حمزة المؤدّب

تستند هذه الدراسة إلى مقابلات مع تجار ومهربين وأعضاء في جمعيات تجارية وخبراء اقتصاديين وموظفين حكوميين وعناصر في أجهزة الأمن التونسية، أُجريت في العاصمة تونس وفي المدن الحدودية التونسية الليبية خلال صيف وخريف العام 2020.

الجزء الثالث

تباطؤ الاقتصادات الحدودية والاستقطاب بين الشبكات العابرة للحدود

تسبّبَ تشديد الإجراءات الأمنية في المناطق الحدودية والحملة المكثّفة للقضاء على شبكات التهريب مع ليبيا بزيادة كبيرة في الأكلاف التشغيلية للشبكات التجارية  عبر الحدود البريّة، وبالحد من تدفقات السلع والمنتجات التي كانت تمدّ الاقتصاد التونسي باحتياجاته. كذلك أدّت التغييرات التي شهدتها ليبيا، بما في ذلك هبوط أسعار النفط وإصلاح نظم الدعم الحكومي، إلى تباطؤ نشاط الاقتصاد الحدودي.

لا تزال الضوابط المتزايدة التي تفرضها الشرطة والجيش والجمارك عند الحدود الليبية تعرقل التجارة غير الرسمية عبر الحدود. ولكن هذه الإجراءات التي ترتد بنتائج عكسية أدّت إلى تقسيم مجتمع التجّار بين تجّار بريين كباروصغارعند الحدود الليبية، والأهم من ذلك، أتاحت هذه الإجراءات توسيع الشبكات البحرية غير الرسمية العابرة للحدود، التي استغلت تهميش الخطلملء الفراغ الاقتصادي في تونس.

وعلى الرغم من تعزيز الإجراءات الأمنية عند المناطق الحدودية، لم تتمكن السلطات التونسية من القضاء كليًا على ممر الخطالبري. ومع أن الحكومة تحدثت عن مصادرة ما يزيد عن 2.5 مليارَي سلعة مهرَّبة في الفترة الممتدة فقط من كانون الأول/ديسمبر 2015 إلى كانون الثاني/يناير 2016، تشير تقارير أخرى إلى استمرار أنشطة التهريب نظرًا إلى الخروقات التي يتعرض لها السياج والفساد المستشري في أوساط حرس الحدود. إضافةً إلى ذلك، أمّنت القيود المفروضة على حركة السلع غير الرسمية منافع لشبكات التهريب الأوسع والمنظَّمة جيدًا التي تواصل عملها بعدما باتت تواجه منافسة أقل من صغار المشغّلين. يتعامل التجّار الكبارمع مستودعات وجهات شحن تعمل لحسابهم، ويستخدمون ليبيا بمثابة نقطة عبور.

تُسلَّم البضائع المستورَدة بصورة أساسية من تركيا والصين في ليبيا حيث تُخزَّن أيضًا، ثم تُنقَل إلى تونس من خلال ترتيبات مع الأجهزة الأمنية التونسية والمجموعات المسلّحة الليبية. أما التجّار الصغارالذين ينقلون بضائعهم عن طريق الخط، فهم مجرد باعة في أسواق الشوارع أو عمّال شحن يزوّدون المتاجر في هذه الأسواق بالبضائع. لقد ترك المشهد الأمني المفكّك في غرب ليبيا صغار التجّار التونسيين تحت رحمة القوى التي تسيطر على الجانب الليبي من معبر رأس جدير. وحتى فيما تعمل الشبكات الكبرى بسهولة نسبية، غالبًا ما يتعرّض صغار التجّار للابتزاز من المجموعات المسلّحة التي تسيطر على الطرقات التجارية.

لقد أدركت تونس ضرورة التخفيف من الضغوط على المناطق الحدودية، فسمحت لمجموعات مدنية محدّدة الهدف وبلديات محلية بالانخراط في مبادرات شعبية وفي الدبلوماسية القائمة على التواصل بين الأشخاص على الأرض، ما أسفر عن اتفاقات حول التجارة الحدودية مع مراكز نفوذ محلية ليبية. وقد أصبحت هذه الاتفاقات الشعبية التي أطلقها أفرقاء غير دولتيين وأبرموها في ما بينهم المعيار السائد. ولكن نظرًا إلى هشاشة الوضع الأمني والخصومات بين الفصائل الليبية، فشلت هذه الاتفاقات في تأمين آليات مستدامة للتجارة تحتاج إليها الأراضي الحدودية الواقعة شرق تونس كي تتمكن من الصمود والاستمرار.

والأهم من ذلك، يعاني المشهد التجاري التونسي أيضًا الانقسام والتجزئة، ويشوبه الاستقطاب بين الأفرقاء الذين تحرّكهم مصالح متباينة. فالمجموعات المدنية وصغار التجّار الذين يريدون انتزاع اتفاق دائم لدعم مستقبلٍ اقتصادي حيوي، يقبلون بالسقف الذي تفرضه السلطات الليبية على قيمة البضائع التي تُشحَن من ليبيا في إطار معركتها ضد التهريب وإدارتها نقص السلع الذي يعانيه الاقتصاد الليبي.

على النقيض، يسعى كبار التجار إلى التحرر من الاتفاقات والترتيبات المعمول بها عند الحدود من أجل تحقيق الحد الأقصى من الأرباح والحصة السوقية. وهم يملكون القدرة على دفع الأموال للقوى الأمنية التونسية والمجموعات المسلحة الليبية من أجل الحصول بطريقة حصرية على بعض السلع وتأمين نقلها عبر تونس.

بعد إغلاق معبر رأس جدير في صيف العام 2018 إبان اندلاع نزاع هناك بين السلطات التونسية والليبية، نظّمت نقابة التجّار في بلدة بنقردان جنوب شرق تونس اعتصامًا رفعت فيه الشعار التالي سيب نسيب، في رسالة موجَّهة إلى ليبيا بأنه لن يُؤذَن للمسافرين الليبيين بالدخول إلى تونس للحصول على الرعاية الصحية أو بداعي السياحة إذا لم يُستأنَف السماح بعبور البضائع. وبعد اجتماعات عدّة عُقِدت بين ممثّلي المجتمع المدني في جهتَي الحدود، جرى التوصّل إلى اتفاق مع الليبيين (إنما تحت ضغوط شديدة) قامت القوى الأمنية التونسية على إثره بفضّ الاعتصام.

وقد أجاز هذا الاتفاق لكل مسافِر، ويُفهَم منه تاجر في الحالة التونسية، بنقل كميات صغيرة من البضائع المختلفة (مثلًا: مكيّفان هوائيان، أو ثلاثة إطارات، أو بضع عبوات وقود)، على ألا تتعدّى القيمة الإجمالية لهذه البضائع 10000 دينار ليبي (2225 دولارًا أميركيًا)، مقابل ضريبة قدرها 450 دينارًا تونسيًا (أي نحو 165 دولارًا) تُسدَّد للسلطات الجمركية التونسية. ولكن هذا الاتفاق كان ليُعرقل أنشطة كبار التجّار الذين ينقلون كميات كبيرة من البضائع من ليبيا.

فمن مصلحة هؤلاء ألا يكون هناك سقفٌ لقيمة السلع التي يُسمَح بشحنها، أو أقلّه أن يتأكدوا من أن السقف مرتفع بما فيه الكفاية ليتمكنوا من جني الأرباح من هذه الترتيبات. وقد نجح كبار التجّار في إسقاط هذا الاتفاق في أيلول/سبتمبر 2019 وتفاوضوا لرفع سقف قيمة السلع المستوردة إلى 150000 دينار تونسي (54500 دولار) مع تحديد الضريبة على هذا المبلغ بـ3500 دينار تونسي (1275 دولارًا). وبعد بضعة أيام، أُلغي السقف تمامًا.

وانضّم إلى المهربين التونسيين الكبار في مفاوضاتهم حليف مهم من الجانب الليبي يتمثّل في وكلاء شحن مدينة زوارة، يعملون بالقرب من معبر رأس جدير الحدودي. ولا يُعتبر هؤلاء هيئة رسمية، بل سماسرة يتقاضون أموالهم من كبار التجار لقاء تسهيل التبادلات التجارية عند معبر رأس جدير حيث أقاموا مكاتب لهم. وأثناء صياغة الاتفاق الذي حصل عليه صغار التجار، والذي حدّد سقف 10000 دينار ليبي على البضائع، حمل وكلاء شحن زوارة السلاح وتجمّعوا أمام مبنى بلدية زوارة، على الجانب الليبي من الحدود، للتنديد به.

ووصف أحد أعضاء جمعية تجار بنقردان ما حصل قائلًا: “لقد حاصروا البلدية وتمكنوا من عرقلة الاتفاق خلال 24 ساعة“. أما على الجانب التونسي، فينسّق وكلاء شحن زوارة مع سماسرة تونسيين يعملون كوسطاء لتسهيل مرور البضائع مستفيدين من علاقاتهم مع الفروع الأمنية المتعددة في تونس. لهذه الأسباب، لا يعتبر وكلاء الشحن الليبيين في زوارة والسماسرة التونسيين أن إبرام اتفاق لتحديد سقف الواردات وفرض ضريبة ثابتة يصبّان في صالحهم، نظرًا إلى أنهم يستفيدون من حالة غياب الشفافية على الحدود وإمكانية التفاوض بشأن قيمة الضريبة بشكل غير قانوني.

أدّىتدهور الوضع الأمني وتنامي التوترات في رأس جدير إلى صعود الشبكات التي تعمل في الجزء الجنوبي من الحدود مع ليبيا و خصوصًا في محيط بلدة ذهيبة التونسية. وقد انخرط المهربون العاملون في ذهيبة، التي تشكّل معبرًا حدوديًا ثانويًا في منطقة تطاوين الواقعة جنوب تونس، على مقربة من الحدود الليبية، في عملية نقل البضائع في إطار سلسلة توريد تمتد من طرابلس إلى بنقردان وغيرها. وباتوا شركاء لتجار بنقردان الذين كانوا يبحثون عن ممرات أخرى لعبور السلع الخاضعة إلى ضرائب مرتفعة أو المحظورة، كالتبغ مثلًا.

ويتولّى مهرّبو ذهيبة نقل البضائع من بلدة وازن الليبية المجاورة إلى ذهيبة، وتضمّ سلسلة النقل الخاصة بهم ليبيين، ما يضفي على تجارتهم طابعًا أكثر أمانًا ويوفر حافزًا لتقاسم المكاسب. وفي إشارة واضحة إلى قدرة الشبكات الرئيسة العاملة عبر الحدود على التكيّف خلال السنوات الأخيرة، بات المهربون الكبار يمتلكون الآن سيارات تويوتا رباعية الدفع من طراز لاند كروزر، وهي من بين السيارات القليلة التي يمكن قيادتها في الصحراء، والقادرة على اجتياز الكثبان الرملية، والمفيدة في المطاردات مع القوات الأمنية. يبدو من الواضح إذًا أن المهربين الصغار الذين لا يملكون سوى وسائل محدودة لا يمكنهم التنافس مع هذه المجموعات التي تتمتّع بتنظيم جيد وتحظى بدعم كبير.

مع ذلك، يواجه الاقتصاد الحدودي صعوبات جمّة بسبب حالة اللايقين السائدة على الحدود التونسية الليبية، والناجمة عن المشهد الأمني الفوضوي وعمليات الإغلاق غير المتوقعة. وحدها أقوى الشبكات غير الرسمية استطاعت الاستمرار في ممارسة أنشطتها التجارية. وعلى الرغم من أن الاقتصاد الحدودي شكّل مصدر دخل لآلاف الأشخاص من سكان المناطق الجنوبية في تونس، وساهم في تزويد أسواق المناطق الداخلية باحتياجاتها، لم يعد الوضع كذلك اليوم.

فقد انخفضت كميات البضائع المنقولة انخفاضًا حادًا، وبات من الضروري الاعتماد على شبكات المهربين الكبار التي باستطاعتها التعامل مع الوضع المحلي غير المستقر. وفي ظل تراجع الأنشطة التجارية عبر الممرات البرية، يسعى التجار الذين يزوّدون الأسواق والبازارات التونسية بالسلع إلى تأمين سلسلة توريد عبر الممرات البحرية.

علاوةً على ذلك، أدّى قمع المورّدين البريين التونسيين والليبيين إلى إعادة تشكيل الشبكات العابرة للحدود من خلال تحفيز النشاط في الممرات البحرية. وفيما يتمّ استبدال سوق بنقردان بحركة ناشطة جدًّا في الموانئ التونسية مثل سوسة وصفاقس وتونس العاصمة، بات حتى كبار التجار العاملين برًّا يواجهون صعوبة في منافسة التجار والشبكات العاملة بحرًا.

إضفاء طابع غير رسمي على التجارة الدولية وانخراط الشركاء التجاريين في الشبكات العابرة للحدود

شهدت الحكومات التي تشكّلت في تونس خلال مرحلة ما بعد العام 2011 ارتفاعًا مطردًا في أنشطة التجارة غير الرسمية عبر الممرات البحرية. وشكّل تشديد الإجراءات الأمنية عنصرًا حاسمًا في إعادة تنظيم الشبكات التجارية غير الرسمية. فقد بات التجار التونسيون الذين كانوا يستوردون السلع المنتجة في الصين أو تركيا عبر الطرق البرية من ليبيا يعتمدون بدلًا من ذلك على الشبكات البحرية والموانئ التونسية.

يُشار في هذا الإطار إلى أن الكثير من هؤلاء عبارة عن جهات غير رسمية، لكن بعض الشركات العاملة في الاقتصاد الرسمي كانت مستعدة لتبني استراتيجيات اقتصادية غير رسمية بهدف خفض تكاليفها، وتجاوز القيود المفروضة على التجارة بين تونس وتركيا منذ العام 2018، والالتفاف على الأنظمة وخفض الضرائب المفروضة على السلع الصينية المستوردة.

***

حمزة المؤدّب هو باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثه على الإصلاح الاقتصادي، والاقتصاد السياسي للنزاعات، وانعدام الأمن على الحدود في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

____________________

مواد ذات علاقة