رواسي عبدالجليل

ذعر جديد يداهم الليبيين، بعد نشر الجمعيّة الليبية لحماية الحياة البريّة، صوراً لعينة حديثة من مياه بحر العاصمة طرابلس، توضح ارتفاع نسبة التلوث في مياه شواطئ البحر، الذي تحول مؤخراً إلى مصب لمياه الصرف الصحي.

تزامن التقرير مع تكرار شكاوى المواطنين من أعراض معوية أصابتهم عقب عودتهم من الرحلات البحريّة التي قاموا بها، وتراوحت الأعراض بين إسهال، وقيء، وحرارة مرتفعة، اتّضح في ما بعد أن بكتيريا (إي كولاي)، وبكتيريا (كاليفورم)، هما المصدر الرئيسي لهذه الأعراض التي أثبتت تحاليل عيناتها وجودها في مياه البحار المقصودة خلال هذه الرحلات.

سكينة البشير (30 سنة من طرابلس)، إحدى المتضررات من موجة الوباء الحالية، تحدثت إلى رصيف22، عما مرّت به قائلةً: ذهبت مع زوجي وابني ذي الخمس سنوات في رحلة إلى المصيف، وفي أثناء عودتنا، داهمتنا جميعاً نوبات قيء، وإسهال مستمر، مع ارتفاع درجات الحرارة. في البداية اعتقدت انها حمّى، لنكتشف بعدها أن جزءاً كبيراً من الأصدقاء والعائلة ممن قصدوا المصايف في طرابلس، قد عانوا من الأعراض ذاتها، وكانت الوعكة أشد عليّ كوني أحمل في أحشائي طفلي القادم. لقد كانت زيارة غير موفقة“.

كذا بدأت قصة التلوث

بدأت أزمة التلوث البحري بالظهور على شواطئ العاصمة طرابلس قبل قرابة سبع سنوات، حين صرح مجلس بلدية طرابلس المركز، بأن مياه شواطئ مدينة طرابلس لم تعد قابلةً للاستعمال لأي نشاط يُذكر، بناءً على تحليلات كانت قد أجرتها سابقاً.

استمرت المشكلة بالتراكم، والتفاقم، والتطوّر، إلى أن نشرت الجمعية الليبية لحماية الأحياء البرية في آذار/ مارس 2018 معلومات مفادها أن نسب التلوث قد ازدادت بنسبة أكبر من سابقتها، جراء ازدياد منسوب مياه الصرف الصحي، والتي تُعد المصدر الوحيد والأساسي لعملية التلوث التي تتعرّض لها الشواطئ، بسبب إلقاء مياه الصرف الصحي فيها من دون معالجة.

وحذّرت الجمعية خلال منشورها، في ذلك الوقت، من ضرورة الإسراع في تدارك الموقف لخطورة الأمر على الأحياء البحرية، وارتفاع نسبة سرطنة الأسماك الموجودة في المسطحات المائية القريبة من الشاطئ، كما حذّرت المواطنين من ضرورة الابتعاد عن الشواطئ، والامتناع عن الصيد والنشاطات المتعلقة بالشاطئ، لما لها من تأثير سلبي على صحة المواطنين.

عبر البث المباشر على فيسبوك في الرابع من تموز/ يوليو الجاري، وعبر الصفحة الرسمية لوزارة البيئة في حكومة الوحدة الوطنية، صرّح الوزير إبراهيم العربي بأن مياه الصرف الصحي التي يتم إعدامها في مياه البحر في طرابلس، تقدّر بنحو 700 ألف متر مكعّب من دون معالجة.

وأشار في حديثه إلى ضرورة تفعيل محطات المعالجة الخاصة بالصرف الصحي، والمعطلة منذ سنوات، إذ لم يتم النظر في إعادة تشغيلها، وهو ما يضع التصوّر القادم بغرق مدينة طرابلس في مياه الصرف الصحي في موضعه، وينذر بكارثة بيئية حسب قوله.

عضوة المجلس البلدي لطرابلس المركز ومسؤولة الملف البيئي فيه سابقاً، الدكتورة إنعام التركي، صرّحت لرصيف22 بعمل المجلس البلدي السابق في التعامل مع أزمة تلوث مياه الصرف الصحي، قائلةً إن:

المشكلة الرئيسية هي في توقّف الأحواض المائية المخصصة لعملية معالجة مياه الصرف الصحي، والتي تتبع لشركة المياه والصرف الصحي التابعة بدورها لهيئة الموارد المائية، عن العمل…

لأن عملية الصيانة الدورية للأحواض، وتفقّدها باستمرار قد توقفت جراء عدموجود ميزانية مخصصة لها، الأمر الذي أدى إلى توقفها جميعها عن العمل، وانقطاع عملية المعالجة كلّياً.

جزء آخر من المشكلة يكمن في إغلاق مشروع الهضبة المخصص للأعلاف، والذي كان أحد المحطات الرئيسية للعمل على معالجة المياه، وعقب العام 2011 اعتُدي عليه من قبل المواطنين الذين استولوا عليه، وحولوه إلى مقسّمات سكنية، الأمر الذي أدى إلى تعطّل المشروع، والوصول إلى تصريف مياه الصرف الصحي مباشرة في البحر“.

وأضافت: “عملت خلال سنوات وجودي على رأس الملف البيئي، على رفع مستوى التوعية لدى الناس، ومطالبة الجهات المسؤولة بضرورة التدخّل، لكن مع الأسف كانت تحاليل مياه البحر التي نقوم بها كل عام توضح أن نسب التلوث في ازدياد مستمر، من دون وجود أي حلول مطروحة، وما زلت أحمل على عاتقي مهمّة التوعية بخطر ارتفاع نسب التلوث التي ستخلق اعتلالاً في التوازن البيئي“.

مصايف على حافة التلوّث

على الرغم من التحذيرات العديدة التي قام بها مكتب الإصحاح البيئي، واللوحات الارشاديّة التي تحذّر من السباحة على الشواطئ الملوّثة، إلا أن النشاط التجاري كان مختلفاً، وفي ازدياد مستمر، وخارقاً للقوانين التي وضعت احترازاً.

فبعد إعلان الناطق باسم حكومة الوحدة الوطنية محمد حمودة في مؤتمر صحافي عُقد في مجلس الوزراء في الثامن من تموز/ يوليو الجاري، عن تطبيق الإجراءات الاحترازية، وإيقاف الدراسة في الجامعات، وتعليق عمل المقاهي، افتتح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في الثاني عشر من تموز/ يوليو مصيف الليدو.

الليدو واقع في وسط العاصمة طرابلس، ويُعد أحد أكبر الشواطئ المتضررة من التلوث بمياه الصرف الصحي، نظراً لقربه الجغرافي من خط التفريغ الرئيسي في منطقة حي الأندلس.

وفي حفل الافتتاح، أعلن الدبيبة عن افتتاح الفرع الجديد للمشروع التجاري الشهير كافي لاتيه وسط المصيف البحري المجدد خارجياً.

حاولنا التواصل مع القائمين على المشروع للتحقق من مدى إدراكهم مضارّ مياه البحر، وما يحيط بها في المساحة الجغرافية المقام عليها المشروع، إلا أن التجاوب كان معدوماً.

في المقابل، صرّح وزير البيئة في حكومة الوحدة الوطنية إبراهيم العربي عبر صفحة الوزارة على فيسبوك، بمنع السباحة في شاطئ بحر المصيف.

وهذا تضاربٌ في وجهات النظر داخل الحكومة ذاتها التي افتتح رئيسها المصيف، والذي تنبِّه إحدى وزاراتها بخطورة افتتاحه.

مصيف الليدو ليس الأول من نوعه، إذ سبقته مصايف ممتدة على طول الخط الساحلي من جنزور غرباً، وصولاً إلى تاجوراء شرقاً، وبأسعار يشتكي المواطنون دوماً من ارتفاعها مقارنة بسقف الخدمات المقدمة، وسوء الوضع البيئي.

ذهول واستياء أصابا فئة كبيرة من المواطنين، خصوصاً بين صفوف الطلاب الذين كانوا يتجهزون لإنجاز امتحاناتهم النهائية وسط الظروف القهرية.

رحاب مرغم، طالبة في السنوات الأخيرة في كليّة الطب البشري، شاركت حزنها بسبب انعدام الاتزان في القرارات الحكومية عبر صفحتها على فيسبوك، قائلة: “إنّ الرعب الحقيقي هو أنّ النظرة للخلف بعد مضي العمر لن تصوّر لنا عجزنا الحالي عن تحريك ساكن“.

خطر صحي يتجاوز الضرر البيئي

خلال التحاليل التي تُجرى بشكل دوري لعينات من مياه شواطئ طرابلس، تبين أن وجود بكتيريا إي كولاي يُعد عنصراً أساسياً في التركيبة الملوثة.

وصرحت الدكتورة أريج السيفاو لرصيف22، بالدورة الطبيعية لهذه البكتيريا، وعلاقتها بالأضرار الصحية الناتجة عن السباحة في المساحات الملوثة، قائلةً: “الموقع الطبيعي لهذه البكتيريا هو في الجهاز الهضمي، وتحديداً في المستقيم، ولكن الظروف غير الطبيعية تجعلها تتحوّر لتصبح بكتيريا ضارّة تهاجم الجهاز الهضمي كله، وتخلق أعراضاً أبرزها الإسهال والقيء، وتختلف المضارّ المتوقعة منها وفقاً للبيئة المحددة للإصابة، فمن الممكن أن تهاجم البكتيريا الجهاز البولي لتسبب خللاً في ما يعرف بالمسالك البولية، والتي تُعد في مستوى متقدّم من الإصابات المرضية“.

وإذ تتجاوز التركيبة الملوثة للمياه وجود هذه البكتيريا وفقاً للدراسة التي أجريت عام 2016، على المنطقة الساحلية ذاتها، فإن خطر انتقال الميكروبات، والفيروسات الطفيلية، مرتفع إذ إن أكثر من 50 في المئة من العينات التي أُخذت خلال الدراسة، قد أثبتت تلوثها بالفيروسات الطفيلية المسببة لأمراض أخرى، مثل الأسكارس، واللمبريكيويد.

نظرة إلى المستقبل المليء بالمخاطر البيئية

ريما إبراهيم إحدى الشابات الناشطات في المجال البيئي، والتي كان لها صوت واضح في الحادث الأخير عبر حسابها على تويتر عبر الثريد الذي صنعته حول ارتفاع منسوب التلوث.

صرحت ريما لرصيف22 بمخاوفها قائلةً: “التنوع البيولوجي في خطر حقيقي جراء ارتفاع منسوب التلوث، وأبرز المسببات توقف محطات المعالجة البالغ عددها 75 محطةً، بالإضافة إلى انعدام سياسات التخلّص الآمن من مياه الصرف الصحي، وإعادة تدويرها لاستعمالها مرّة أخرى في الرّي. التخوّف الآن من استمرار الأمر.

والدراسات المحلية التي استهدفت عدداً من المدن الساحلية بما فيها طرابلس، أوضحت أن ارتفاع منسوب تلوث مياه البحر، يطال المياه الجوفية، ونتيجةً لضعف الخدمات، فإن اعتماد السكان في هذه المدن على المياه الجوفية للشرب، والاستخدام المنزلي، مؤشر واضح لتهديد التلوث الصحة العامة للسكان“.

تخوفات بيئية وصحية ما زالت مهملة على الرغم من المناشدات العديدة، والمطالبات بضرورة الإسراع في تطبيق الحلول خوفاً من تفاقم الأزمة، ووصولها إلى نقطة لا عودة منها إلى الوراء، لعلّ البعض يرى أن مسألة تلوث مياه الشواطئ بالمخلفات العضوية، هو أمر ثانوي وسط قائمة الاحتياجات العاجلة لليبيين. ولكن الحقيقة أن مدى تأثيرها لا يقل أهمية عما سبقها، إلا في اختلاف تدرجات التأثر بين الحاضر والمستقبل.

________________

مواد ذات علاقة