أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في 2 تموز/ يوليو 2021، انتهاء جلسات ملتقى الحوار السياسي الليبي التي عُقدت في جنيف لمدة أربعة أيام في الفترة 29 حزيران/ يونيو – 2 تموز/ يوليو.

وقد فشلَ المشاركون في التوافق على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات العامة المقررة في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2021، وفق خريطة الطريق التي أقرها الملتقى في جولته الأولى في تونس، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.

وشهدت الجولة الأخيرة من جلسات الملتقى تجاذبات وخلافات بين المشاركين على خلفية الخيارات التي طُرحت لإجراء الانتخابات؛ ما يثير تساؤلات عن مصير خريطة الطريق وحسابات مختلف الفرقاء.

القاعدة الدستورية: الخيارات التي طرحت

حددت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مدة انعقاد جلسات ملتقى الحوار السياسي الليبي بثلاثة أيام، غير أنها اضطرت إلى تمديدها يومًا آخر بعد ظهور خلافات حادة بين المشاركين حول الصيغ المطروحة بشأن القاعدة الدستورية للانتخابات.

وفي محاولة للوصول إلى توافق، اختار المشاركون لجنة استشارية مكونة من 14 عضوًا من أعضاء الملتقى البالغ عددهم 75 عضوًا، كُلفت بمناقشة المقترحات المقدمة من اللجنة القانونية، وصياغة تفاهمات لعرضها للتصويت، غير أن اجتماعاتها انتهت من دون إنجاز.

وقد تركزت أبرز الخلافات، التي أدت إلى انتهاء جولة الحوار دون نتيجة، أساسًا، حول موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والقاعدة الدستورية التي ستجري وفقها، في حين كانت الخلافات حول الانتخابات البرلمانية أقل حدة، وانحصرت في عدد غرف البرلمان ومقره.

وقد طُرحت بخصوص الانتخابات الرئاسية ثلاثة خيارات لإجرائها:

تمثّل أولها في تنظيم الانتخابات العامة في موعدها المقرر أواخر عام 2021، وفق قاعدة دستورية مؤقتة تسمح بترشح العسكريين المباشرين لمهماتهم ومزدوجي الجنسية، ولا تشترط عليهم تخلّيهم عن مهماتهم العسكرية وجنسياتهم الأجنبية إلا بعد الفوز (وهي قاعدة مفصلة على مقاس اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بحسب بعض وجهات النظر).

أما الخيار الثاني، فقد تمحور حول إجراء الانتخابات البرلمانية في الموعد المحدد في خريطة الطريق وفق قاعدة دستورية مؤقتة يجري التوافق عليها، وتأجيل الانتخابات الرئاسية إلى حين معالجة النقاط الخلافية في مسودة الدستور التي صاغتها الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، وتنظيم استفتاء شعبي على النسخة المعدلة.

في حين ذهب الخيار الثالث إلى تنظيم استفتاء على مشروع الدستور في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، ثم إجراء الانتخابات العامة وفقه في موعدها المحدد. وإضافة إلى ذلك، ظهرت خلافات أخرى تعلقت، أساسًا، بعدد غرف البرلمان ومقره، وبصيغة انتخاب الرئيس؛ بين من يدعم الانتخاب الفردي المباشر وبين من يرى ضرورة الانتخاب وفق نظام القائمة التي تتشكل من رئيس ونائب له ورئيس حكومة؛ ينتمي كل واحد منهم إلى أحد أقاليم ليبيا، غير أن الخلافات الأعمق التي أدت إلى انتهاء جولة الحوار من دون توافق كانت، أساسًا، حول الانتخابات الرئاسية.

القاعدة الدستورية ومستقبل حفتر

مثّلت الخلافات التي أدت إلى فشل الجولة الأخيرة من ملتقى الحوار السياسي انعكاسًا للانقسامات السياسية والعسكرية والجهوية التي تواجهها ليبيا، والتدخلات الإقليمية والدولية في شؤونها؛ فقد دعم معظم ممثلي المنطقة الشرقية (إقليم برقة) ومعهم آخرون من المنطقتين الغربية والجنوبية، إجراء الانتخابات الرئاسية وفق قاعدة دستورية مؤقتة تسمح بترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية، ولا تُلزمهم بالتخلي عن مهماتهم العسكرية وجنسياتهم الأجنبية إلا بعد الفوز؛ ما يؤدي إلى تمهيد الطريق لترشح حفتر، في حين يصبح هذا الترشح متعذّرًا في حال إجراء الانتخابات الرئاسية بعد الاستفتاء على مسودة مشروع الدستور التي تمنع العسكريين ومزدوجي الجنسية من تولّي الرئاسة.

والحقيقة أن إتاحة المجال لترشح حفتر للرئاسة تعني السماح بترشح غير الملتزمين بالنظام الديمقراطي للتنافس على قيادة دولة ذات دستور ديمقراطي.

ويضاف هذا إلى قنابل موقوتةكثيرة قائمة على أساس محاصصات إقليمية إلى درجة قد تُحوّل التوافق إلى مجموعة عوائق في وجه عملية الحكم واتخاذ القرارات.

ويدرك مختلف الفرقاء المشاركين في ملتقى الحوار السياسي الليبي أهمية الانتخابات القادمة، التي من شأنها منح الشرعية للسلطة التنفيذية المنبثقة منها، والتي ستكون مدعومة بموقف دولي ومن الأمم المتحدة يدفع باتجاه القبول بنتائج الاقتراع.

ولذلك يسعى كل طرف من أطراف الصراع، ومن ورائه داعموه الإقليميون، إلى تمهيد السياق السياسي والدستوري بما يخدم حضوره أواخر العام الجاري.

ولا يُخفي حفتر طموحه في تولّي المسؤولية التنفيذية الأولى في ليبيا. وكان قد أعلن نفسه رئيسًا لها في بيان متلفز، في نيسان/ أبريل 2020، غير أنه لم يتمكن من فرض نفسه على الأرض بعد فشل قواته في اقتحام العاصمة طرابلس وانكفائها عن المنطقة الغربية في إثر الهزيمة التي ألحقتها بها قوات حكومة الوفاق الوطني آنذاك.

كما أن شخصية حفتر ومساعيه إلى محو تاريخ من الهزائم التي طبعت مسيرته العسكرية في تشاد ثم طرابلس، ومحاولته التمثل بقيادات عسكرية إقليمية وصلت إلى سدّة الحكم، يدفعه ذلك إلى رفض تسليم أعلى منصب سياسي في البلاد لأي شخصية أخرى.

إضافة إلى ذلك، يسعى، كما يبدو، إلى تحصين نفسه مستقبلًا من التبعات القضائية التي أثارها ضده مواطنون ليبيون مقيمون في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

وكانت محكمة أميركية قد رفضت الاعتراف بحصانة حفتر التي دفع بها محاموه، بعد محاولة الحصول على رأي وزارة الخارجية الأميركية في تمتع حفتر بالحصانة بصفته رئيس دولة، إلا أنها رفضت وقالت إنها لا تعترف به رئيسً.

لا يمثل طموح حفتر الشخصي الدافعَ الوحيد لرغبة طيف من أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي في تمرير قاعدة دستورية مؤقتة تسمح له بالترشح؛ إذ يلاحَظ أن الحسابات الجهوية لم تكن غائبة عن تصريحات بعض ممثلي المنطقة الشرقية الذين يدفعون في هذا الاتجاه، والتي بلغت حد التهديد باللجوء إلى تقرير المصير في برقة في حال فشل الحوار في التوافق على قاعدة دستورية مؤقتة.

ورغم أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أبدت إصرارًا كبيرًا على إلزام الحاضرين بالتوافق على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، كما أبدت انحيازًا للخيار القائم على تلازم المسارين البرلماني والرئاسي وفق قاعدة دستورية مؤقتة، وأكدت أن المجتمع الدولي لا يرى أيّ سبيل آخر لوحدة ليبيا واستقرارها وسيادتها وازدهارها سوى السبيل القائم على إجراء الانتخابات الوطنية في ديسمبر المقبل، فإن 21 عضوًا من أعضاء ملتقى الحوار السياسي وقّعوا بيانًا اعتبروا فيه أن تلك البعثة، بسماحها مناقشة هذه الخيارات، تتصرف وكأنها تقبل بالنكوص، وشطب خارطة الطريق التي تم إقرارها بالإجماع والعودة عن كل ما تم الاتفاق عليه في تونس وجنيف“.

تعاني بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مشكلةً تعانيها جميع المنظمات الدولية في مقاربتها مسألة الانتقال الديمقراطي في دول العالم الثالث، حين تَعُدّ الانتخابات مخرجًا من الشروخ الاجتماعية والسياسية.

والحقيقة أن الانتخابات يُفترض أن تجري بعد حل هذه الشروخ بالتسويات وبغيرها، وإذا أجريت من دون حل، فإنها تُفاقمها وقد تُفجرها، كما تبيَّن في حالات عديدة.

يبدو تأثير حسابات حفتر واضحًا، من خلال مواقف أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي الداعمين لإجراء انتخابات رئاسية في موعدها المقرر ووفق قاعدة دستورية مؤقتة ومخففة من الشروط.

كما يبدو أيضًا أن بعثة الأمم المتحدة وأطرافًا دولية أخرى تدفع في اتجاه التقيّد الكامل بموعد الانتخابات الذي أقرّته خريطة الطريق، وهو الموعد الذي يبدو الالتزام به غير مضمون من دون التوافق على قاعدة دستورية مؤقتة؛ ما يحيل إلى رغبة إقليمية ودولية في استيعاب حفتر في المشهد السياسي القادم حفاظًا على مصالح الرعاة الإقليميين، وإضعافًا لفرضيات الخيار العسكري الذي يبدو أن حفتر لم يتخلَّ عنه بعد.

ما بعد جنيف

بعودة أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي من جولة جنيف، من دون التوصل إلى توافق على ترتيبات إجراء الانتخابات العامة في العام الجاري، يكون ملتقى الحوار السياسي الليبي قد وصل إلى طريق مسدودة، بعد أن أفلح المشاركون فيه، رغم الخلافات العميقة، في التفاهم على خريطة طريق في الجولة الأولى في تونس، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وفي التوافق على اختيار رؤوس السلطة التنفيذية في جولة جنيف، مطلع شباط/ فبراير 2021.

ويدرك المعارضون لإقرار قاعدة دستورية مؤقتة أن أيّ تساهل في هذا الاتجاه من شأنه منح حفتر ومعسكره مكاسب عجز عن تحصيلها بالقوة العسكرية.

في حين يدرك الطرف المقابل أن القبول بخيارات فيها مساس بموعد الانتخابات المدون في خريطة الطريق وبأرضية دستورية تفرض شروطًا دقيقة على المرشحين من شأنه تغيير موازين القوة لغير صالحهم، وإعادة توزيع التوازنات السياسية والجهوية القائمة حاليًا، ولا سيما أن العامل الديموغرافي والتركز السكاني قد يدفعان في هذا الاتجاه.

وفي السياق ذاته، تتجه إرادة بعض الأطراف الإقليمية صاحبة المصلحة إلى محاولة الحفاظ على النفوذ الذي كسبته في ليبيا؛ والتي كان لمعسكر حفتر والمعسكر المقابل دورٌ في ضمانها.

ورغم المطالب المتكررة بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في ليبيا، كما نصت على ذلك خريطة الطريق، فإن الفرقاء الليبيين وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يدركون أن تحقيق هذا المطلب لن يكون أمرًا يسيرًا، وأن المصالح الاستراتيجية للأطراف التي تمتلك حضورًا عسكريًا في ليبيا أبعد من موعد الانتخابات.

ومن هذا المنطلق، يمكن إدراك مواقف روسيا ومصر (والإمارات التي أصبح دورها يمر عبرهما) وتركيا وغيرها من الدول الحاضرة في المشهد الليبي.

تعي بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وطيفٌ من المجتمع الدولي أن إخفاق الفرقاء الليبيين في التوافق على أرضية مشتركة لإجراء الانتخابات في موعدها المقرر يُخفي أزمة عميقة ذات أبعاد سياسية واجتماعية وجهوية وإقليمية، وأن هذا الإخفاق من شأنه فتح الباب مجددًا أمام الخيار العسكري؛

هذا خيار يظل قائمًا وتتزايد مؤشراته الميدانية، ولا سيما بعد تحركات قوات حفتر في المنطقة الجنوبية وسيطرتها على منافذ حدودية مع الجزائر، وتصريحات أوساط قريبة منه أكدت استعداد قواته للزحف من جديد على العاصمة في حال فشل تنظيم الانتخابات خلال العام الحالي وفق خريطة الطريق.

وهو فعل لا يبدو أنه يحظى بفرص قبول أكثر هذه المرة، بل على العكس ازداد عدد خصومه الدوليين.

خاتمة

لم تكشف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، حتى الآن، عن تفاصيل خطواتها القادمة لمعالجة الانسداد الذي وصله الحوار، واكتفت بحثّ أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي على مواصلة التشاور فيما بينهم للتوصل إلى حل توفيقي عملي وتعزيز ما يوحدهم، غير أنها تعهدت بأنه لن يتم قبول المقترحات التي لا تمهد الطريق وتمكن من إجراء الانتخابات في 24 كانون الأول/ ديسمبر“.

ومن المتوقع أن تبادر البعثة، خلال الأيام القادمة، إلى تعيين موعد لانعقاد جولة جديدة من الحوار، كما يُتوقع أن تتصاعد الضغوط الدولية على المشاركين للالتزام بخريطة الطريق.

__________

مواد ذات علاقة