يتداخل في ليبيا العامل السياسي تداخلا مباشرا مع العامل الاقتصادي، فلا استقرار يضمن اجراء انتخابات نزيهة ومعترف بها، دون ضمان نمو اقتصادي يدعم الاستقرار ويضمن تدفق رؤوس الاموال والاستثمار.

الجزء الثاني

ثانيا: التحدي الاقتصادي

أعلى المستوى المتوسطي:

تتالي الزيارات الاقتصادية بين ليبيا ودول الجوار الافريقي والمتوسطي، في أقل من شهر زار المنفي والدبيبة أربع دول إفريقية وثلاثة في حوض المتوسط، وهو مايعكس الحاجة الى تثبيت الاستقرار السياسي من خلال انفتاح اقتصادي لإعادة الاعمار والرفع من حجم التبادل التجاري وترجمة ذلك الى واقع وآمال الشعب في إعادة الروابط الاجتماعية والاقتصادية، نحو اندماج تنموي واقتصادي واستعادة ليبيا لمكانتها بعد شبه عزلة تامة بحكم الحرب.

وعليه فان بداية عودة الجسم الليبي والإنفراج سيمثل بداية الانفتاح وسيبرز الضرورة للسلام والتعاون نحو اكتمال اقتصادي في ظل ظروف دولية تغيرت لتحقيق وتخدم ذلك التغير خاصة بعد التقارب بين دول الاقليم.

كثرت الزيارات المسؤولين الليبين إلى دول إيطاليا وفرنسا وألمانيا، وهي الدول المتصارعة منذ سنوات على النفوذ الليبي وذلك من خلال احتضانها مؤتمرات للحوار، وتسعى بعد وقف اطلاق النار الى نيل حصتها من الكعكة الليبية وهي لا تنظر إلى ليبيا إلا ضمن مصالحها.

بل إن مفوض الاتحاد الأوروبي لسياسة الجوار ومفاوضات التوسع قالها صراحة من طرابلس صحبة وزيرة خارجية ليبيا وايطاليا ومالطا، بأن الأوروبيين يسعون العام الجاري الى تنفيذ أجندة وصفها بالطموحةلإعادة العلاقات مع الجيران على ضفاف البحر المتوسط، في إشارة مكشوفة إلى ليبيا.

بالتعاون مع تونس:

لاريب أن تونس شريك اقتصادي كبير للشقيقة ليبيا فهي الأول مغاربيا، والثاني بعد الاتحاد الأوروبي والخامس دوليا، بعد فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا)، يُعول عليه في القيام بدورها المهم بإعادة الإعمار في ليبيا.

ومن يريد أن يسأل عن العلاقات التونسية الليبية، فسله عن علاقة بين شعب في دوليتن ؟! اختصر فقط القول: ماتستحقه ليبيا من تونس غير متوفر في ليبيا، وما تستحقه تونس من ليبيا غير متوفر في تونس، وهذا هو التكامل الاقتصادي الذي يدوم، ناهيك عن علاقات المصاهرة والتاريخ فلا مجال للفصل بين مصالح البلدين مهما تعثرت بحكم عوامل سياسية ظرفية، وعودة المياه إلى مجاريها خير مثال.

ففي أكبر حدث اقتصادي من حيث الحضور وغير مسبوق لرجال أعمال تونسيين، افتتح رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي رفقة وفد حكومي رفيع المستوى، في زيارته المهمة إلى العاصمة الليبية طرابلس المعرض الاقتصادي التونسي الليبي المشترك بغاية الاستفادة من الإمكانيات الهائلة للسوق الليبي وتطوير مشاريع الشراكة والاستثمار نحو تكامل اقتصادي حقيقي بين البلدين، تصدر فيه تونس سلع غذائية وخدمات بترولية وصناعية ومواد بناء وقطع غيار وملابس ونسيج، بينما تدخل المشتقات البترولية وبعض المنتوجات الغذائية ومفروشات والكترونيات وبعض أنواع التنظيف.

ويمكن ملاحظة أهمية ذلك المعرض من خلال عدد المشاركين التونسيين الذي فاق الألف رجل أعمال من مختلف الاختصاصات، الذين تحركوا جوا عبر ثلاث رحلات وبرا من خلال المنافذ الحدودية، وهذا من شأنه أن يدشن النشاط الجديد في عودة العلاقات الفعلية وينهي مع فترة الركود الاقتصادي الذي أصاب تونس بمناطقها الحدودية عقب سبع سنوات.

حدث ذلك مع بداية عدوان حفتر ثم ترسخت في الصيف قبل الماضي مع اعلان حفتر عدوانه على طرابلس، ثم تجذرت الأزمة الصيف الماضي مع ظهور وباء كورونا عقبه قرار إغلاق الحدود بين البلدين بشكل غير مسبوق.

كما يجري العمل منذ أشهر على انتظام نقل بحري سياحي وتجاري جديد تربط مدن تونسية وليبية، نحو اعتماد خطوط جديدة مع محطة مصراتة البحرية الجديدة التي استكمل انجازها هذه السنة لنقل الحاويات وتزويد السوق الليبي بالمواد الغذائية وتطوير الصادرات التونسية، بربطها بموانئ صفاقس وحلق الواد، بل هناك انتظارات أيضا لربطها بميناء جرجيس.

كما يحدو الأمل المشترك لفتح خطوط بحرية أيضا لنقل المسافرين والسيّارات بنسق ثلاث رحلات في الأسبوع الواحد، وهذا مؤكد في تصريحات رسمية في اجتماعات الرئيس التنفيذي لمجلس التعاون الاقتصادي الليبي التونسي.

هذا بالاضافة إلى برمجة إبحار باخرة سياحية من تونس نحو القطر الليبي ثم مالطا، تركيا ومصر.

كل ذلك جاء نتيجة الرغبة الفعلية الملحة والحاجة إلى استعادة مجموعة من رجال الاعمال الليبيين والتونسيين للعمل على تطوير العلاقات التجارية وإحداث المشاريع الاستثمارية المشتركة، رافقه نشاط مكثف وجدّي من طرف مجلس التعاون الاقتصادي ما يؤكد جدّية العلاقة التاريخية والاجتماعية بعيدا عن التعاطي الديبلوماسي الذي شاب العلاقات إبان الثورات وارتدادات الثورة المضادة.

من هنا وجب استعادة السيولة الحركية السابقة خاصة في المعابر ولم لا يفتح معبر ثالث في ولاية تطاوين عبر مشهد صالح تيجي وهو الثاني بها بعد معبر ذهيبة وازن والثالث راس جدير بولاية مدنين، مع إزالة الحواجز البيروقراطية مثل الطوابير الطويلة التي ترهق كاهل المواطنين فضلا عن مراجعة وتحيين الأسماء المتشابهة بين البلدين مما يحدث إرباكا وفوضى سواء في أزمات العبور الجوي والبري أو حتى البحري أو لدى المطلوبين أمنيا، نظرا لحساسية الجانب الأمني المهم في حفظ سلامة البلدين وحسن تبادل المعلومة.

كل ذلك لابد أن يتضافر مع دعم وتسهيلات إدارية، تقول وزارة النقل انها قد اعتمدتها خاصة السنوات الفارطة لكن لم تفعل كما يجب، خلال إغلاق المنافذ البرية وتعويضها برحلات بحرية بين صفاقس وطرابلس لتزيودها بالمواد الغذائية والخضروات، مما سيطوّر العلاقات التجاريّة البينية وتنفيذ المشاريع الاستثمارية التي ستوفر موارد شغل عن طريق فتح وظائف وتشغيل وخلق مواطن عمل في المناطق الحدودية وهو ما أثاره رئيس الحكومة ورؤساء المنظمات النقابية التي رافتقه خلال الزيارة إلى ليبيا.

وذلك حتما سينعكس على تسريع دوران عجلة الاستثمار عن طريق تذليل الصعوبات أمام المبادلات التجارية والسياحية وتسهيل حركة المسافرين والبضائع.

وبلغة الأرقام سيحسّن ذلك من حجم التبادل التجاري مع طرابلس الذي تطور خلال شهر مارس المنقضي حسب أرقام جهات رسمية إلى مائة وخمسين بالمائة مقارنة بالشهر الذي سبقه.

لقاء رجال الأعمال المشترك الذي انتظم بجربة آخر الشهر المنقضي، كان مناسبة بدوره وفرصة لتنمية الأعمال بين تونسيين ونظرائهم الليبيين الذين قدموا من مختلف الجهات (طرابلس مصراتة زليتن الزاوية زوارة بنغازي وطبرق) إضافة إلى ممثلي البلديات المعنية، وممثلي المؤسسات العامة الداعمة للاستثمار والتصدير، فضلا عن ممثلي البنوك المركزية ووزراء وبرلمانيون وسفراء الدول الراعية وكذلك المنظمات المهنية.

وكانت كل تلك المناسبات خير إطار لبحث سبل ترويج الصادرات وتسليط الأضواء على فرص الأعمال والاستثمار في البلدين، من خلال منصات عرض للمنتجات والخدمات.

إلى جانب تناول مجال المقاولات والعقارات و مواد البناء ومجال الصحة والسلامة والكهرباء وهي مجالات لاشك أن ليبيا في حاجة لها في مجال اعادة بناء ما دمرته الحرب وقد بدأت بعض المشاريع في العمل في ليبيا مثل شركات الأشغال والجسور والتعبيد.

هذا فضلا عن مجال المواد الغذائية وتكنولوجيا الاتصال والخدمات وبعض الصناعات الأخرى، فمنها من انتصب في مدن ليبية ومنها من في طور الإحاطة ومرافقة الأعمال.

وعمليا ستنطلق عدة مشاريع تونسية في ليبيا والعكس، بعد إبرام اثنتي عشرة صفقة في رسالة طمئنة وتجاوب بأن ليبيا وتونس قد دخلا مرحلة النشاط الاقتصادي الفعلي وخاصة على المستوى السياسي الذي يجب أن يواكب ويبارك المسار الاقتصادي فلا نجاح للتنمية دون استقرار سياسي، مما سيفتح باب استعادة الحركية التجارية لحجمها الضروري.

خاتمة:

يتداخل العامل السياسي تداخلا مباشرا مع العامل الاقتصادي، فلا استقرار يضمن اجراء انتخابات نزيهة ومعترف بها، دون ضمان نمو اقتصادي يدعم الاستقرار ويضمن تدفق رؤوس الاموال والاستثمار، وتتجه ليبيا حاليا لتكون ورشة حقيقية للاصلاح والاعمار مع دول الجوار.

وتونس تعد أول شريك على المستوى المغاربي والعربي والخامسة على المستوى الدولي (بعد فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا)، حيث ستعمل على عودة تدفق موادها الغذائية وخدماتها البترولية والصناعية ومواد البناء وقطع الغيار والملابس..إلى سالف مستواها.

ذلك ما سينعكس تناغما سياسيا، سيشجع على الاستقرار في المنطقة عموما خاصة وأن الحراك الاقتصادي يجري على قدم وساق مع مصر والجزائر وتركيا وإيطاليا وفرنسا أخيرا، في انتظار مؤتمر برلين 2 نهاية هذا الشهر لمزيد تثبيت الاستقرار.

***

مختار غميض (صحفي تونسي)

____________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مواد ذات علاقة