حمزة المؤدّب

تستند هذه الدراسة إلى مقابلات مع تجار ومهربين وأعضاء في جمعيات تجارية وخبراء اقتصاديين وموظفين حكوميين وعناصر في أجهزة الأمن التونسية، أُجريت في العاصمة تونس وفي المدن الحدودية التونسية الليبية خلال صيف وخريف العام 2020.

الجزء الأول

تعكس شبكات التجارة غير الرسمية في تونس توجّهًا متناميًا يتمثّل في التحوّل التدريجي للتجارة التونسية بعيدًا من أوروبا، وصعود تركيا والصين كشريكين تجاريين أساسيين لتونس.

على الرغم من المقاربة الأمنية المشددة التي اعتُمِدت عند الحدود البرية لتونس، تستمر التجارة غير الرسمية عبر الحدود في الازدهار. لقد أُغلِقت الممرات البرية لكن النشاط المستمر على قدم وساق في الممرات البحرية عوّض عن هذه الخسارة، ما أتاح للسلع الاستهلاكية التركية والآسيوية التي تناسب القدرة الشرائية المتدهورة للتونسيين بالدخول إلى الأسواق المحلية. وتُعزى ديناميكية الممرات البحرية التونسية إلى حد كبير إلى ظهور صغار روّاد الأعمال والدخلاء غير المحظيين الذين يعملون بطريقة غير رسمية من خلال الشبكات التجارية التي تربط بين الموانئ التونسية والآسيوية.

وقد اعتمدت بعض الشركات الراسخة أيضًا استراتيجيات غير رسمية للالتفاف على الحواجز والقيود التجارية التي تعترض التجارة الثنائية بين تركيا وتونس. يعكس صعود هذه الشبكات والمقاربات غير الرسمية توجهًا متناميًا يتمثل في التحوّل التدريجي للتجارة التونسية بعيدًا من أوروبا وصعود تركيا والصين في موقع الشريكين التجاريين الأساسيين لتونس.

مقدّمة

منذ العام 2013، أدّى تدهور الأوضاع الأمنية في تونس، والذي تجلّى بصورة خاصة من خلال اغتيال الشخصيتين السياسيتين التونسيتين شكري بلعيد ومحمد براهمي في العام 2013 والهجمات الإرهابية على السيّاح الأجانب في العام 2015، إلى مزيد من التشدد في ضبط الأمن عند المناطق الحدودية بين تونس والدول المجاورة.1 ولكن على الرغم من اعتماد إجراءات أكثر تشددًا لضبط الحدود، لم تتمكن السلطات التونسية من الحد من علاقات التجارة غير الرسمية عبر الحدود. فقد اخترقت كميات البضائع الكبيرة المستورَدة بطريقة غير قانونية أو عن طريق الاحتيال الاقتصاد التونسي بصورة متزايدة، سواء من خلال الممرات البرية التي تربط تونس بالدول المجاورة (وتحديدًا ليبيا والجزائر) أو من خلال الممرات البحرية التي تربط الموانئ التونسية بالأسواق الآسيوية.

على مر السنين، ركّزت الحكومة والمراقبون التونسيون عادةً على المسائل الأمنية المتعلقة بازدهار التهريب عبر الممرات البرية. ولكن هذه المقاربة تحجب أهمية التجارة غير الرسمية التي تتم عن طريق الممرات البحرية. يقول وزير سابق للتجارة في تونس إن الممرات البرية تمثّل 15 إلى 20 في المئة فقط من مجموع التجارة غير الرسمية في البلاد.2 وليست هيمنة التجارة عبر الممرات البحرية ظاهرة جديدة، فقد كان عددٌ كبير منها يعمل في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

ولكن بعد فرض الإغلاق والقيود على الممرات البرية، ولا سيما عند الحدود التونسيةالليبية بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا والإجراءات الهادفة إلى القضاء على شبكات التهريب المرتبطة بالمجموعات الإرهابية، أصبحت الممرات البحرية المعابر الأبرز للتجارة غير الشرعية عبر الحدود.3 ويسلّط ازدهار هذه الشبكات البحرية الضوء أيضًا على صعود الصين وتركيا في موقع الشريكتَين التجاريتين الأساسيتين لتونس خلال العقد المنصرم.

منذ العام 2011، تتطوّر التجارة غير الرسمية عبر الحدود وتتكيّف مع التغييرات الأمنية والتنظيمية على الأرض. فالسلطات التونسية في المناطق الحدودية تتعامل مع الوضع من منظور تبسيطي وساذج بحيث تخلط بين التجارة غير الرسمية من جهة والتهريب والإرهاب من جهة ثانية، ولذلك تضرب بيد من حديد لكبح النشاط التجاري غير الرسمي.

صحيحٌ أن هذه المقاربة أدّت إلى خفض كميات البضائع التي تمرّ عبر الحدود، ولكن كان لها تأثيران عكسيّان أساسيان: فقد أصبحت الشبكات العابرة للحدود في المناطق الحدودية أكثر براعة في التهرّب من الضوابط التي تفرضها الدولة، وباتت الموانئ مراكز أكثر أهمية للتجارة غير الرسمية. إضافةً إلى المرونة التي أظهرتها الشبكات التجارية غير الرسمية (وكذلك غير الشرعية)، ثمة تطوّر أقل وضوحًا للعيان إنما لا يقل أهمية، وهو أن الطرقات البحرية والتجارة غير الرسمية عن طريق الموانئ أدّت دورًا أساسيًا في تزويد الاقتصاد التونسي بمعدّات وسلع استهلاكية أكثر تنافسية مصدرها الصين وتركيا. تعكس ديناميكيات هذه الطرقات التجارية البحرية تحوّلًا استراتيجيًا وتدريجيًا في العلاقات التجارية التونسية مع تركيا والصين، وانفصالًا تدريجيًا عن أوروبا.5

التجارة عبر الحدود في عهد بن علي

لطالما كانت التدفقات التجارية غير الرسمية قوّةً محرّكة في الاقتصاد التونسي، ولا سيما بسبب روابطها غير القانونية مع السلطات الحكومية. وفي عهد بن علي الذي حكم البلاد طوال ثلاثة وعشرين عامًا، كان طريقان أساسيان للتجارة غير الرسمية (إضافةً إلى عمليات تهريب أصغر نطاقًا) يؤمّنان نقل الواردات إلى المستهلكين التونسيين: الأول برّي، والثاني بحري.

والطريق الأول المعروف بـالخطكناية عن الطريق البري الذي يربط تونس بليبيا.6 وشكّل الخططريقًا تجاريًا حيويًا منذ نهاية الثمانينيات، وكان ضباط الجمارك عند هذا الخطيتعمّدون تحديدتعرفة السلع بأقل من قيمتها الفعلية مقابل عمولات يحصلون عليها من التجّار الذين يستوردون البضائع.7 وفي بعض الأحيان، لم تكن البضائع تُدوَّن في السجلات إطلاقًا، من دون تحديدقيمتها، وبالتالي كانت المبالغ الوحيدة التي تُدفَع مقابل إدخالها إلى البلاد هي الرشاوى التي يسدّدها المستورِد للمسؤولين عند الحدود.

وقد أدّى الخطدورًا مهمًا في تزويد الاقتصاد التونسي بمجموعة واسعة ومتنوّعة من البضائع، بما في ذلك الأدوات المنزلية والملابس والمعدّات والأجهزة الإلكترونية، علمًا بأن الوقود المستورَد من ليبيا المجاورة كان على الأرجح السلعة الأكثر أهمية.8 وكانت هذه البضائع تُشحَن عن طريق معبر رأس جدير الحدودي في شمال غرب ليبيا، على مقربة من البحر المتوسط. ولم تكن التجارة غير الرسمية تقتصر على الحدود التونسيةالليبية. فقد عرفت الحدود التونسيةالجزائرية ديناميكية مماثلة من خلال طرقات تجارية وعمليات تهريب أصغر نطاقًا.

طبعت هذه الطريق البرية الاقتصاد الحدودي التونسيالليبي. وقد سمحت الأجهزة الأمنية بالتجارة غير الرسمية عبر الحدود على الرغم من فرض ضوابط شديدة عليها. وكان هذا القبول جزءًا من مقاربة منخفضة الكلفة للحوكمة في المناطق الحدودية. فنظرًا إلى غياب التنمية المدعومة من الحكومة في المناطق الحدودية بصورة عامة، كانت هذه المناطق أكثر قابلية لعدم الاستقرار والاحتجاجات في حال رفضت السلطات الجمركية والشرطة التحلي بالمرونة واختارت بدلًا من ذلك مكافحة التجارة غير الرسمية عبر الحدود.

وقد أدركت الأجهزة الأمنية التونسية هذه المعوّقات، لذلك رأت في الخطصمام أمان من شأنه الحؤول دون اندلاع احتجاجات اجتماعية وإبقاء البطالة والفقر تحت السيطرة في المناطق الحدودية حيث كانت الاستثمارات العموميّةضئيلة جدًّا.9 فبالنسبة إلى السكان الذين عانوا مطوَّلًا من إهمال الدولة لهم على المستويَين الاجتماعي والاقتصادي، غالبًا ما كانت المداخيل التي يحصلون عليها من التجارة غير الرسمية البديل الحيوي الوحيد. وكان تسامح الأجهزة الأمنية أيضًا مكوّنًا ضروريًا في حوكمة هذه المناطق،ماساهم في تشجيع المحسوبيات بين التجّار وأصحاب محلاّت الصرافة.

وكان السماح بممارسة التجارة عبر الخطمرتبطًا بقبول التجّار لمنظومة غير رسمية تتّصف بالزبائنية والفساد.10 ونتيجةً لذلك، باتت التجارة غير الرسمية عبر الحدود جزءًا لا يتجزأ من الميثاق الاجتماعي الضمنيبين نظام بن علي وسكان هذه المناطق، وعنصرًا أساسيًا في إرساء الاستقرار وبسط الدولة سيطرتها في الأراضي الحدودية.

طوال عقود، حجبَ التركيز على طرقات التهريب البرية والتحديات الأمنية المحتملة التي يطرحها تدفّق البضائع والأشخاص بطريقة غير قانونية عبر الحدود، الممر الثاني للتجارة غير الرسمية في تونس، وقوامه الشبكات البحرية، علمًا بأن هذه الشبكاتكانت ولا تزال القناة الطاغية لتدفّق البضائع بطريقة غير رسمية. فمثلما هو الحال مع الطرقات البرية، سعى عدد كبير من التجّار الناشطين عبر الطرقات البحرية إلى التهرّب من سداد تعرفات الاستيراد المفروضة على البضائع المنقولة بحرًا، وذلك من خلال التلاعب بأسعار السلع التي يتم إدخالها إلى البلاد، وكمياتها ونوعياتها عبر تحديدها بأقل من قيمتها الحقيقية.

وقد نمت الشبكات البحرية في عهد بن علي وازدهرت لأسباب عدة. فقد كان بإمكان التجّار الذين يستوردون البضائع عبر البحر إحضار كميات أكبر من السلع مقارنةً بالطرقات البرية، فيما يستفيدون من التساهل الأكبر في إجراءاتالتسجيل وتنفيذ القوانين، ومن فرص إضافية بتسديد ضرائب منخفضة من خلال التلاعب بالفواتير التي تُحدّد الأسعار بأقل من قيمتها الفعلية. واستفادت الشبكات البحرية أيضًا من تضخيم فواتير الواردات لأن ذلك يُسهّل هروب الرساميل بالعملات الصعبة، الأمر الذي يتيح بدوره مراكمة الرساميل بالعملات القوية بطريقة غير شرعية ما يسمح باستيراد المزيد من السلع.

***

حمزة المؤدّب هو باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثه على الإصلاح الاقتصادي، والاقتصاد السياسي للنزاعات، وانعدام الأمن على الحدود في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

______________________

مواد ذات علاقة