علي عبداللطيف اللافي

في عالم ينبني وقائم موضوعيا على التكتلات والصراع على مناطق النفوذ الاستراتيجية، تعيش البلدان المغاربية علاقات مضطربة فيما بينها وخاصة في ظل تواصل الخلاف الجزائري/المغربي منذ سنة 1994 (ومضاف اليه تنامي الخلافات حول موضوع الصحراء وغيره من الملفات).

الجزء الأول

رغم أن كلفة “ألَّا مغرب” عالية جدا على مستقبل الشعوب المغاربية وعلى اقتصاديات تلك البلدان وسط ظروف عالمية صعبة مناخيا وصحيا وسياسيا وخاصة في ظل توغل دولي واقليمي في القارة السمراء وإمكانية اشتعال صراعات مستقبلا بناء على ذلك التوغل، وكل ذلك يطرح أسئلة مهمة ورئيسية حول آفاق ومستقبل العلاقات المغاربية/المغاربية في أفق نهاية السنة الحالية وهي أسئلة سنحاول الإجابة عليها في جزئي دراسة الحال.

واقع علاقات كل بلد على حده مع بقية الدول المغاربية

أولا، الثابت ان كُلفة “ألَّا مغرب” والذي أكدته وأثبتته نتائج وملخصات الدراسات الأكاديمية والميدانية بل ودعَّمته طبيعة الأرقام والمُعطيات المتداولة – وهي مؤشرات تنذر بالخطر الجسيموهو أمر من المنتظر والمرتقب أن تكون مؤثراته وترتباته غير مسبوقة على مستقبل الفكرة المغاربية أولا،وعلى مستقبل شعوب المنطقة واقتصاديات بلدانها ثانيا.

خاصة في ظل تقلبات جيوسياسية غير طبيعية ذلك أنها تقلبات متطورة دراماتيكيا وخاصة في ظل وجود مخططات شيطانية للأذرع الإقليمية وخاصة تلك المرتبطة بنفوذ قوى دولية طامحة للعودة الى مربعات استعمار البلدان ومن ثم تغييب أي وجود فعلي وحقيقي لمجتمع دولي – وهو ما أكدته المبعوثة الأممية السابقة في ليبيا “ستيفاني وليامز” في آخر تصريحاتها حول قراءتها للوضع السياسي الليبي قبل مؤتمر الحوار في جنيف في فيفري الماضي.

ثانيا، تبدو البلدان المغاربية وكأنها فعليا تفتقد لمعالم سياسات واضحة بينها أو هي لا تكتسب كبلدان أيُّ استراتيجيات مرسومة لتطوير العلاقات بين بعضها البعض، حيث يسُود الارتجال والعقلية التفاعلية مع الوقائع اليومية وتحكم سياساتها المغاربية دبلوماسيا آليات تتبع الوقائع ومجاراة اليومي ومنطق رد الفعل وغلبة سياسة “فسخ وعاود.

هذا المنطق يتبع عند مقدم كل وزير جديد أو أي حكومة جديدة هي بصدد استلام المهام – بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي في أي من البلدان الخمس– (ملكية دستورية في “المغرب” ونظام رئاسي في “موريتانيا” و”الجزائر” ونظام برلماني معدل في كل من “تونس” و”ليبيا”رغم أن هذه الأخيرة مازالت ضمن مرحلة انتقالية لا يعرف أي آفاق لها لحد الآن-).

ثالثا، اذا ما بحثنا عن تشخيص راهن العلاقات المغاربية/المغاربية بشكل عام واجمالي فيمكن القول أنها علاقات هشة ومرحلية من حيث رسمها والتخطيط لها بل هي لا تستند الى أي بناء استراتيجي مهيكل مؤسساتيا ولا الى أي تخطيط مرحلي ودوري في قراءة التطورات سياسيا.

بل هي غائبة حتى في ضرورة ترك المسألتين الاقتصادية والاجتماعية للبعد الاستراتيجي في رسم ملامح مستقبل أي بلد مغاربي ضمن أفق وحدوية، والكارثة أن الاتحاد المغاربي وكما هو معلوم أقدم كفكرة وكحلم راود أبطال النضال الوطني، قبل تكتلي “الاتحاد الأوروبي” و”مجلس التعاون الخليجي” كمثالين بغض النظر عن تقييم التكتلين الاقليميين ومدى صمودهما المستقبلي أيضا وليس غريبا ان يعرفا نفس مصير الاتحاد المغاربي المعطل فعليا منذ 1994 تماما بالنسبة لمؤسسة الرئاسة ومن حيث شبه شلل تام لبقية هياكله.

رابعا، إذا ما ذهبنا الى التشخيص التفصيلي بخصوص كل بلد وراهن علاقاته المغاربية فانه يُمكن القول بشأن كل بلد ما يلي:

تونس، أربك تنامي الضغوط التي تمارسها الثورات المضادة في الإقليم من أجل اسقاط تجربة الانتقال الديمقراطي، راسمي السياسات الخارجية في البلد ومضاف اليها أيضا تراكم المؤثرات الداخلية وخاصة في ظل عجز النخبة على تحقيق كل أهداف ثورة الحرية والكرامة ومن ثم عجز تلك النخب على استكمال مهامه ثورة 17 ديسمبر2010/14 يناير 2011.

أصبح ذلك مُحبطا لرجل الشارع وأيضا للفاعل السياسي (وخاصة الدبلوماسي بالذات)، حيث أعاقت المنظومة القديمة عبر باروناتها ولوبياتها ووظيفييها، الدبلوماسية التونسية في بعد فعلها المغاربي وحولتها الى مربع شُبه الشلل وجعلتها محصورة في كلاسيكيات التعاون الثنائي وخاصة مع “المغرب” و”موريتانيا”.

وهي اليوم أقرب للاعتيادية والارتجالية مع الجزائر على مستوى الفعل والانجاز أما مع ليبيا فلم تتماهى فاعلية الحكومات المتعاقبة مع طموحات الشعبين ومثلت بعض خطوات حكومة 2014 التي قادها ممثل الليبرالية المتوحشة “مهدي جمعة” انتكاسة كبرى ولم يتم تجاوزها الى حد الآن الا بصعوبة رغم براغماتية الرئيس الراحل “الباجي قائد السبسي” وحضوره الذهني الوقاد دبلوماسيا (الازمة الخليجيةالملف الليبي…).

إضافة الى استفادته من فاعلية العلاقات القوية والممتدة لرئيس حركة النهضة “راشد الغنوشي”،ورغم أن الخطوات والاتفاقيات والفاعليات الأخيرة قد أعادت الأمل في تكامل البلدين في كل المجالات وتحول كل منهما عمقا استراتيجيا للآخر عبر الفعل والممارسة وليس عبر الخطابات النظرية.

، الا أن مربعات ومستشاري الرئيس “سعيد” قد أربكوا بوعي أو دون وعي فاعلية تونس مغاربيا وخاصة في الملف الليبي بالذات وهو أمر تم في أكثر من مناسبة (عدم تعيين مبعوث خاص أثناء حقبات الازمة – التأخير في تعيين سفير في البداية ثم لاحقا في فتح السفارةكارثية طرح فكرة دستور تعده القبائل – استقبال شخصيات لا حضور لها ليبيا على غرار المحامي “خالد لغويل” ومن لف لفه – عدم القطع الكامل مع الاصطفاف الإقليمي في الملفعدم تعيين قنصل في بنغازي الى حد الآن – عدم تعيين ممثليات تجارية وأخرى قنصلية في “زوارة” و”سبها” و”مصراتة”).

ومع ذلك يجب الإشارة الى أهمية المبادرة والأسبقية التي قام بها الرئيس في زيارة ليبيا في مارس الماضي واستقباله لرئيس المجلس الرئاسي خلال الأيام الماضية كما أن زيارة الوفد الحكومي رفيع المستوى يومي 23 و24 مايو الماضي كانت غير مسبوقة واستراتيجية وحملت الكثير إضافة الى الدعم الرسمي لتنظيم ملتقيات مشتركة (جربة يومي 27 و28 مايو الماضي) وأيضا عزم البعض من مكونات المجتمع المدني والسياسي على تنظيم ودعم أخرى .

يتبع في الجزء التالي

***

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

____________________________

المغاربي للدراسات والتحاليل

مواد ذات علاقة