لا يزال الصراع على الهوية في القدس حيًّا والمدينة مرشحة لأن تشهد جولات تصعيد في المستقبل، لأن إسرائيل تتجه سياسيًّا بخطى ثابتة إلى أقصى اليمين الذي لا يرى إمكانية للتفاوض مع الفلسطينيين حول مصير القدس، وليس أمام الفلسطينيين إلا الاستمرار في المواجهة.

الجزء الرابع

التطورات الأخيرة وسيناريوهات المستقبل

وإذا رسمنا خريطة عامة للحراك المقدسي في الدفاع عن المسجد الأقصى والثورة على أوضاعه الصعبة في القدس، فإنه يمكن ملاحظة أن الأوضاع السكانية للفلسطينيين في القدس أصبحت في العشرية الثانية من هذا القرن تميل إلى التصعيد الشعبي على شكل هبَّات جماهيرية تحدث على فترات تتراوح ما بين سنة ونصف إلى سنتين تقريبًا بين الهبَّة والأخرى.

بدأ ذلك فعليًّا منذ هبَّة الفتى محمد أبو خضير (الذي قُتل تعذيبًا على أيدي مستوطنين) عام 2014، لتتصاعد في انتفاضة السكاكين بالقدس عام 2015، ثم هبَّة باب الأسباط والبوابات الإلكترونية عام 2017، ثم هبَّة باب الرحمة عام 2019 ، لتصل أخيرًا إلى هبة باب العامود وأحداث 28 رمضان عام 2021.

ولدى دراسة هذا النسق في الحراك الشعبي في القدس فإنه يلاحَظ أنه بدأ فعليًّا يأخذ هذا الشكل المتتالي بعد ضرب عملية الرباط

تلك العملية التي كانت ترعاها عدة مؤسسات تابعة للحركة الإسلامية الشمالية داخل الخط الأخضر، عام 2014، حيث تم إغلاق هذه المؤسسات (التي كانت تعمل على إبطاء التحركات الإسرائيلية في حق المسجد الأقصى وبالتالي الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة ما بين عامي 2003 حتى 2013)؛ ما جعل المسجد مكشوفًا ونقل المسؤولية في الدفاع عنه والتعامل مع الإجراءات الإسرائيلية للأفراد والمجتمع المقدسي مباشرة.

وبالنظر إلى شكل وطبيعة المواجهة التي بدأت في القدس في رمضان عام 2021، فإن الأوضاع في القدس قد تتجه للتصعيد على مدار الشهور القادمة، بما يحوِّل المدينة إلى أزمة حقيقية في قلب إسرائيل.

وفي هذا الصدد يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات يمكن أن تجري ضمنها الأحداث:

ـ تصعيد شعبي متتالٍ يأخذ مسارًا متقاربًا أكثر وأكثف من السنوات الماضية بحيث يؤدي إلى تحويل مدينة القدس بالنسبة للاحتلال إلى مكان غير صالح للبقاء، ويؤدي في النهاية إلى انسحابٍ أحادي الجانب من القسم الشرقي من القدس أو قسم منه، وضمها لمناطق السلطة الفلسطينية، مع بقاء السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن.

بمعنى إعطاء صورة تحررية غير كاملة للمدينة مع إخفاء كافة المظاهر العسكرية الإسرائيلية من الأحياء العربية في المدينة، وقد يترافق هذا الانسحاب مع انسحاب من جغرافية أخرى بشكل يعتمد على نقاط التحدي والاحتكاك مع الاحتلال.

ـ نجاح اليسار الإسرائيلي أو أحزاب الوسط في لجم اليمين المتطرف في سبيل الحفاظ على الوجود الإسرائيلي في القدس، ومن ثم نجاحه في تخفيف الضغط في المدينة.

هذا السيناريو سيؤدي إلى استمرار عملية الاستنزاف والتصعيد ثم التخفيف من الإجراءات بما يطيل الوجود الإسرائيلي في المدينة لعدة سنوات قادمة، مع استمرار حالة الشد والجذب سنويًّا في المدينة ريثما تتوافر ظروف ملائمة لانفجار مواجهة جديدة بحجم أكبر.

ـ احتمال التحول إلى حالة شاملة (انتفاضة) تقلب الأوضاع في كافة مناطق الضفة الغربية، ويبدو هذا الاحتمال أضعف الاحتمالات حاليًّا باعتباره يتطلب قرارًا على مستوى قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية أو تغييرًا في نهج السلطة.

وبين هذه السيناريوهات يبدو السيناريو الأول هو الاحتمال الأقرب للحصول على المدى البعيد؛ إذ قد تتجه الأمور بعد هذا التصعيد للهدوء التدريجي في القدس وبقية المناطق الفلسطينية، ولاسيما غزة.

غير أن دخول المقاومة الفلسطينية على خط المعادلة في القدس سيعني بالضرورة احتمال تجدد المواجهات وتسارعها أكثر في الفترات القادمة بشكل يعكس ثقة الشارع المقدسي بوجود جهة تُسنده في أية مواجهات قادمة، بما يجعل المجتمع الإسرائيلي يفكر جديًّا في كيفية التخلص من الثقل الذي تمثله هذه المدينة بقسمها الشرقي المليء بالمشاكل، مع المحافظة على إمكانية وصول اليهود للمواقع التي يعتبرونها مواقع مقدسة لهم في البلدة القديمة، مع الأخذ بالاعتبار صعوبة عودة الأوضاع إلى ما قبل 28 رمضان عام 2021 في القدس ومختلف المناطق الفلسطينية.

وهذا السيناريو يمكن ترجيحه مع استمرار اليمين الإسرائيلي في الحكم؛ حيث لا يُرجَّح في الوقت الحالي نجاح اليسار الإسرائيلي أو أحزاب الوسط في السيطرة على مقاليد القرار في إسرائيل تبعًا للمزاج الشعبي العام في إسرائيل الذي يميل لليمين باستمرار.

كما أن خيار التغيير في قيادة السلطة الفلسطينية بما يغيِّر طبيعتها ونهجها، لا يعتبر حاليًّا خيارًا مرجحًا على المدى القريب، وإن كان ممكنًا على المدى البعيد مع تصاعد الأحداث مستقبلًا في القدس.

خاتمة

يبدو أن الأمور في القدس ستكون بعيدة عن الهدوء في الفترة القادمة؛ حيث مثَّلت الأحداث الحالية حالة شعبية استطاع فيها الشعب الفلسطيني تغيير المعادلات والانطلاق إلى أفق العمل المتكامل بين مناطق وجوده المختلفة مع اتخاذ القدس مركزًا لعملية المواجهة.

وهذا يعني أن ما حدث في المواجهة الأخيرة سيعيد وضع القدس في صدارة القضايا المطروحة على الطاولة سياسيًّا، ولعل هذا سيكون محركًا لإعادة القدس على طاولة المفاوضات ومحاولة تخفيف الاحتقان فيها.

والثابت في كل ذلك أن خطة إزاحة القدس عن الطاولةالتي ردَّدتها إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، ضمن خطة جاريد كوشنر للسلام أصبحت من الماضي.

***

د. عبد الله معروف عمر: أستاذ دراسات بيت المقدس، أستاذ التاريخ الإسلامي المساعد في جامعة 29 مايو في إسطنبول. حاصل على درجة الدكتوراه في دراسات بيت المقدس من جامعة أبردين بالمملكة المتحدة، عمل أستاذًا في عدة جامعات منها جامعة مالايا في كوالالمبور وجامعة طيبة بالمدينة المنورة، كما عمل سابقًا مسؤولًا للإعلام والعلاقات العامة في باب الرحمة بالمسجد الأقصى.

______________

مركز الجزيرة للدراسات

مواد ذات علاقة