رباب حدادة

محاولات علاج القضية الليبية اقتضى تقسيم الملف إلى مسارات متعددة تسير بالتوازي وتفك عقدها واحدة تلك الأخرى وتتباين أهمية كل مسار حسب تغيّر الوضع في الدولة فإن بقي المسار الأمني والعسكري تحت الضوء في السنة الماضية إلا أن إرساء سلطة سياسية أصبح ضرورة قصوى فتركزت كل الجهود في ترميم مسار الدستوري منذ 2011 إلا أنه كلما اكتمل تحطّم.

حل عقد أزمة سياسية تبلغ من العمر قرنا بدا يأخذ ملامحه فعليا في مشاورات الغردقة المصرية من خلال جولات مفاوضات متعددة، ففي سبتمبر 2020 تم وضع الأسس لتأمين المقرات الجديدة للحكومة والمجلس الأعلى كما تم النقاش حول توحيد المؤسسة العسكرية غير أن المفاوضات لم تكن ناجحة فعليا بما أن كل الأطراف يشوبها الشك والخوف من التخلي عن نفوذها العسكري ميدانيا في سبيل سلطة قوة موحدة ومشتركة.

تواصلت المشاورات حول المسائل الدستورية في جولة ثانية في مدينة الغردقة بين 18 و 20 يناير 2021، وقد أشرفت عليه اللجنة الدستورية التي يشكلها وفدي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة (10+10) إلى جانب حضور رئيس المفوضية العليا عماد السايح.

أهم النقاط المتفق عليها في هذه المشاورات هي إجراء استفتاء دستوري والإلتزام بتطبيق نتائجه من أجل التنظيم للانتخابات وحسب نعيمة الحامي عضو اللجنة الدستورية اللجنة اتفقت مبدئيا على إجراء استفتاء على مشروع الدستور عبر الأقاليم الثلاث شرط حصوله على 50%+1.

كما وافق المتحاورون على القيام بالاستفتاء بناءً على المادة رقم (6) وثق بيان البعثة الصادر في 20 يناير 2021 وأكد البيان على التزام جميع الأطراف بإجراء الانتخابات وفق تواريخها المضبوطة في خارطة الطريق المتفق عليها.

تبع هذه المشاورات مفاوضات جنيف الأخيرة التي انتهت بتصويت مجموعة الـ 75 في 5 فبراير 2021 على قائمة للسلطة التنفيذية التي ستسيّر البلاد في فترة انتقالية ضمت القائمة محمد المنفي رئيسا للمجلس الرئاسي، موسى الكوني وعبدالله حسين اللافي عضوين في المجلس، وعبدالحميد دبيبة رئيسا لمجلس الوزراء.

ستعمل هذه السلطة على تمهيد الأرضية لانتخابات ديسمبر 2021 التي لم تم الاتفاق على إجرائها في ملتقى الحوار الليبي في تونس في نوفمبر 2020.

إقرار الاستفتاء كان إطارا عاما وأتت هذه المشاورات الثالثة في الغردقة من يوم 9 إلى 11 فبراير لإرساء الخطوط اللازمة لإجراء الاستفتاء منها تحديد المواعيد النهائية خاصة مع ضرورة تشكيل الحكومة قبل ذلك.

وتظل مسألة الاستفتاء محل جدل خاصة بوجود المادة 6 من مسودة الدستور التي تربط شرعية الدستور بمروره على استفتاء شعبي لنيل الثقة بأغلبية الثلثين، هذا النزاع قديم لكنه متجدد تم إقرار هذا الفصل في 2018 ثم تعديله بالقانون رقم 1 لسنة 2019.

تضمين هذه المادة لن يمنح الحكومة فيما بعد إمكانية إجراء الاستفتاء من عدمه بل ستصبح شرعيته وشرعية كل السلط المنبثقة عنه رهن الاستفتاء الشعبي.

في المقابل عدم إدراج المادة 6 سيمنح هامشا من الحرية لاتخاذ القرار حسب الظرفية والزمن ومع إمكانية أن ينال الدستور شرعيته من انبثاقه من سلطة تأسيسية أصلية دون لزوم إجراء الاستفتاء خاصة في الظروف الأمنية والانقسام السياسي الذي تعيشه البلاد.

هذه المراحل الدستورية لإرساء سلطة تنفيذية وتشريعية دائمة في ديسمبر القادم يبدو شبه مستحيل بما أن مفوضية الانتخابات تحتاج حسب تقديرها إلى 7 أشهر على أقل تقدير للتنظيم للاستفتاء وفي صورة عدم موافقة الشعب على مشروع الدستور الذي أعدته الهيئة التأسيسية ستتضاعف هذه الآجال. أما رئيس الحكومة فآجال تشكيلة لحكومته الجديدة تقرر كأجل نهائي لها 19 مارس.

أولا: أزمة نيل الثقة

حصول حكومة دبيبة على ثقة البرلمان يقف في مهب عاصفة انقسامات السلطة التشريعية حيث عقد اجتماعات برلمانية في 15 فبراير في كل من الشرق والغرب وذلك يعكس العجز عن مصالحة واقعية توحد صفوف 198 ناب، فمجموعة الغرب ترفض عقيلة صالح وأجمع 77 عضوا في البرلمان الانضمام إلى اجتماع سرت والتصويت على منح الثقة للحكومة الجديدة ما لم يقع اختيار رئيس لمجلس النواب ويترأس جلسة سرت.

في مقابل هذا الشق نجد تكتل آخر من النواب بعدد 88 نائب أغلبهم من برلمان الشرق أكد استعداده للالتحاق بالجلسة ومنح الثقة لحكومة دبيبة وهو عدد كاف لتنال السلطة التنفيذية الجديدة الشرعية اللازمة وتستأنف مهامها خاصة بنجاح دبيبة تحقيق التفاهم مع كل من حفتر وعقيلة صالح.

عدم الوصول إلى اتفاق وإلغاء الاجتماع أمر وارد بالرغم من تأكيد اللجنة العسكرية المشتركة جاهزية المدينة أمنيا لاحتضان الاجتماع التشريعي وذلك سيؤدي إلى تعطيل المسار كاملا منذ الخطوة الأولى.

أمام خطر عدم نيل الشرعية بدا دبيبة يتصعيد نبرة الخطاب وأكد لجوءه إلى منتدى الحوار السياسي لنيل الثقة في صورة عدم وصول السلطة التشريعية من الوقوف في صف واحد في سرت.

حكومة دبيبة تقف في موقف قوة بما أنها تمثل تقاطع لمصالح أطراف عديدة مؤثرة في الملف الليبي منها الأطراف الخارجية مثل مصر والولايات المتحدة الأمريكية التي أكد سفيرها بليبيا ريتشارد نورلاند على أهمية منح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية.

أما الأطراف الداخلية فنجد عقيلة صالح أهم جهة متحركة سياسية لإرساء شرعية الحكومة الجديدة لأن ذلك يعني مباشرة بقاءه على رأس مجلي النواب الليبي وضمان وجوده السياسي في مرحلة حرجة.

أمام صمت للقيادات القديمة المتخاصمة مثل حفتر والسراج والذي صمتها ليس قبولا وإنما استهلكت كل قواها وأوراقها في الميدان. انتهاء الأدوار السياسية لهذه الشخصيات ستفسح المجال لظهور أطراف جديدة قد يكون لها اليد العليا في الفترة القادمة في ليبيا إذا ما تم تجاوز العقبات الدستورية في المرحلة الانتقالية.

ثانيا: أزمة الاستفتاء

الاستفتاء على الدستور الذي توصلت إليه الهيئة التأسيسية الليبية المشتركة أحد أهم نقاط الاختلاف الحالي خاصة أمام ضيق الوقت للقيام باستفتاء وتنظيم انتخابات في الوقت ذاته وكذلك الاختلاف على بعض الفصول، في المقابل تعددت المقترحات لتجاوز هذا المنعرج.

تم التوصل في لقاء الغردقة الأخيرة إلى الاتفاق حول قاعدة دستورية بالمرور مباشرة للانتخابات الرئاسية والتشريعية في صورة تعذر القيام باستفتاء.

لكن الاستفتاء تتمسك به البعثة الأممية المتمثلة في المبعوث الأممي الجديد يان كوبيتش الذي يرفض كل الحلول البديلة وأكد مؤخرا تمسك البعثة بالاستفتاء وإجراء انتخابات ديسمبر في الآجال رافضا اقتراح الهيئة التأسيسية التي طالبت بالقيام بالاستفتاء في تاريخ 24 ديسمبر باعتباره من الآجال الدستورية الذي تم الاتفاق عليها والقيام بالانتخابات مباشرة فور إكمال الاستفتاء.

ثالثا: أهم السيناريوهات

اختلطت القوانين بالمصالح السياسية في مسار دستوري تأزم من جديد بعد أن علقت عليه العديد من الآمال لعلاج الدولة فإلى أين يتوجه هذا المسار؟

السيناريو الأول

نجاح المسار الانتقالي من خلال تشكيل الحكومة وإرساء استفتاء يفتح المجال إلى المجال إلى تنظيم انتخابات ديسمبر 2012 وخروج الدولة من أزمة تجاوزت العقد.

السيناريو الثاني

تواصل الانشقاق بين تكتلات مجلس النواب وعدم الوصول إلى جلسة مشتركة تمنح فيها الحكومة الثقة في هذه الحالة سيعود رئيس الحكومة إلى ملتقى الحوار السياسي لكن ذلك سيزيد الأمور تعقيدا خاصة أمام اهتزاز الثقة في أعضاء المنتدى نتيجة ما نشرته تقارير أممية عن الرشاوي والتحالفات الخفية التي وقعت في ملتقى الحوار في تونس، وذلك سيؤدى بحكومة دبيبة إلى طريق مسدود ومفاوضات لا متناهية نعيد إلى الأذهان المرحلة الانتقالية مع حكومة السراج.

السيناريو الثالث

حصول حكومة الوحدة الوطنية على ثقة مجلس النواب واستئناف العمل بكل مشروعية لتنظيم الاستفتاء والانتخابات في هذه الحالة سيظل التساؤل المطروح حول واقعية تنفيذ كل هذه الالتزامات الدستورية في وقت ضيق دون أن ننسى ما ظل عالقا من ملفات كتوحيد الجيش وإخراج المرتزقة وتوحيد المؤسسات التشريعية والمالية وحتى المصادفة على مشروع المالية سيحدث اختلافا سياسيا كبيرا. في هذه الحالة ستدخل الحكومة الانتقالية في متاهة جديدة زمن الخروج لن يكون معلوما.

***

رباب حدادة ـ باحثة في المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية

____________

مواد ذات علاقة