علي عبداللطيف اللافي

على كل الأطراف الليبية الدفع نحو انجاز الانتخابات في موعدها مهما كانت العوائق الموضوعية وبذل الجميع للغالي والرخيص لتحقيق ذلك الهدف.

الجزء الثاني

هل يمكن لحفتر تجاوز لغة أنا وأبنائي أو الدمار

حفتر في الواقع شخصية عسكرية قمة في الأنانية وهو عالي النرجسية، والمصيبة أن اغلب أفراد عائلته (وخاصة ابنيه “صدام” و”خالد”)، يحلمون أن تكون ليبيا مُلكا لهم، وهو كشخص مستعد أن يفعل أي شيء من اجل ذلك.

ولكن الوقائع على الأرض هي ضد أحلامه وخياراته ولذلك هو الآن في مراوحة بين “حرق كل الأوراق وكل المواثيق للمضي في أحلامه” و”بين الواقعية في البحث عن الحد الأدنى”.

والحقيقة التي لا يمكن تغييبها، هي أن أيَّ تصد منهجي وفعلي لإشعال الحروب مجددا خاصة في ظل التحشيد المتواصل من طرف معسكر حفتر وحلفائه وعدم مغادرة آلاف المرتزقة للأراضي الليبية وتلويح الجنرال المتقاعد سالف الذكر بالحرب كوسيلة للابتزاز والتموقع وتوريث أبنائه جزء من سلطاته وأحلامه.

ذلك يتطلب عمليا وضع استراتيجيات واقعية وقابلة للتنزيل ومن ثم يتم على ضوئها تجميع الأطراف الليبية بل وكل جماهير الشعب ضد منطق الاقتتال والحروب بالوكالة خاصة وأن شباب ليبيا – ثوار فبراير أساساكانوا طرفا في معادلة التصدي البطولية وغير المسبوقة عربيا لمنطق سيطرة بعض عسكريين أغلبهم متقاعد وبسند من مرتزقة أجانب على العاصمة طرابلس في ابريل 2019.

وهو الأمر الذي أجبر المُعتدين ومن ورائهم مشغليهم الإقليميين والدوليين على الرضوخ للأمر الواقع والقَبول لاحقا بالعملية السلمية وبالحوار سبيلا للتفاهمات ومن ثم رسم توافقات أولية، ويتركز مقال الحال في البحث عن كيفية وضع تلك الاستراتيجيات ورسم تفاصيلها ومن ثم وضعها موضع التنفيذ ومن ثم التصدي لأي محاولة لإشعال الحرب بين طرفي الصراع.

كيف يمكن تجاوز منطق الحرب في ليبيا ومن ثم المرور للبناء والانجاز؟

1- أولا، الثابت أنه لم يتم إيقاف الحرب في ليبيا الا بعد سقوط خياري “انتاج القذافي ثاني” و”استنساخ سيسي ليبيا”، وهو ما يعني ان ليبيا اقتربت نهائيا بل هي اتبعت فعليا النموذج التونسي (حوار ديسمبر2013 وما نتج عنه من توافق ودعم للسمار الديمقراطي) وابتعدت عن النموذج المصري (انقلاب 30 جوان/يونيو 2013 وما بعده وما ترتب عليه من تضييق للحريات وتغييب لجزء من المجتمع).

كما لم يكن الوصول للحوار وتتويجه ممكنا لولا التوازن القائم منذ بداية أغسطس 2020 بين الأطراف المحلية عسكريا وميدانيا حيث تصدى أهل الغرب الليبي (بالمعنى السياسي) لقوات ومرتزقة “حفتر” الباحثة عن السيطرة على السلطة بقوة المال والسلاح.

وهو الأمر الذي ترتب عليه فشل خطة إقليمية عنوانها “بسط أنظمة عسكرية في كل المنطقة الشمال افريقية”، وليبدأ النموذج التونسي في بسط جناحيه شرقا وغربا: (شرقا في اتجاه ليبيا وخاصة في ظل تحديد موعد أولي للانتخابات وتحديدا يوم 24 ديسمبر 2021، وغربا حيث تحولت المؤسسة العسكرية الجزائرية الى راعية للتجربة الديمقراطية ولعل تحديد موعد 12 يونيو المقبل للانتخابات التشريعية مثال دال ومعبر على ذلك).

2- ثانيا، لا تضع أيَّ حرب أوزارها الا في ظل سيطرة أحد الطرفين او حدوث توازن بينهما ولكن السؤال الأهم هنا ”كيف لنا أن نمنع حدوث أي حرب محتملة؟”.

وبالتأكيد أن من بديهيات الإجابة أنه ليس بالدعوة إليها، بل من المهم التأكيد أن النجاعة والفاعلية تكمنان في تجاوز ذلك الى رسم معالم استراتيجيات تمنع تجددها وقطع الطريق على مُشعّليها سواء كانوا أطرافا محلية أو أذرع إقليمية خادمة بدورها لأطراف دولية ليس لها من غاية فعليا سوى نهب ثروات ليبيا الهائلة والنادرة والمرور بيُسر للعمق الافريقي.

وممَّا لا شك فيه أن تلك الاستراتيجيات هي في الواقع مُهمة ثقافيا وسياسيا واجتماعيا وخاصة على المدى المتوسط والبعيد ولكنها أيضا لا بد من ان تسبقها خطوات أخرى على المدى القريب:

  • لابد لكل الأطراف الليبية من الدفع نحو انجاز الانتخابات في موعدها مهما كانت العوائق الموضوعية وبذل الجميع للغالي والرخيص لتحقيق ذلك الهدف خاصة في ظل تقدمات حقيقية وملموسة في مسارات ثلاث: السياسي والعسكري/الأمنيوالاقتصادي.

  • ضرورة تقديم الجميع للتنازلات كما وكيفا من أجل توافق كامل على نتائج مفترضة ومرتقبة للمسار الدستوري وبما لا يسمح لا بتمطيط المرحلة الانتقالية ولا بترك ثغرات يعود اليها منطق الزعيم الأوحد أو القائد الذي يخضع له الجميع.

  • ذلك أنه لا توريث لأي كان ولا تورث أي شخص مهما كان موقعه لأي منصب أو مرفق عام لعائلته أو قبيلته أو محيطه ومهما كان المجال أو المربع الذي يتحرك فيه.

  • ومن ثم فلا بد من العمل على خروج كل القوات الأجنبية وكل المقاتلين مهما كانت هوياتهم أو الطرف الذي أتى بهم ومهما كان الطرف الذي يسندهم وعلى أن تصبح السيادة الليبية أمرا واقعا ولا يقبل الجدل على كل تراب ليبيا من حدود دول الساحل والصحراء إلى السواحل المتوسطية ومن الحدود المصرية شرقا الى الحدود التونسية والجزائرية غربا.

  • تدعيم التوازن بين الأطراف المحلية سواء كانت اجتماعية أو سياسية بما يضمن أن يشعر كل الليبيين بناء على ثنائية الحق والواجب ومن ثم ترشيد العلاقة القائمة مع الإقليم ودفعها أن تكون علاقات من أجل ليبيا حتى لا يتم السقوط مجددا في رحى الحرب بالوكالة.

  • وهو ما تم بين 2014 و2019 حيث خاضت أطراف ليبية ضيقة الأفق الاستراتيجية رحى حروب ومعارك اشعلتها أذرع إقليمية (دول المحورين الإقليميين) خدمة لأجندات قوى دولية ومحافل عالمية وشركات عالمية عابرة للبلدان والقارات.

3- ثالثا، العمل على عودة كل المهجرين والمبعدين وكل النازحين من بيوتهم بعد وقبل 2011 وان يكون القانون فيصلا بين الجميع ورسم ملامح عدالة انتقالية منصفة للجميع وإنجاز مصالحة وطنية شاملة تدفن آلام الماضي من اجل بناء مستقبلي يشارك فيه الجميع بغض النظر عن الخلفيات الاجتماعية أو المناطقية أو التوجهات الثقافية والسياسية.

ومن ثم لابد أيضا من معالجة قضايا وملفات الهجرة غير الشرعية والإرهاب والتهريب والمخدرات وشبكاتها المختلفة والتعاطي مع ملفات رئيسة بحكمة وتبصر وخاصة قضايا “التبو” و”الطوارق” في الجنوب ومن ثم منع تجسيد استراتيجيا قلب المعطيات الديمغرافية هناك.

إضافة الى حفظ لوجستي واستراتيجي للثروات في حوضي “نالوت” و”غدامس” وأيضا لثروات الشريط الحدودي مع “النيجر” و”التشاد” وخاصة تلك الموجودة قريبا من مطار “سارة” وفي جبل “غريان”.

***

علي عبد اللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

____________

المغاربي للدراسات والتحاليل

مواد ذات علاقة