لا يزال الصراع على الهوية في القدس حيًّا والمدينة مرشحة لأن تشهد جولات تصعيد في المستقبل، لأن إسرائيل تتجه سياسيًّا بخطى ثابتة إلى أقصى اليمين الذي لا يرى إمكانية للتفاوض مع الفلسطينيين حول مصير القدس، وليس أمام الفلسطينيين إلا الاستمرار في المواجهة.

الجزء الثالث

صراع الهوية والمقدسات

إن هدف إسرائيل من الناحية الجغرافية والديمغرافية في مدينة القدس هو فرض الوجود والهوية اليهودية بالكامل على المدينة، بحيث تصبح هذه المدينة للناظر إليها مدينة يهودية الطابع.

ويمكن القول: إن مركز الفضاء الديني والاجتماعي الذي يبيِّن الرؤية التي تسيطر على المدينة يتلخص في المسجد الأقصى والبلدة القديمة بشكل أساسي، وهنا يمكن القول: إن إسرائيل في الحقيقة فشلت في هذا المسعى حتى هذه اللحظة.

ذلك أن الناظر إلى مدينة القدس من جهة الشرق أول ما يستوقفه مباشرة هو مشهد المسجد الأقصى الذي يسيطر على الفضاء البصري لمدينة القدس بشكل كبير، وبالتالي فإن تغيير هوية القدس من وجهة نظر الاحتلال يستدعي بشكل كبير السيطرة على الفضاء الذي يمثله المسجد الأقصى ومن ثم كنيسة القيامة.

وقد فشلت محاولات الاحتلال لإقحام معالم إسرائيلية يهودية في واجهة المدينة، مثل كنيس الخرابالذي بُني عام 2009، لكي تكسر المشهد العام للمدينة التي تظهر بشكلها الإسلامي والمسيحي بشكل واضح.

ولذلك، فإن غالبية المساعي التي تقوم بها دولة الاحتلال في هذا الصدد تتركز حول المسجد الأقصى سواء من الناحية السياسية أو من الناحية الديمغرافية.

وفيما يتعلق بالناحية الديمغرافية، فإن إسرائيل تسعى إلى كسر الطوق الشعبي العربي الفلسطيني الذي يحيط بالمسجد ويحميه من أي تغييرات جوهرية في بنيته وشكله وهيئته بما ينعكس على الفضاء البصري والروحي والسياسي للمدينة ككلويؤمِّن له بقاء صورته ورمزيته باعتباره واجهة المدينة.

وهذا الأمر يتم فعليًّا من خلال محاولات الاختراق الإسرائيلية لطوق الأحياء العربية في القدس، سواء من خلال البؤر الاستيطانية حول المسجد الأقصى في البلدة القديمة، أو في الأحياء القريبة منها، مثل سلوان وحي الشيخ جراح ورأس العمود وجبل الزيتون وغيرها.

أو بمحاولة كسر الوجود الفلسطيني بالكامل في بعض هذه الأحياء، كما يجري حاليًّا في حي الشيخ جراح الذي يشكِّل حلقة الوصل بين الأحياء الشمالية الكبرى في مدينة القدس مثل العيسوية وشعفاط وبيت حنينا من ناحية، والبلدة القديمة من ناحية أخرى.

وهذا الذي يفسر الإصرار الإسرائيلي منذ سبعينات القرن الماضي على السيطرة على هذا الحي بالذات من بين الأحياء الشمالية في المدينة؛ حيث إن السيطرة عليه تضمن فصل كافة الأحياء الأخرى الشمالية المذكورة أعلاه بالكامل عن المسجد الأقصى الذي يقع في قلب الرؤية التهويدية للمدينة المقدسة“.

ونفس الشيء يمكن قوله عن حي سلوان في الجنوب، والذي يمثل الرابط بين المسجد الأقصى والبلدة القديمة من ناحية، والأحياء الجنوبية الكبرى في القدس كحي الثوري وجبل المكبر وصور باهر، من ناحية أخرى.

إضافة إلى ذلك، فإن المسجد الأقصى نفسه يتعرض إلى عملية تغيير للوضع الراهن باستمرار من خلال الإجراءات الإسرائيلية التي انطلقت منذ عام 1967 أثناء الاحتلال حتى اليوم.

وهذه الإجراءات تتلخص في تغيير الشكل العام للمسجد الأقصى عن طريق الدخول كشريك في إدارة المسجد وبالتالي كشريك كامل في السيادة عليه، وبالتالي كسر السيادة الإسلامية التي تمثلها دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في الأردن.

وتعتبر الاقتحامات المتوالية للمسجد الأقصى أهم أسلحة دولة الاحتلال في فرض واقع جديد فيه، بحيث يتحول الوجود اليهودي داخل المسجد، والذي تشكِّله ما تسمى بجماعات المعبد المتطرفة، إلى وجود طبيعي.

وضمن كل هذه المعطيات، فإن دخول القدس في مواجهة مع سلطة الاحتلال كان على الدوام مسألة وقت؛ حيث شكَّلت الأحداث الأخيرة لحظة الذروة لكل ما سبق من إجراءات إسرائيلية حاولت سلب القدس هويتها وسلب المقدسيين حقهم في الوجود على أرضهم.

ولذلك، كان من الطبيعي أن يدخل المقدسيون في مواجهة مع الاحتلال على عدة صعد اجتماعيًّا وديمغرافيًّا ودينيًّا، وصادف أن اجتمعت هذه العوامل الثلاث في ثورة المقدسيين على محاولة المس بصورتهم الاجتماعية في أحداث 10 رمضان في باب العامود، وثورتهم على محاولات الترحيل والتغيير الديمغرافي في حي الشيخ جراح، وثورتهم على محاولة المس برمزيتهم الدينية في أحداث 28 رمضان في المسجد الأقصى.

ضمن جميع هذه المعطيات، فإن من الطبيعي أن تتجه الأوضاع في مدينة القدس نحو التأزيم، حيث غالبًا ما كانت القدس مركزًا لأزمات كثيرة مع الاحتلال تغذيها مكانة المدينة المقدسة، ولعل أبرز محطات التأزيم تلك في القرن الحالي كانت انتفاضة الأقصى التي انطلقت نهاية عام 2000 من المسجد الأقصى.

على أن العشرية الثانية من القرن الحالي شهدت تحولًا نوعيًّا في طبيعة الحراك في القدس ضد الاحتلال، ويمكن القول: إن ذلك جاء بأثر مما بات يُعرف بالربيع العربي، الذي شهد فيه المقدسيون إمكانية لدى الشعوب العربية لإسقاط أنظمة وتغيير واقع، بغضِّ النظر عن نتائج الثورات المضادةالتي تلت ذلك.

وكما يمكن القول: إن الأوضاع السياسية الصعبة التي يمر بها المقدسيون تعتبر وقودًا للغضب الشعبي العارم في القدس بما يجعله مؤهلًا للتحرك ضد الاحتلال، فإنه يمكن القول: إن أبرز مفجِّر لشرارة التحركات المقدسية ضد الاحتلال كان على الأغلب المسجد الأقصى بما له من مكانة رُوحية.

_________________________

مواد ذات علاقة