النقطة 9).
أما حقوق المرأة فإلى جانب الدفاع عنها ضمن حقوق الإنسان عامة وضرورة حمايتها مما تعرضت له من انتهاكات جسيمة مثل الاعتداءات الجنسية، فقد تواترت توصيات مجلس الأمن إلى البعثة الأممية بمراعاة حضورها في توزيع المهام والوظائف [2376 (2017)، 2434 (2018)، 2886 (2019)، 2452 (2020)].

واعتمدت في ذلك عبارة المنظور الجنسانيحيث تضمن القرار 2376 (2017) في نقطته الرابعة دعوة البعثة إلى مراعاة المنظور الجنساني طوال فترة ولايتها بما يضمن مشاركة المرأة تمشيا مع القرار 1325 (2000)”.

وتواصل التذكير في القرارات اللاحقة والمشار إليها سابقا بنفس العبارة. وأكدت على ضرورة تشريك المرأة في المؤسسات السياسية الانتقالية والمستقبلية من خلال تخصيص نسبة من المقاعد في المؤسسات المنتخبة.

خاتمة:
في خلاصة هذا الجرد للقرارات الأممية المخصصة للحالة الليبية منذ اندلاع الثورة، نتبين تفاعلها مع تطورات الوضع وانفعالها به. لكن الأخطر حسب رأينا في كل ذلك هو أن هذه القرارات هي شهادة على محدودية نجاعة التدخل الأممي إن لم نقل فشله في معالجة الوضع الليبي وفرض حل على الفرقاء الليبيين ينهي مرحلة الانتقال الديمقراطي ويوصل البلاد إلى مرحلة الاستقرار.

وهي بذلك علامة على أزمة هذه الإدارة التي تجسمها بعثة الأمم المتحدة، الهيكل الذي أوكلت له الأمم المتحدة الإشراف على ذلك الانتقال.

***

د. عبد الرحمن الهذلي ـ باحث تونسي

_____________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مواد ذات علاقة