تبره مراجع

مر أسبوع على إعلان الأمم المتحدة فشل الملتقي الثاني للحوار الليبي المنعقد في جنيف في 28 يونيو/ حزيران الماضي، التوصّل إلى اتفاق.

وأعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على لسان منسقتها ريزيدون زينجا في المؤتمر الختامي للملتقى، أنه برغم التمديد الزمني الذي قامت به الأمم المتحدة على أمل الوصول إلى اتفاق يمهد الطريق نحو إجراء الانتخابات المتفق عليها، والتي كان مقررًا لها ديسمبر/ كانون الأول المقبل، إلا أن أعضاء الملتقى انحرفوا إلى مسار فتح آفاق جديدة فيما يخص خارطة الطريق المقترحة للذهاب نحو الانتخابات القادمة“.

وألقت زينجا بالكرة في ملعب القوى الليبية المتصارعة، مطالبة إياهم بالتشاور فيما بينهم للوصل إلى اتفاق، من دون إشارة للدور الذي ستلعبه الأمم المتحدة في تنسيق تلك المشاورات، الأمر الذي يهدد خارطة الطريق الموضوعة خلال مؤتمر جنيف الأول، والتي استهدفت أن يستقر الحكم في ليبيا من خلال انتخابات عامة يختار الليبيون من خلالها من يحكمهم لتنتهي حالة الانقسام القائمة منذ انتهاء عهد القذافي.

مفاجآت على الطاولة

قدّم أعضاء الملتقى ثلاث مقترحات جديدة تتعارض مع خارطة الطريق، تتصل بالذهاب إلى الاستفتاء الدستوري – الاستفتاء على مشروع مسودة الدستور المصاغة من قبل لجنة صياغة الدستور المنتخبة، والتي واجهت اعتراضات ومقاطعات عدّة من بعض المكونات العرقية داخل ليبيا كالأمازيغ والطوارقكما تضمنت المطالب المفاجئة؛ وضع شروط وضمانات ما قبل الذهاب للانتخابات المباشرة، في محاولة رأى البعض بأنّها تستهدف إطالة لعمر الأزمة الليبية.

وفقاً لخارطة الطريق المعتمدة، كان يفترض أن يشهد الأول من يوليو/ تموز الجاري إعلان اعتماد القاعدة الدستورية التي تم الاتفاق عليها خلال جلسات الملتقى الأولى في العاصمة تونس، وهي النسخة المعدلة من الإعلان الدستوري المعلن عام 2011 بعد سقوط نظام القذافي، وينتظر أن تجرى وفقها الانتخابات.

ولكن عوضاً عن اعتمادها، أثارت هذه القاعدة خلافاً حاداً خلال جلسة الملتقى حول بعض المواد الجدلية، مثل انتخاب الرئيس وصلاحياته وضوابط الترشّح فيما يخص العسكريين واليمين الدستوري.

وبفشل الحوار لحق الأول من يوليو بركب الإخفاقات السياسية لخارطة الطريق، وربما كان هذا دافعاً لما بدا انسحاباً للأمم المتحدة والمجتمع الدولي وترك المسألة لليبيين للتشاور فيما بينهم، ما ينذر وسط حالة الصراع السياسي المستمر بعدم التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى الاستقرار.

وظهر الغضب الشعبي الليبي في طائفة من التغريدات منها ما كتبه الناشط السياسي نعمان بن عثمان، واصفاً خارطة الطريق السياسية بـالفاشلة، انطلاقا من مؤتمر برلين الثاني، ووصولاً إلى أدنى سقف نجاح تعكسه الاجتماعات الدولية، وهي تحسين مستوى معيشة المواطن الليبي“.

تشكيك في مفوضية الانتخابات

مباشرة وبعد انتهاء ملتقى الحوار السياسي الليبي بالفشل في الاتفاق على القواعد المطلوبة للتمهيد للانتخابات؛ أعلنت مفوضية المجتمع المدني برئاسة السيد عماد السائح أثناء افتتاحها لمركزها الإعلامي عن انطلاق عملية تحديث سجل الناخبين، كخطوة أولى في مسار الانتخابات القادمة.

بارك السيد عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية هذه الخطوة أثناء حضوره الاحتفالية التي لم تطرح في أجندتها بديلاً للقاعدة الدستورية المتروكة، ولم تتطرق إلى كيفية عقد الانتخابات المزمعة، ولا خطة تمويل عمليات تحي سجلات الناخبين ونشر لجان الاقتراع، ما يرجح أن عملية تحدي سجلات الناخبين لن تعدو ما قدمته سابقتها في عام 2017، والتي اقتصرت على زيادة عدد المسجلين كـبادرة نوايا حسنةساهمت في حرمان ليبيين كثيرين من حقوقهم السياسية.

فيما أصدر المجلس الأعلى للدولة المقام على بقايا مرشحي المؤتمر الوطني العام والذي تم تأسيسه وفرضه خلال اتفاقية الصخيرات في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2015، بيانا رسميا أشار فيه إلى أهمية الذهاب إلى الاستفتاء على مشروع الدستور أولاً، في خطوة واضحة لتحريف خارطة الطريق والتي سبق ونوهّت الأمم المتحدة بشكل واضح بأنها لن تقبل أي مقترحات من شأنها أن تحيد الطريق عن الذهاب إلى الانتخابات.

كما تضمن البيان الخلافي رسالة مبطنة تدعو المفوضية إلى التزام الحياد في عملية الإشراف على الانتخابات، ما دعا الحراك من أجل 24 ديسمبرإلى اعتباره محاولة تشويش يمارسها المجلس الأعلى للتشكيك في مصداقية المفوضية العليا للانتخاباتوالتي أسست ككيان مستقل عام 2011، لتتولى الإشراف على العمليات الانتخابية وتنظيمها.

عملت المفوضية على مقربة مع كل الأجسام السياسية والخدمية والأفراد الذين مروا بعمليات الترشيح والانتخاب خلال السنوات الماضية، على اختلاف توجهاتهم السياسية ما جعلها تحظى بمصداقية لدى كثير من طوائف الشعب الليبي.

الجدير بالذكر أنّ الصراع بين المجلس الأعلى للدولة والمفوضية العليا للانتخابات المدنية، بدأ منذ فترة، فقد اتهم رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري خلال اللقاء الذي أجراه عبر منصّة كلوب هاوس في 26 يونيو/ حزيران الماضيرئيس المفوضية العليا للانتخابات بـعدم النزاهة في التعامل مع الانتخاباتواتهمه بـالتواطؤ مع مشروع حفتر للوصول للحكم عبر الانتخابات القادمة، فيما اتفق ضيوف الغرفة من بينهم أعضاء برلمان ووزراء سابقينعلى هذا الوصف داعيين إلى ضرورة العمل على استبدال السيد عماد السائح حفاظاً على مسار الثورةحد وصفهم.

هذه التصريحات تكشف أن بعض السياسيين يرون أن عمل المفوضية يمثل عرقلة لهم، ما يهدد مضي الانتخابات الليبية المنتظرة في مناخ من الثقة التي تضمن تحقيق النتائج للاستقرار المنشود.

ظهر هذا في تصريحات السيد عبد الرحمن السويحلي عضو ملتقى الحوار السياسي في الأول من سبتمبر/ أيلول الماضي، حين كتب عبر صفحته الرسمية على فيسبوك مشككا في آلية الانتخابات المحلية التي تشرف عليها اللجنة المركزية لانتخابات المجالس البلدية، التابعة للمفوضية العليا للانتخابات، فيما بدا خطوة استباقية لإعلان الحرببين جسمين جرى تشكيلهما لتقديم الدعم للمسار السياسي والتبادل السلمي للسلطة.

الدبيبة محاصر

توجّه رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في الخامس من يوليو/ تموز الجاري إلى المنطقة الشرقية، لحضور جلسة مجلس النواب الليبي التي خصصت لمناقشة بنود الميزانية المعتمدة لعام 2021، والذي انقضى أكثر من نصفه بالفعل من دون ميزانية معتمدة، أو مساءلة الحكومة فيما يخص منصب وزير الدفاع الذي ما زال شاغرا حتى اللحظة.

انتهت الجلسة إلى رفض اعتماد الميزانية للمرة الثالثة، بذريعة أن بنودها تتجاوز سقف المصاريف المنطقية لمدّة تولّي الحكومة لرئاسة البلاد.

توقعات محليّة ارتأت ان تكرار رفض البرلمان لاعتماد الميزانية هي خطوة واضحة في مسار عرقلة عمل الحكومة من قبل التيار الذي يدّعي أن المنطقة الشرقية قد ظلمت في عهد الحكومة الحالية، التيار الذي ظهر مع أولى جلسات البرلمان لمنح الثقة للحكومة والتي عقدت في مدينة سرت مارس/ أذار الماضي.

الجلسة كانت عبارة عن عملية محاصصة نقلت عبر الهواء مباشرة ظهرت خلالها محاولات عديدة لعرقلة منح الثقة من قبل ذات التيار، والذي يأتي على رأسه النائب إبراهيم الدرسي وسلطنة المسماري المحسوبان على خليفة حفتر، واللذان استطاعا تأجيل الجلسة باتهاماتهم للحكومة بإهدار العدالة في توزيع الحقائب الوزارية.

تحديات عدّة وضعها التيار المتشبّث بعقلية المحاصصة في طريق حكومة الوحدة الوطنية، جعل المهمّة المقبلة عليها أكثر تعقيداً.

في ذات السياق غرّد الناشط نزار الزوي عبر حسابه الشخصي، معلقاً على جلسة البرلمان الأخيرة التي طولبت فيها الحكومة بتقليص الميزانية لثالث مرّة على التوالي، معتبراً أن الجلسة وجهت رسالة مفادها أن البرلمان لا يعتزم اعتماد الميزانية مطلقاً، وإن حدث واعتمدها فلن يوافق على غير الباب الأول (بند المرتبات)، وهو تحدّ تكرر في مواجهة حكومة الوحدة الوطنية.

لم تكن زيارة رئيس حكومة الوحدة الوطنية الأولى للمنطقة الشرقية مقتصرة على مفاجأة الميزانية، حيث اعترضت مجموعة موكبه ومنعوه من استكمال الطريق خلال مروره بمدينة بنغازي، المجموعة التي استوقفت الدبيبة طالبته بإلقاء التحية على تمثال قائد قوات القيادة العامة خليفة حفتر الموضوع في مدينة طبرق، كشرط للسماح له بالمرور.

انتهي الأمر بتدخل وكيل وزارة الداخلية فرج قعيم وهو أحد القيادات التي تحسب وفق التقسيم الجغرافي على المنطقة الشرقية وقبائلها.

بعد نشر الفيديو الذي يوثّق عملية الاعتراض بدأت الأوساط السياسية تشكك في جاهزية رئيس حكومة الوحدة الوطنية تحقيق الاستحقاق القادم وبسط السيطرة على كل الأراضي الليبية التي تعاني شبح الانقسام منذ سنوات.

إضافة أخرى كانت مثيرة لأسئلة عدّة حينما أجبر وفد الحكومة وعلى رأسه السيد عبد الحميد، على مغادرة مدينة طبرق على عجالة في منتصف الليل وعلى أضواء السيارات، بعد الإظلام التام الذي تعرّض له مطار طبرق الدولي.

حينها غرد عضو المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن الشاطر واصفاً مغادرة رئيس الحكومة لمدينة السلام طبرق، بأنها محاولة للهروب حفاظاً على حياته وخطوة لنسف أي أمل في الذهاب للعملية الانتخابية القادمة“.

هذا السيناريو ليس جديداً، إذ تعايش معه الليبيون لفترة طويلة من الزمن أثناء وجود السيد فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني، والذي لم يتمكّن من زيارة المنطقة الشرقية طيلة فترة وجوده على رأس السلطة الحاكمة في البلاد، وحتى بعد اعتراف المجتمع الدولي به.

حراك 24 ديسمبر

إخفاق الأطراف الليبية في الخروج باتفاق يؤسس قاعدة دستورية وقانونية، يضع ليبيا في المربع نفسه الذي تقف فيه منذ سنوات.

المعسكر الغربي الذي انقسم على نفسه بين مؤيد للاستحقاق الانتخابي والذهاب للانتخابات الرئاسية والبرلمانية مباشرة، وسط ظروف غير مستقرة ووضع آمني هش واقتصادي مجهول الملامح؛ وبين دافع للاستحقاق الدستوري والاستفتاء على مشروع دستور قد صيغت وعدّلت مواده وسط صراعات مسلحة وبمقاطعة من مكونات عرقية مهمّة من الشعب ذاته.

هذا الاختلاف أتاح المجال لخلق أجسام تلوّح باستعمال القوة ووضع البلاد على شفا حرب تتجدد، في مقابل تحقق مطالبها.

وفي خضم الصراعات السياسية والسعي وراء تمرير مقترحات تلائم تطلعات كل فريق، خرج من العدم تيّار يدّعي مدنيته وإيمانه بالانتخابات تحت مسمّى حراك من أجل 24 ديسمبر، بدأ في تحركاته على الأرض في عدّة مدن، وأحد تلك التحركات تنظيم وقفة تظاهرية في 6 يوليو/ تموز الجاري أمام المفوضية العليا للانتخابات، مؤكداً على ضرورة الذهاب إلى صندوق الانتخابات بأي شكل كانمتوعداً بـالاحتفاظ بحق التصعيد الميداني إذا ما اضطره الأمربلهجة تحاكي الدعوة إلى العنف وإشعال فتيل الصراع من جديد.

الحراك الذي انطلق من شرق البلاد واعتمد السيد عبد الله الغرياني الناشط المدني من مدينة بنغازي ناطقا رسمياً باسمه، يحاول الدفع بقوة نحو خيار الانتخابات القادمة على قاعدة عنيفة، طالت حتى بعثة الدعم في ليبيا عبر تصريحات الحراك الإعلامية عبر منصاته المختلفة.

تخوفات شعبية ممّا يمكن أن يحدث خلال الأشهر القادمة في حال استمرار المشهد السياسي والأمني بحاله القائم، الناشط علي عبود عبر حسابه الشخصي على تويتر طرح تساؤلات عدّة أبرزها:

كيف ستجرى الانتخابات والقوات الأجنبية ترفض مغادرة البلاد؟

وكيف يخطط المجتمع الدولي لإزاحة هذه العثرة التي أصبحت مسماراً في نعش أي استحقاق رئاسي أو تشريعي قادم؟

__________

مواد ذات علاقة