ليبيا تقترب من إخراج المرتزقة الأجانب من أراضيها، لولا أن ذلك لن يحدث بين عشية وضحاها .

خلال مؤتمر برلين الذي انعقد قبل أيام – وهو المؤتمر الثاني التي تستضيفه العاصمة الألمانية في محاولة لإنهاء الصراع طويل الأمد في ليبيا – أشاد ممثلو الليبيين والقوى الدولية بالتقدُّم الذي حدث على صعيد طرد المقاتلين الأجانب من البلاد، قبل الانتخابات الوطنية المقرر انعقادها في 24 ديسمبر (كانون الأول).

وقال  القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، جوي هود: «لا يمكننا التلويح بعصا سحرية؛ فيتحقق ذلك.

ولكن بالعمل مع الشعب الليبي؛ أعتقد أن هناك فرصة قوية لأن نتمكن من تهيئة الظروف لتوفير الحوافز التي تدفع هذه القوات للرحيل. لكن بصراحة، لا توجد منظمة أو هيئة أكثر قدرة على تحقيق هذا الهدف من حكومة ليبية قوية وموحدة يختارها شعبها».

وأوضح هود – في إفادة إعلامية عقب المؤتمر – أن هذا هو ما يجعل إجراء الانتخابات أمرًا بالغ الأهمية. ولا غروَ؛ إذ تقدر الأمم المتحدة أن 20 ألف مقاتل ومرتزق أجنبي لا يزالون في ليبيا؛ وهو وجود يُنظر إليه على أنه تهديد للعملية الانتقالية التي تحظى باعتراف الأمم المتحدة، وصولًا إلى إجراء الانتخابات.

التنافس بين الإمارات وتركيا في ليبيا.. ما موقف إدارة بايدن؟

يعزو التقرير جزءًا كبيرًا من التدخل الأجنبي في ليبيا إلى التنافس الإقليمي بين حليفين للولايات المتحدة، هما: الإمارات العربية المتحدة وتركيا. وبينما تنقل الأخبار القليل عن إجراء حوار أمريكي مع أنقرة وأبو ظبي بشأن الملف الليبي، يقول هود إن هذا التكتم كان مقصودًا.

يضيف هود: «لقد أجرينا مناقشات في هاتين العاصمتين وأماكن أخرى. لكني أعتقد أن الاختلاف بين هذه الإدارة (الأمريكية) وربما الإدارات السابقة، هو أن إدارة بايدن قررت إدارة الدبلوماسية بطريقة هادئة للغاية.

وبالتالي، يُستَبعَد رؤية اجتماعات معلنة أمام الجمهور، ناهيك عن التفاصيل الدقيقة؛ لأننا نعتقد أنه يمكننا تحقيق المزيد من التقدم من خلال إجراء محادثات هادئة مع شركائنا، ثم الاتفاق مع أكبر عدد من الحلفاء على موقف موحد. لهذا السبب أعتقد أننا رأينا الكثير من الإنجاز في محاولة لتوحيد المواقف بشأن مجموعات واضحة جدًّا من النقاط».

يلفت التقرير إلى أن هود حضر مؤتمر برلين2 في 23 يونيو (حزيران) مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين، بينما لم ترسل إدارة ترامب ممثلًا رفيع المستوى إلى مؤتمر برلين1 في يناير (كانون الثاني) 2020، والذي حضره رؤساء تركيا وروسيا وفرنسا.

احترام إرادة الشعب الليبي

دعا وزير الدولة، خليفة شاهين المرر، رئيس وفد دولة الإمارات في المحادثات، إلى «الالتزام بالعملية السياسية، وتوفير كافة عوامل إنجاحها؛ من أجل تحقيق أمن المؤسسات الليبية واستقرارها ووحدتها؛ لتحقيق تطلعات الشعب الليبي إلى مستقبل أكثر ازدهارًا ».

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية: إن تركيا وروسيا، اللتين تدعمان الطرفين المتصارعين في ليبيا، توصلتا إلى تفاهم مبدئي للعمل على تحقيق هدف سحب 300 مرتزق سوري من على جانبي الصراع، وهو قرارٌ لم يؤكده هود.

بل اكتفى بالقول: «نعتقد أن الأطراف الأجنبية من كافة الأطياف يجب أن تحترم رغبة الليبيين في إعادة ترسيخ سيادتهم، من خلال احترام شروط اتفاق وقف إطلاق النار المبرم منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

أما فيما يتعلق بأي تفاهم بين الروس والأتراك، أو أي اتفاق مستقل عن هذين الطرفين، فالأنسب سؤال الأطراف المعنية نفسها لمعرفة ما ينوون فعله بالضبط».

وتابع هود: «لكننا ندعو كلًّا منهما، وجميع الأطراف الأخرى، إلى سحب كافة القوات الأجنبية على الفور، سواء كانت قوات نظامية أو مرتزقة أو أي نوعٍ آخر». وأوضح هود أن أفضل طريق تسلكه ليبيا هو أن تحدد الدول التي ستقيم معها علاقات تعاون أمني، بمجرد أن يكون لديها حكومة مشكَّلة من رحم هذه الانتخابات بما يمثل إرادة الشعب الليبي بوضوح».

لن تتخلص ليبيا من المرتزقة بين عشية وضحاها

يضيف التقرير: ترزح ليبيا تحت وطأة حالة من الفوضى منذ عقد من الزمان، منذ إطاحة القذافي، في انتفاضة عام 2011 التي دعمها الناتو. انقسمت البلد بعد ذلك إلى قسمين: عملت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة انطلاقًا من العاصمة طرابلس، بينما تشكلت إدارة منافسة، بقيادة القائد العسكري المنشق، خليفة حفتر، في شرق البلاد. وكلا الجانبين يحظى بدعم من الجماعات المسلحة والحكومات الأجنبية.

في أبريل (نيسان) 2019، شن حفتر وقواته، بدعم من مصر والإمارات العربية المتحدة، هجومًا لمحاولة الاستيلاء على طرابلس.

فشلت حملة حفتر بعد 14 شهرًا، بفضل تعزيز تركيا دعمها لحكومة طرابلس، وما قدمته لها من معدات عسكرية متطورة وقوات وآلاف من المرتزقة. وأخيرًا، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اتفق الجانبان على وقف إطلاق النار في جنيف.

قال وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس: «على الرغم من إحراز تقدم، من المرجح أن تستمر عمليات الانسحاب بوتيرة تدريجية.

وأعتقد أنه كان هناك تفاهم بين الجانبين، التركي والروسي، على أن وقف إطلاق النار إذا تحقق، فلن يعني ذلك أن الجميع سيسحب مرتزقته بين عشية وضحاها».

هل ترسو المحادثات على شاطئ مختلف هذه المرة؟

تتوسط ألمانيا، البلد المضيف للمؤتمر المنعقد يوم الأربعاء الماضي، في الصراع. وتشمل الدول الأخرى المشاركة في هذه العملية: الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة وإيطاليا وتركيا.

يلفت التقرير إلى أن التوصيات الصادرة عن المؤتمر الثاني مشابهة تمامًا لتلك الصادرة عن مؤتمر برلين الأول، مما دفع بعض الخبراء إلى التساؤل عما يغذي آمال الولايات المتحدة في أن تسلك الأمور دربًا مختلفًا هذه المرة.

بيد أن هود رصد اختلافًا واحدًا يتمثل في مشاركة رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة، هذه المرة، وهي الحكومة التي تولت السلطة في مارس (آذار) بدعم من الأمم المتحدة والقوى الغربية.

وتابع هود: «فيما يتعلق بالسؤال عما تأمله الولايات المتحدة، أرى أنه أمر مثير للاهتمام. لاحظت أن كل المتحدثين في المؤتمر نظروا إلى رئيس الوزراء وقالوا: إن وجودكم هنا هو ما يمثل الأمل بالنسبة لنا. يرجع ذلك إلى أن وجود رئيس الوزراء يعكس نجاح جهود الشعب الليبي والفاعلين السياسيين الرئيسيين في الاجتماع سويًّا وتشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس مؤقت تمهيدًا لإجراء الانتخابات».

وأردف هود: «أعتقد أنكَ إذا سألتَ الناس قبل عام ونصف عما إذا كان ذلك ممكنًا، فسيقولون: لا. لكننا شهدنا تقدمًا ملحوظًا بين الفاعلين السياسيين الذين كانوا على استعداد لوقف القتال».

ومع ذلك، فإن طرد المقاتلين الأجانب، رغم أنه ضروري، ليس التحدي الوحيد في الطريق إلى تشكيل حكومة ليبية فاعلة ومستقرة؛ فلا تزال هناك العديد من العقبات التي يجب التغلب عليها والإنجازات التي يتعين تحقيقها، بحسب التقرير.

وضع الأساس الدستوري والقانوني للانتخابات

يكمل هود تصريحاته: «أولًا: يتعين وضع الأساس الدستوري والقانوني للانتخابات بحلول الأول من يوليو (تموز). سيفتح ذلك الباب أمام عددٍ من الإجراءات التي يتعين على المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تنفيذها للانتقال إلى الخطوات التالية.

لكن من الواضح أن الأمن سيكون مشكلة في العديد من المناطق في مختلف أنحاء البلاد؛ إذ تتحرك الجماعات المسلحة – التي ليست جزءًا من أي منظمة حكومية – وتشن هجماتها بحُرِّيَّة.

ولقد شاهدنا هجمات شنتها الجماعات الإرهابية في الشهرين الماضيين، كان أقل ما توصف به أنها مروعة، خاصة في الجنوب».

وأضاف: «من الناحية الإدارية، من الواضح أنهم لم يجروا انتخابات على مستوى البلاد منذ فترة طويلة. وأنا متأكد من أنهم بحاجة إلى تدريب، وتوفير الكهرباء في أجزاء معينة من البلاد، وأشياء أخرى من هذا القبيل؛ للتأكد من إمكانية إجراء الانتخابات.

لكن، كما قلت، ليبيا ليست دولة فقيرة، ولا تضم عددًا كبيرًا من السكان. وبالتالي يمكن تحقيق هذه الأهداف. بمقدور الليبيين التغلب على هذه التحديات، ولديهم الكثير من الشركاء، مثل: الولايات المتحدة، الذين يريدون مساعدتهم على فعل ذلك. لذلك، لدي ثقة كاملة في أنهم يستطيعون فعل ذلك، ويبدو أنهم عازمون على النجاح».

ومع ذلك، أثار الدبيبة نفسه عددًا من المخاوف بشأن التقدم الذي أحرزته ليبيا، ووبَّخ الهيئة التشريعية لفشلها في بذل جهود جادة لسن قوانين لتنظيم الانتخابات وكتابة دستور فعال.

ولا يزال الليبيون لا يعرفون بالضبط علامَ سيصوتون، خاصة إذا ما كان الرئيس سيُنتَخَب بالاقتراع المباشر.

قالت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا: ينبغي اتخاذ قرار بشأن الدستور، بحلول الأول من يوليو؛ لمنع تأجيل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول).

____________

مواد ذات علاقة