علي عبداللطيف اللافي

بناء على غيابها الإقليمي لمدة سنوات وفي ظل تهميشها في ملفات البلد الجار أظهرت الجزائر خلال الأسابيع الماضية نواياها في استباق القوى الإقليمية المهتمة بالشأن الليبي، وعدم تفويت فرصة الحضور في مشهد البلد المجاور.

الجزء الأول

لقد حدث خلال السنوات الماضية أن وجدت نفسها مهمشة عن أزمة بلد تتقاسم معه نحو ألف كلم من الحدود البرية، وذلك عبر إطلاق قنوات تعاون دبلوماسي واقتصادي بمناسبة زيارة أولى لرئيس الحكومة الليبية للجزائر.

ولكن ما هي طبيعة الخطوات التكتيكية الجزائرية وضمن أي استراتيجيا خاصة بعد غياب عن التأثير الإقليمي لمدة أكثر من سبع سنوات وفي ظل وضع داخلي متغير ومتطور وفي ظل مشهد سياسي قابل لإعادة التشكل على ضوء نتائج انتخابات نهاية الأسبوع الحالي (12 جوان/يونيو) والتي يرتقب فيها المتابعين تصدر المستقلين والإسلاميين؟

وما هي خلفيات وأبعاد وخلفيات العودة بقوة للساحة الليبية بل تعقيداتها؟

خلفيات وأبعاد عودة الجزائرللساحة الليبية

أولا، يمكن الجزم أنه تم خلال السنتين الماضيتين وتحديدا بعد انتخابات الرئاسة في 11 ديسمبر 2019، قد تم فعليا إعادة هيكلة وتحديث لمُؤسَّسات الرئاسة الجزائرية في تقابل مع بقية القوى الرئيسية على غرار الأجهزة الأمنية والعسكرية.

ولكن الفارق كبير في علاقة السلطة الجزائرية من حيث ترتيب مؤسساتها مع القوى الدولية والإقليمية، ولكن المؤكد أن هناك تحول كبير في اتجاه دعم أكثر للعلاقة والشراكة مع الأمريكيين والايطاليين في نفس الوقت الذي أخذت العلاقات مع تركيا خلال المدة الماضية منحى أقرب للاستراتيجي مقابل تراجع ملحوظ في العلاقات مع الدول الخليجية (الامارات قطرالسعودية).

ثانيا، لا يختلف اثنان حول عودة الدبلوماسية الجزائرية بقوة لفاعليتها وديناميكيتها منذ أسابيع وخاصة بعد تعافي المؤسسات المتداخلة في العمل الدبلوماسي والقنصلي وخيوط تواصلها الخارجي من حيث التأثير، كما أن حضور الجزائر في المنظمات الدولية والإقليمية هو في حالة عودة متدرجة إلى سابق عهده من حيث الحضور القوي كمّيا وكيفيا بما في ذلك في المجالين الثقافي والرياضي.

ثالثا، طبعالن تتخلَّص الجزائر بسهولة من مؤثرات من تراجع حضور دبلوماسيتها حيث نزلت فاعليتها الى الحد الأدنى من قوتها الضاربة حتى أنها خسرت المبادرة والحضور بين سنتي 2014 و2020 – باستثناء مساحات قليلة والتي بقيت خطا أحمرا بالنسبة للجزائريين (تونسالغرب الليبي).

ومعلوم أنه سبق للجزائريين أن بنوا منذ 2012 عبر تحيين للاستراتيجيات القديمة، استراتيجيتهم على أن الغرب الليبي وتونس هما العمق الاستراتيجي الأدنى بل وتم اعتبار أن أي تغييب للإسلاميين المعتدلين في تونس وليبيا من موقع التأثير ومن المشاركة في الحكم سيترتب عليه الاضرار باستقرار الجزائر استراتيجيا.

رابعا، تؤكد التقييميات أن ذلك الغياب عن ساحات مهمة سابقا للجزائريين، كان خطأ قاتلا سواء على المستوى التكتيكي أو على المستوى الاستراتيجي، إضافة الى تحقيق المغرب (البلد الشقيق تاريخيا والخصم سياسيا للجزائر)، الأسبقية في الملف المَالي (أي مالي).

حتى أن قوى إقليمية ودولية اقتربت فعليا من الرؤية المغربية في ملف الصحراء المغربية والبوليساريو (وهو من أعقد الملفات وأكثرها حساسية في العلاقات بين البلدين)، حيث تراجع الأداء الجزائر في ذلك الملف خاصة منذ منتصف سنة 2020 حتى نهاية فيفري الماضي.

خامسا، كُلما سبق ساهم فعليا في غياب الجزائر عن جوهر ترتيبات مستقبل البلد الجار أي ليبيا والتي وجدت الدبلوماسية الجزائرية تلعب فيه أدوارا هامشية (احتضنت سنة 2015 لقاءات الأحزاب والمجتمع المدني) بينما تم تغييبها أو حضورها البرتوكولي في مؤتمرات دولية عدة على غرار “باريس2″ و”باليرمو” و”برلين1″.

ومقابل ذلك استطاعت المملكة المغربية تدعيم فاعليتها وحضورها في الساحة الليبية والمسك بناصية الملف الأكثر تعقيدا في المنطقة المغاربية على غرار احتضانها مؤتمر الصخيرات سنة 2015 – وهو المؤتمر الذي أصبح مرجعا رئيسيا لترتيبات الملف الليبيكما احتضنت سنتي 2020 و2021 لقاءات بوزنيقة في أكثر من مناسبة وآخرها وسط الأسبوع الماضي.

سادسا، عودة الفاعلية تجسدت منذ بداية سنة 2021 عبر الاتجاه للساحتين المالية والليبية، خاصة وأن هناك تقييم أولي بفشل تحقيق تواجد للجزائر في مربعات تحديد مستقبل الحل السياسي في ليبيا على الأقل خلال السنوات الأربع الماضية.

بل وتمت المطالبة فعليا في أروقة الحكم بتغييرات عدة وهي تغييرات اكتسبت طابعا استراتيجيا ولوجستيا، ولعل حضور الجزائريين القوي في مداولات وأشغال برلمان عموم افريقيا بين 22 مايو و4 يونيو مثال دال ومعبر وممهد لامتلاك ناصية ملفات افريقية ومغاربية عدة ومن بينها أجزاء رئيسية ليبية عدة.

سابعا، قراءة التحركات الجزائرية الأخيرة ورصد التطورات، يؤكدان أن هناك إصرار من الجزائريين في أن يكون الملفين التونسي والليبي على رأس الاهتمامات في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية بدرجة أولى وضرورة تقديم مُساعدات مباشرة كل ما ارتبط الأمر بملفات حارقة ومؤثرة على الأوضاع السياسية والاقتصادية المُباشرة في البلدين.

ومن الواضح أن هُناك قلق جزائري واضح ولا غُبار عليه بخصوص جوانب عدة من الملف الليبي وتؤكد المصادر ان الخط الأحمر بالنسبة للجزائريين هو المس من استقرار جاريها بأيّ شكل من الاشكال خاصة أن الرُؤية الجزائرية بهذا الشأن هي أقرب للرؤية الألمانية والأمريكية والإيطالية (وجزء من الإدارة الفرنسية)، وهي رؤية تقوم على أن ابعاد مرتقب للإسلاميين في البلدين بدون اللجوء لصندوق الاقتراع أمر غير مجد وغير محبذ.

***

علي عبداللطيف اللافي كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

____________

المغاربي للدراسات والتحاليل

مواد ذات علاقة