خيري عمر

مع اقتراب موعد الانتخابات الليبية في ديسمبر/ كانون الأول المقبل، تتزايد حدّة الجدال بشأن تهيئة المناخ السياسي والترتيبات اللازمة لوقف إطلاق النار وتطوير المناقشات الجارية.

الجزء الأول

وإلى جانب انعقاد اجتماع برلين في 23 يونيو/ حزيران الماضي (2021)، ظهرت مناقشاتٌ متعدّدة، محلية ودولية، تناولت مسألتي المكونات العسكرية الأجنبية في ليبيا والترتيبات اللازمة للانتخابات.

وبغض النظر عن إثارة النقاش عن المكونات العسكرية، فإنّ اتجاهات تناول الانتخابات تثير التساؤل عن مدى ارتباطها بوجود أطراف عسكرية أجنبية ودور الأمم المتحدة، وطبيعة تأثير التناقضات المحلية.

كان حضور ليبيا؛ حكومة الوحدة الوطنية، في اجتماع برلين، متغيراً مهماً، ما يعني انحسار الولاية الدولية جزئياً، حيث تبدو تفاصيل البيان الختامي كاشفةً عن نوعية من القيود على الشخصية الاعتبارية للدولة.

وإلى جانب التفاصيل الكثيرة عن مهام المرحلة المؤقتة وترتيباتها، شكلت الفقرة الخامسة قلب بيان برلين، عندما أشارت إلى التصدّي للأسباب الأساسية للنزاع، لتمكين ليبيا من السيادة الوطنية.

ولذلك، تضمن نقطتين:

الأولى، تصدّى الاجتماع لوجود الجماعات المسلحة والقوات الأجنبية، وفقاً للقرار 2570/ الفقرة 12 والصادر في إبريل/ نيسان 2021، إذ تبنّى السحب الفوري لجميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، وذلك بالإضافة إلى إصلاح القطاع الأمني، وخضوعه لرقابة مدنية.

الثانية، فهي أنّ إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ديسمبر/ كانون الأول 2021 يشكل أساس تطوير السلام وفقاً لخريطة الطريق في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، وفق إطار دستوري يُتفق عليه، وذلك بجانب تهيئة المناخ، بما يشمل معالجة انتهاكات حقوق الإنسان، ودعم المصالحة الوطنية وعودة النازحين وتحسين البيئة الاقتصادية والسياسات العامة.

جدل القوات الأجنبية

قبل انعقاد اجتماع برلين الثاني، شغل وجود المكونات العسكرية الأجنبية حيزاً واسعاً في تصريحات بعض الدول الأوروبية، والولايات المتحدة ودول الجوار ومواقفها.

وفي هذا السياق، اقترحت فرنسا مبادرة تقوم على ثلاث مراحل، تبدأ بخروج المرتزقة السوريين، ثم خروج مرتزقة فاغنر” (الروسية) والقوات التركية النظامية، وأخيراً توحيد الجيش الليبي، وهي سلسلة إجراءاتٍ تراعي الوضع القانوني، غير أنها تعاني نقصاً في كيفية ملء الفراغ بعد مغادرة الجهات الأجنبية، خصوصاً في ظلّ الصراع بشأن المكونات الأمنية والعسكرية الليبية وتداعياته السلبية على الوضع الانتقالي.

على الرغم من اختلاف طبيعة المكونات العسكرية، هناك إجماع على حلّ مشكلة السلاح والمرتزقة الأجانب.

وبمراجعة تصريحاتٍ عدة، تبدو المواقف الأوروبية والأميركية متطابقة تجاه المقاتلين الأجانب، وهي تقوم على ضرورة مغادرة القوات التركية، وفاغنرباعتبارها فرعاً للحكومة الروسية، والمقاتلين السوريين والتشاديين والسودانيين، مع احترام حظر السلاح.

وقد حاول السفير الأميركي، نورلاند، في حواره مع صحيفة الجمهورية أون لاينفي 23 مايو/ أيار 2021، إظهار التقارب مع مصر في الحل السياسي وتسوية وضع العسكريين الأجانب واحتضان اللجان النشطة المعنية بتسيير المرحلة الانتقالية، إذ يرى أنّ التدخل الروسي في ليبيا وسورية يعوق إعادة الإعمار ويمثل عبئاً على السكان، وهي لغة تعني ربط وجودها بالحرب الأهلية ومحفزاً على الفوضى.

وعلى الرغم من اختلاف طبيعة المكونات العسكرية، هناك إجماع على حلّ مشكلة السلاح والمرتزقة الأجانب.

هذه الجزئية يمكن فهمها في سياقين مختلفين:

الأول يتعلق بمساعي الأوروبيين إلى استعادة زمام المبادرة في الشؤون الليبية، وهو ما يشكّل نطاقاً واسعاً ينظر إلى الوجود العسكري لأطراف أخرى عامل مزاحمة على النفوذ وإعادة هيكلة العلاقات الليبية الخارجية.

الثاني، يظهر تلاقي دول جوار ليبيا على وجود تهديدٍ نتيجة اختلاف العقيدة العسكرية وتخزين العتاد والجنود الأجانب.

ويمكن النظر إلى الموقف المصري من وجهة أنّ وجود المنظمات المسلحة وتزايد نفوذ تركيا وروسيا سوف يؤثّر على طريقة تكوين النظم الأمنية والعسكرية، وزيادة حدة الصراع الدولي.

وعلى خلاف ذلك، ذهبت تركيا إلى التمييز ما بين المرتزقة ووجود القوات وفق اتفاقية عسكرية وأمنية، فيما اكتفت روسيا بالسكوت، غير أنّها، بحسب تصريحات وزير الخارجية، سيرغي لافروف، اعتبرت وجود فاغنروما يقرب من 30 طائرة مقاتلة معزّزاً للاستقرار.

قد يكون التوجه الروسي تفسيراً لاستمرار وقوع ليبيا تحت حالة تهديد السلام والأمن، حسب القرار 2213 (2015)، وهو ما يُفرغ القرار 2750 واجتماع برلين من الحجيّة القانونية، ويضع مسألة وجود القوات الأجنبية في نطاق الصراع والمساومات السياسية.

وإزاء هذا الخلاف، صدر البيان الختامي من دون تعديل، ومرفقاً بتحفظ تركي، وهو ما يعني تأجيل النقاش حولها لمساومات ثنائية أو جماعية.

اقترح 51 عضواً في مجلس النواب، في العاشر من يونيو الماضي، اعتماد مسوّدة الدستور لدورة برلمانية واحدة.

وعلى الرغم من ظهور موضوع المقاتلين الأجانب عاملاً مشتركاً في المناقشات الدولية، تفتقر معالجته إلى آلية الإحلال المتزامن بين حلّ مشكلات السلاح وبناء الجيش من ناحية وترتيب سحب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا من ناحية أخرى، بحيث يضمن سلاسة الانتقال الأمني والعسكري.

وإذا ما رجعنا إلى المبادرة الفرنسية، فإنّه يمكن ملاحظة أنّها تتبنّى سلسلة ترتيبات متتابعة من دون وضع طريقة لملء الفراغ، ما يزيد من المخاطر الأمنية، بسبب ربطها بتوحيد الجيش أو تأهيل المسلحين ودمجهم، ما يساعد على ظهور أزماتٍ جديدة.

***

خيري عمر ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة صقريا، حصل على الدكتوراة والماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وعمل باحثاً في عدة مراكز بحثية. ونشر مقالات وبحوثاً عديدة عن السياسية في أفريقيا ومصر والشرق الأوسط .

_________

مواد ذات علاقة