ولكن هل تستطيعان ذلك؟

بينما تتزايد الآمال بإمكانية تحقيق تسوية حقيقية في ليبيا، صعدت إلى الصدارة قضية إخراج مرتزقة فاغنر الروس من ليبيا التي بدت تلقى اهتماماً كبيراً من الإدارة الأمريكية والأوروبيين، فيما مازالت مواقف اللواء المتقاعد خليفة حفتر تجاه التسوية مازالت غامضة.

الجزء الثاني

مؤتمر برلين جديد

وتستند الولايات المتحدة إلى مخرجات مؤتمر برلينفي 19 يناير/كانون الثاني 2020 الذي لم يحقق وقف الحرب، لكنه وضع أسسا ومبادئ للخروج من الأزمة بتوافق الأطراف المحلية على نزع سلاح المجموعات شبه العسكرية وإخراج جميع القوات الأجنبية والتحضير للانتخابات المقبلة.

وتعتزم ألمانيا بالتنسيق مع الأمم المتحدة عقد مؤتمر برلين 2″ بمشاركة دول ومنظمات في 23 من الشهر الجاري، لمناقشة الاستعدادات للانتخابات الوطنية المقرر إجراؤها في 24 ديسمبر/كانون الأول المقبل، والتأكيد على انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، على النحو المتفق عليه في اتفاقية وقف إطلاق النار.

بالإضافة إلى ذلك، سيناقش المشاركون في المؤتمر ما يتعلق بتوحيد المؤسسات الليبية، الأمنية والعسكرية، وفق بيان لوزارة الخارجية الألمانية اعتبرت فيه أن المؤتمر هو تعبير عن الدعم الدولي المستمر لتحقيق الاستقرار في ليبيا، حيث لا يزال المجتمع الدولي على استعداد لمواصلة دعمه الوثيق والبناء لعملية السلام، التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا“.

ورغم أنها كان من المفترض أن تغادر ليبيا في فبراير/شباط 2021 الماضي، تستمر قوات مرتزقة فاغنرالروسية، التي يُقدَّر قوامها بـ2000 فرد، بالانتشار والعمل المستمرين عبر شرق وجنوب ليبيا وتدعمها طائرات مقاتلة أرسلتها روسيا.

ولا يبدو أن موسكو لديها الرغبة حتى اللحظة في إخراج مرتزقة فاغنر الروس من ليبيا، أو التخلي عن بلد لديه أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا

وفي شهر مارس/آذار وصل وفد صغير من المراقبين الأمميين إلى مدينة سرت الليبية (وسط) الأمر الذي بعث بمؤشرات إلى إمكانية إرسال قوات حفظ سلام أممية لمنطقة وقف إطلاق النار بين سرت والجفرة. لكن ذلك مرتبط أساساً بانسحاب مرتزقة شركة فاغنرالروسية من المنطقة.

وأفادت تقارير بأن مرتزقة فاغنر عادوا إلى سرت بعد أن كانوا قد خرجوا منها.

وكان مجلس الأمن قد منح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مهلة 45 يوماًانتهت في 19 مارس/آذار الماضيلتقديم تقريره بشأن إرسال فريق أممي لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار بين القوات الحكومية الشرعية وميليشيات خليفة حفتر، على خطوط التماس بين سرت (450 كلم شرق طرابلس) والجفرة (300 كلم جنوب سرت).

 وعقدت في نهاية شهر أبريل/نيسان 2021، جلسة مغلقة لمجلس الأمن بطلب قدمته الدول الإفريقية الأعضاء في مجلس الأمن (كينيا والنيجر وتونس)، وقال دبلوماسيون إن عدد المرتزقة الأجانب في ليبيا يقدر بأكثر من عشرين ألفاً بينهم 13 ألف سوري و11 ألف سوداني“. وقد طلبت السلطات الليبية الجديدة رحيلهم، ومنذ أشهر طلبت الأمم المتحدة والقوى العظمى ذلك.

وصرحت مصادر عدة لوكالة فرانس برس بأنه لم يتطرق أحد خلال الاجتماع إلى بداية انسحاب هؤلاء المسلحين الذين يمثل انتشارهم تهديداً جديداً لجيوش المنطقة التي يعاني معظمها من نقص في المعدات والتدريب.

وأكد مصدران دبلوماسيان أن الدول الـ15 الأعضاء في مجلس الأمن ربطت بشكل مباشر بين وجود المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا والاضطرابات  في تشاد التي أدت إلى مقتل رئيس البلاد

 وقال دبلوماسي إن كينيا طالبت بتوسيع تفويض البعثة السياسية للأمم المتحدة في ليبيا ليشمل مراقبة الحدود الجنوبية للبلاد، لكنها فكرة يصعب تحقيقها وستؤدي إلى تبدل أبعاد المهمة. وكان مجلس الأمن الدولي أضاف مؤخراً إلى مهمة الأمم المتحدة وحدة لمراقبة وقف إطلاق النار تتألف من ستين شخصاً. لكن هذه الصيغة غير كافية إطلاقاً للإشراف على انسحاب المرتزقة وتنظيم تسريح للمجموعات المسلحة ونزع أسلحتها.

وأوضحت مصادر دبلوماسية لفرانس برس أن الاجتماع شهد نقاشات حادة بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن الإشارة إلى مجموعة فاغنر المعروفة بأنها قريبة من موسكو والتي أكد مصدر أمريكي تورطها في الهجوم الأخير للمتمردين التشاديين.

وفي مؤتمر صحفي عقد قبل الاجتماع، نفى نائب السفير الروسي لدى الأمم المتحدة ديمتري بوليانسكي الاتهامات. وقال: “إنه فعلاً سيناريو هوليوودي رائع. لا علاقة له بالواقع. ليست هناك حقائق بل شائعات فقط“.

حفتر يواصل الاستعراض

إلى جانب ملف المرتزقة، فإن حفتر الذي يعاني من الضعف وتراجع الدعم الداخلي والخارجي له بعد فشله في السيطرة على طرابلس، يحاول تحسين صورته أمام الليبيين عبر إعلانه دعمه لعملية السلام والانتقال الديمقراطي في ليبيا، أو تقديم الوعود بتحسين المستوى المعيشي وبناء وحدات سكنية لليبيين، أو عبر استعراض القوة في إقامة استعراضات عسكرية لقواته، ومنها الاستعراض الأخير الذي سقطت فيه إحدى الطائرات المقاتلة وقتل قائدها.

ولا يزال موقفه غامضاً من حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، ما دفع بعض المحللين إلى التعبير عن مخاوفهم من تقويض المسار السلمي في البلاد.

وخلال الاستعراض العسكري في 29 مايو/أيار الماضي، قال حفتر إن قواته لن تتردد في خوض المعارك من جديد لفرض السلام بالقوة في حال تمت عرقلته بالتسوية السلمية المتفق عليها“.

وعلى ما يبدو فإن القوى والأطراف الدولية والإقليمية الداعمة لحفتر ليست مهتمة بدعم الحكومة المؤقتة في مهمة إجراء الانتخابات التشريعية بقدر اهتمامها بتنفيذ سياساتها في الداخل الليبي وتأمين مصالحها الحيوية، الأمنية والاقتصادية.

وتدعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الانتخابات القادمة بشكل رسمي ومعلن.

هل يستطيع الأمريكيون والأوروبيون إخراج مرتزقة فاغنر؟

ومن المهم لدول الاتحاد الأوروبي، رغم تباين مواقف بعض دوله، إرساء أسس السلام والاستقرار في ليبيا للسيطرة على الهجرة غير المشروعة والتهديدات الإرهابية المحتملة، بالإضافة إلى مساهماتها في ملف إعادة الإعمار والاستثمار في القطاعات الإنتاجية المختلفة، مثل قطاع الطاقة.

ولكن رغم التحركات الأوروبية والأمريكية في ملف ليبيا، فإنه من الواضح أنه ليس هناك خطط واضحة للتعامل مع ملف مرتزقة فاغنر، خاصة أن روسيا بمنتهى البساطة تنفي علاقتهم بها، كما أنه من الواضح أنهم خرجوا عن سيطرة حفتر، الذي بدوره يبحث عن دور في ظل تجاهل القاهرة له.

وسبق أن قالت صحيفة التايمز البريطانية إن مرتزقة فاغنر أصبحوا هم السادة، وقد ينتهي الأمر بحفتر خادماً للقوات الروسية في ليبيا، حسب الصحيفة.

قالت صحيفة التايمز البريطانية إنه من المحتمل أن ينتهي الأمر بالجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر خادماًلمرتزقة شركة فاغنر الروسية، وأوضحت أن مرتزقة فاغنر لم يعودوا يتظاهرون بالعمل لدى حفتر وجيشه الوطني الليبي، بل إن كبار ضباطه يرغبون في إزاحته.

كما أضافت أن مرتزقة فاغنر، الذين لا يأخذون أوامرهم إلا من وزارة الدفاع الروسية والكرملين، هم من يتولون زمام الأمور.

وقال دبلوماسي غربي: “هناك انزعاج واضح بين كبار ضباط قوات حفتر المسماة (الجيش الوطني الليبي) من احتمال فقدان الليبيين السيطرة بالكامل على عملية صنع القرار. فقد أصبح المرتزقة هم السادة“.

من جانبها، تضغط الولايات المتحدة، تحت إدارة بايدن، على الإمارات العربية المتحدة، التي يقول البنتاغون إنها تمول مرتزقة فاغنر، لقطع هذا التمويل.

فقد تمتع الزعيم الإماراتي الفعلي محمد بن زايد بعلاقة خاصة مع دونالد ترامب، لكنها أغضبت المسؤولين الأمريكيين. وفي سبتمبر/أيلول 2019، قتلت غارة تركية بطائرة مُسيَّرة على قاعدة للقوات التابعة لخليفة حفتر ما لا يقل عن ثلاثة ضباط إماراتيين يعملون في تشغيل منظومة صواريخ بانتسير روسية الصنع، وفقاً لثلاثة مسؤولين غربيين وقائدين ليبيين.

بينما قال مسؤولان إن الإمارات ردت بمحاولة نقل إحدى بطاريات صواريخ باتريوت الأمريكية الصنع إلى ليبيا، في خطوة لاقت انتقاداً لاذعاً من الولايات المتحدة؛ إذ إن نشر الصواريخ الأمريكية هناك ينتهك اتفاقية التصدير وربما يمنح روسيا إمكانية الوصول إلى النظام الأمريكي.

ومن الواضح أن روسيا هي الخاسر الأكبر من العملية السياسية في ليبيا، فمصر والإمارات لديهما علاقات بحفتر حتى لو تدهورت قليلاً في الحالة المصرية، كما أن القاهرة لديها علاقات وثيقة مع مكونات الشرق الليبي الأخرى مثل عقيلة صالح، إضافة إلى أنها انفتحت على الغرب الليبي، وتركيا لديها علاقات وثيقة بالغرب الليبي سواء بالإسلاميين أو غيرهم.

ويعني هذا أن أي عملية تسوية سياسية ستؤدي إلى تقاسم السلطة بين حلفاء القاهرة وأنقرة، وبصورة أقل الإمارات، بينما الروس ليس لديهم حليف وثيق الصلة حتى لو كانت علاقتهم بحفتر وعقيلة صالح جيدة.

ولكن بينهم الأتراك لديهم حافز لسحب المقاتلين السوريين، لأن عملية التسوية ستؤدي إلى دور لحلفائهم، فإن الأمر مختلف بالنسبة للروس، الذين تمثل فاغنر أداتهم الرئيسية، وبالتالي لا يتوقع أن يقبلوا طوعاً الانسحاب من ليبيا.

ولكن هل تمتلك إدارة بايدن الإرادة والقوة للضغط على بوتين بهدف إخراج مرتزقة فاغنر الروس من ليبيا؟ هذا السؤال الذي سيحدد مصير البلاد.

______________

مواد ذات علاقة