علي عبداللطيف اللافي

بناء على غيابها الإقليمي لمدة سنوات وفي ظل تهميشها في ملفات البلد الجار أظهرت الجزائر خلال الأسابيع الماضية نواياها في استباق القوى الإقليمية المهتمة بالشأن الليبي، وعدم تفويت فرصة الحضور في مشهد البلد المجاور.

الجزء الثاني

حيثيات الخطوات الجزائرية الأخيرة في الملف الليبي

أولا، قطعت الجزائر خطوات عدة مهمة بناء على تقييم سلبي لأدائها في ليبيا بين سنتي 2016 و2020، بل قامت دبلوماسيتها بزيارات مكوكية وتواصلت مع كل الأطراف الليبية قبل أن تقترب من الرؤيتين التركية والأمريكية في جوانب عدة من الملف الليبي.

ثم في مرحلة ثانية وطّدت علاقاتها بحكومة الوحدة الوطنية عبر تحركات أقرب للصامتة ولكنها متسارعة، ومن هناك جاءت دعوة رئيس الحكومة الليبي “عبد الحميد دبيبة” لزيارة الجزائر وعقد الملتقى الاقتصادي بين البلدين

ثانيا، خلال الزيارة قام الوفد الليبي الهام الذي رافق رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية “عبدالحميد الدبيبة” للجزائر بشرح طبيعة الرهان الذي يرفعه البلدان لبعث تعاون مكثف بينهما، خاصة بعد التطورات التي عرفها المشهد الليبي منذ 5 فبراير الماضي.

فضلا عن الوفد الاقتصادي المشارك في المنتدى الاقتصادي المشترك بين البلدين في العاصمة الجزائرية، حيث حضر العديد من المسؤولين الساميين في الحكومة الليبية، على غرار وزراء الخارجية والداخلية والتجارة، مما يجسد رغبة الطرفين في دفع العلاقات المشلولة طيلة سنوات الأزمة في ليبيا.

ثالثا، شكّل التوصل إلى اتفاق بين الحكومتين لفتح المعبر الحدودي “الدبداب” المشترك، وفتح خط بحري لنقل البضائع، إلى جانب مشاورات أخرى تتصل بمساعدة الجزائر لليبيا في تكوين وتدريب قوى حفظ الأمن العام، أولى نتائج الزيارة التي دامت يومين.

وكان وزير الخارجية “صبري بوقادوم” قد أكد أن “الدبلوماسية الجزائرية لم تدخر جهدا، وتحركت بكل ما تملك من رصيد وقوة تأثير على الصعيدين الإقليمي والدولي لإعادة ليبيا إلى مكانتها ضمن المغرب العربي، أفريقيا والأمم”.

بل أن “أبو قادوم” أضاف في كلمته الافتتاحية للمنتدى الاقتصادي الجزائري الليبي “إن الجزائريين ينزلون ليبيا ولأسباب شتى منزلة خاصة، فكيف لنا أن ننسى ما قدمه الشعب الليبي الشقيق من دعم مادي ومعنوي للثورة الجزائرية المجيدة، وكيف لنا ألا نستحضر في هذا المقام بكل فخر واعتزاز معركتي (إيسين) في 3 أكتوبر 1957 و25 سبتمبر 1958 اللتين اختلط فيهما الدم الليبي بالدم الجزائري، في أسمى صور التضحية وأرقى معاني الإيمان بالمصير المشترك للشعبين”.

رابعا، وزيرالخارجية الجزائري تابع مؤكدا “لم يكن ممكنا للجزائر وأختها الشقيقة ليبيا تمر بمحنتها الكبيرة أن تقف موضع المتفرج، فلبت نداء الأخوة وواجب الجيرة وتحركت الدبلوماسية الجزائرية بكل ما تملك من رصيد وقوة تأثير على الصعيدين الإقليمي والدولي لكي ترجع ليبيا إلى مكانتها ضمن المغرب العربي، أفريقيا والأمم”.

ولفت أيضا إلى أن بلاده “بادرت حين غفل البعض واستصعب البعض الآخر الأمر، إلى استقبال كافة الفرقاء الليبيين على اختلاف مشاربهم للتقريب بينهم وللبحث عن حلول توافقية يضعها الليبيون أنفسهم بما يبعد بلادهم عن الأطماع والتدخلات الأجنبية المتربصة بخيراتها وبمقدرات شعبها، وواكبت في الوقت ذاته ودعمت كافة المساعي والمبادرات الدولية الجادة والمخلصة الرامية لوقف الفتنة في ليبيا، بما في ذلك مسار برلين وتوقيع الاتفاق السياسي الليبي تحت الرعاية الأممية”.

خامسا، كماجدد أبو قادوم”دعم الجزائر الكامل لجهود السلطات الليبية، مجسدة في المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة لإعادة الاستقرار السياسي والأمني بليبيا، وتحقيق المصالحة الوطنية وتوحيد مؤسسات الدولة وتقويتها، تمهيدا لإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة تصون سلامة ووحدة التراب الليبي وتضع ليبيا على سكة إعادة الإعمار والازدهار والنمو”.

كما أكد على أن هذا المنتدى الاقتصادي الجزائري الليبي الهام يمثل بما يصبو إليه من إرساء لأسس شراكة اقتصادية حقيقية وشاملة بين البلدين شكلا آخر لا يقل أهمية عن الدعم السياسي والأمني الذي تقدمه الجزائر إلى جارتها وشقيقتها ليبيا.

وأن طموح الجزائر في الشراكة الاقتصادية المنشودة مع ليبيا أكبر من أن يقتصر على الرفع من المبادلات التجارية، وإنما يتعداه إلى تشجيع تدفق الاستثمارات المباشرة المتبادلة وإنشاء الشركات المختلطة والاشتراك في رأس مال المؤسسات وغير ذلك من الآليات الكفيلة بالاستغلال الأمثل لفرص التعاون الكبيرة بين البلدين.

سادسا، يُمكن القول والتأكيد أن الجزائر قد عادت لتستثمر فيما تسميه بـ”الوقوف على مسافة متساوية بين جميع الأطراف المتصارعة”، واستعدادها لاستقبال جميع الفاعلين من أجل الوصول إلى بلورة حل سياسي للأزمة برعاية المجتمع الدولي، بعيدا عن التدخل العسكري الذي كانت تطالب به بعض الدول المؤثرة.

بل أن بوقادوم قد ترجم استراتيجية بلاده لإقامة علاقات استراتيجية مع ليبيا باتخاذ قرارات وتدابير كفيلة بتوفير الإطار المؤسساتي والقانوني بما يمكن المبادرين الاقتصاديين ورجال الأعمال الجزائريين والليبيين من إطلاق مشاريع تعاون وشراكات ترتقي إلى مستوى المؤهلات التي يتمتع بها اقتصاد البلدين.

سابعا، يُمكن التأكيد أن الجانب الجزائري بصدد المرور للسرعة القصوى للعودة لامتلاك مفاتيح الملفات المغاربية الحارقة وعلى راسها الملف الليبي بكل تعقيداته وسيناريوهاته المستقبلية وهي تكتيكيا الآن بصدد وضع آخر الترتيبات اللوجستية والتقنية بالتنسيق مع الجانب الليبي.

عمليا يعكف الجانبان الجزائري والليبي كما أكدت ذلك الوقائع والترتيبات على استكمال المحادثات النهائية لإعادة فتح الخط البحري الرابط بين طرابلس والجزائر العاصمة للاستغلال في مجال نقل السلع والبضائع.

طبيعة المشهد السياسي الجزائري المقبل وعلاقته بتطورات الملف الليبي والعلاقة بين البلدين

1- في أفق نهاية السنة الحالية وبداية سنة 2022 وقبل ذلك أثناء مناقشة ميزانية نفس السنة ورغم تراجع أسعار البترول والذي ستكون له مؤثرات كبرى على اقتصاد واستقرار الجزائر (الوضع مريح للجزائر في صورة 135 دولار للبرميل الواحد ولكن الوضع سيكون أسوأ كثيرا وكارثيا في صورة نزوله تحت 65 دولارا)، سيكون الوضع في الجزائر جيّد نسبيا (أي من المُمكن التحكم فيه بغض النظر على وضع اجتماعي مهزوز ووضع سياسي في حالة تحول وتطور مُهمين) …

2- لا يُمكن البَتَّة تغييب تأثيرات التطورات في الإقليم، ذلك أن مُؤثراتها الاستراتيجية على الجزائر قد تكون كارثية ولكنها بالتوجهات الحالية لإدارة “بايدن” وبتطور العلاقات مع تركيا وأيضا بتباين المصريين على الاماراتيين ستكون الأمور أفضل للجزائريين وخاصة في ظل فاعلية دبلوماسيتهم، ومن ثم تبين حضورهم وفاعليتهم في تفاصيل وأبجديات ورسم متقبل الملف الليبي.

3- من خلال تصريحات تبون لصحيفة “ليبوان” الفرنسية، يمكن تبين أن الساسة الجزائريين همهم على وعي ان بلدهم هدف لاستراتيجيات أطراف دولية وإقليمية عدة على غرار الاماراتيين والإسرائيليين وجزء من الإدارة الفرنسية.

وهو ما يفرض عليهم رسم استراتيجية للاستفادة من قوة العلاقات مع الصينيين والروس صناعيا وعسكريا وتجاريا ومن اقتراب السلطات الحالية من الاتراك والأمريكيين والالمان والايطاليين ومن تمرسهم السابق في الساحة الافريقية الاستراتيجية وهي أن دول المغرب العربي تحلّ ملفاتها بينها ولا دخل للآخرين في ترتيبات حلول مشاكلها او الخلافات بينها أو أي مس من أمن تلك الدول

4الحضور القوي إقليميا وفي ليبيا بالذات يتطلب حل الاشكال الاجتماع في الداخل الجزائري خاصة وان هذا الاشكال الأخير مرتبط عمليا كما سالفنا ذلك أعلاه بسعر البترول وأيضا بقدرة الدولة على الخروج من مربع الارتباط به خاصة وأن بعض الأحزاب المقاطعة للانتخابات التشريعية ستبقى قادرة نسبيا على توظيف نسبي للمسألة الاجتماعية وفقا للتطورات الاقتصادية في البلد ووفقا لطبيعة المشهد السياسي خلال الأشهر القادمة.

وبناء على تطورات الإقليم (التشاد – ليبيا – النيجر ) وهو ما يعني العلاقة الجدلية بين الساحات الداخلية لدول الساحل والصحراء وطبيعة إدارة بعضها لعلاقاتها الخارجية ودورها في تلك الملفات وعلى رأسها الملف الليبي.

5من الصعب أن تسمح الجزائر مستقبلا لأي طرف بتهميشها في الملف الليبي بل هي ستعتبر نفسها معنية بكل تفاصيله وابجدياته ورغم أن دبلوماسيتها اكتسبت خلال الأسبوعين الماضيين أسبقية مهمة في الفعل تجاه الملف الأهم مغاربيا ورغم عودة فاعليتها ونجاعتها إقليميا.

الا أن الملف الليبي نفسه هو حمال أوجه من حيث التأثير فيها والتأثر باستتباعاته على قضايا الداخل لأي دولة تتعاطى معه وهو ملف يتطلب عدم الخلط بين التكتيكي والاستراتيجي وطول النفس والفاعلية وفهم مفرداته ومؤثراته التاريخية والآنية والمستقبلية…

***

علي عبداللطيف اللافي كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

____________

المغاربي للدراسات والتحاليل

مواد ذات علاقة