الهادي بوحمرة

منذ تاريخ إقراره من الهيئة التأسيسية بتاريخ 20 يوليو 2017 ومشروع الدستور يتعرض للتحليل والفحص والتدقيق والنقد؛ سواء من قبل منظمات دولية أو من فرقاء سياسيين أو من مثقفين ليبيين، وهو الأمر الذي يعد مرحلة تسبق الاستفتاء، يطرح من خلالها على الناس وجهات نظر مختلفة، تمكنهم تكوين فكرة عامة على الوثيقة الحاكمة لبلادهم؛ قبل أن تعرض عليهم في استفتاء عام.

إلا أن المتابع للنقاش في هذا الشأن يلاحظ بروز مسألتين تعيقان وصول المواطنين إلى صندوق الاستفتاء لقول نعم، أو لا، بناء على حقيقة ما ورد في مشروع الدستور دون مبالغة، أو تهويل، أو ترهيب، أو ترغيب لا يقوم على ما نص عليه المشروع من تحديد للمقومات، وبناء للسلطات، وتنظيم للحقوق والحريات، وضبط للاختلافات.

المسألة الأولى هي عرقلة الاستفتاء ومنع المواطنين من قول الكلمة الفصل في مشروع قامت بإقراره هيئة منتخبة بالاقتراع السري المباشر وبنصاب يزيد على الثلثين. فلم يقف البعض عند النقد وبيان ما يرونه عوارا، بل نزلوا منزلة الشعب، ونطقوا بلسانه، ونسبوا له ما لم يصدر عنه، وأغلقوابناءً على ذلكالمسار، وقدموا بدائل تطرح من أجسام غير ليبية على عملية دستورية تقوم على الإرادة الشعبية ابتداءً بالانتخاب، وانتهاءٌ بالاستفتاء، وذلك بعد أن تبين لهم أن ما أنجزه الجسم المنتخب لا يتفق مع رؤاهم وتصوراتهم لقانون القوانين في البلاد.

فمع أنهم يتوافقون مع القول بوجوب كون الدستور ملكية وطنية خالصة، وأن للأجنبي متاهات يجب التحوط من الدخول فيها، وأن الحكم للشعب، فهو الذي يجب أن يرفع الخلاف، وأن رفض حكمه هو سبيل للاستبداد، أو للحرب، أو للفوضى، إلا أن منهم من يدفع بقوة نحو خيارات البعثة الأممية التي لا تنفك تصوراتها بالضرورة عن الدول الفاعلة فيها، ويرى أنها تستجيب لمصالح زعماء الأمر الواقع الذين يحملون السلاح، ويطغون في البلاد، ويرتبطون بغير الليبيين، ويملكون الحؤول بين الناس والاستفتاء.

وهو أمر لا يتحقق عبر مسار يسمح لأهل البلاد بتقرير مصيرهم؛ بطريق ديمقراطي مباشر. ومنهم من يرفض الاستفتاء بقوة، لأن الاستفتاء يعني على الأرجح تحول المشروع؛ مهما كان الشطط في التعقيدات؛ إلى دستور دائم لا يتفق مع رؤيتهم لمستقبل البلاد، ويظنون أنه من المناسب إفساد العملية؛ كي تعاد الكرة علهم يجدون منفذا جديدا لفرض ما يرونه واجب الاتباع.

فرفض هؤلاء للمسار الدستوري لم يظهر إلا بعد ظهور المشروع وإطلاعهم على محتواه. وهو الأمر الذي يفتح الطريق لتبادل الرفض بين الفرقاء، والدخول في حلقة مفرغة قد لا تنتهي إلا بضياع البلاد والعباد، فالفرقاء كثر، ولكل وسائله في خلط الأوراق، والتي سوف تزداد قوة مع وجود سوابق. ومن نافلة القول التأكيد على أنه كان من الواجب على البعثة الالتزام بمراحل العملية الدستورية، وعلى الليبيين جميعا حماية الحق في الاستفتاء؛ سواء كانوا مؤيدين للمشروع، أو معارضين له، مع حقهم في الدفع نحو القبول، أو الرفض؛ ولكن عبر مسار رُسم مسبقا قبل تأليف الهيئة، وقبل إقرارها للمشروع.

أما المسألة الثانية فهي قراءة المشروع من قبل متخصصيين ومثقفين قراءة بعيدة عن القراءة التكاملية، وبدون الاعتماد على أهم الركائز المنصوص عليها في المادة 194 من المشروع نفسه، والمعنونة بالوحدة العضوية لأحكام الدستور، والتي يجري نصها على النحو الآتي: “الدستور بجميع نصوصه وحدة واحدة لا تتجزأ، وتفسر أحكامه وتؤول بحسب أنها وحدة عضوية متكاملة، وهو النص الملزم للسلطة التشريعية، وللمحكمة الدستورية؛ مهما طرأت عليهما من تغييرات في التكوين.

وقد تعددت هذه القراءات التي تعامل بعض النصوص كنصوص مستقلة، لا باعتبارها جزءا من بناءٍ متكاملٍ، فيه المجمل والمفصل، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، شأنه شأن كل الدساتير في العالم.

ولتقريب فهم المسألة؛ يمكن الرجوع إلى نص المساواة، والذي هو نص عام، ثم الانتقال إلى نص المقاعد المحجوزة للمرأة والمكونات الثقافية، والذي هو نص خاص، وقراءة النص على حق التصويت والترشح في باب الحقوق والحريات، ثم تقييده بالنص على حظر الترشح للعسكريين في باب الجيش والشرطة، دون القول بوجود تناقض، أو تعارض، ودون الحاجة لقذف المشروع بالخلل في البناء، وإلا كانت كل الدساتير والقوانين مختلة متضاربة.

ومن هذه القراءات القراءة التي ظهرت في كتابات الأستاذ عمر الككلي في عدة مقالات منها مقاله المعنون بـ داعش ومشروع الدستور الليبي، وكتابات الأستاذ سالم العوكلي في عدة مقالات منها مقاله أقوال في الفصل بين الدين والدولة“.

وبالاطلاع على هذه المقالات، أرى أنها تنطلق من مخاوف تفتقد للتأسيس القانوني والمنطقي الصحيح من داخل المشروع، وتقطع بمآلات سوداوية لنصوص دون دليل منضبط، وتبني أسوأ ما يمكن أن يطرأ علي النصوص من تأويلات، وذلك بالابتعاد بشكل واضح عن القيود الدستورية التي تُعد سياجا للحماية منها، والمُقام بعناية في المشروع، والتي لا يمكن لأي سلطة تشريعية أن تتخطاه عند إصدار قانون يتفق مع أحكام الدستور، ولا لأي محكمة دستورية أن تنفذ منه عند الفصل في أي طعن بعدم الدستورية.

ومما يلاحظ أن هذه القراءات تقوم على تداخل بين عدة مفاهيم منها مصدرية التشريع وسلطة التشريع، والآراء الاستشارية والأحكام الملزمة، ومراحل صناعة التشريع وسلطة سنه، وثوابت الشريعة الإسلامية وأحكام الفقه.

ومن الممكن تفصيل النقد السابق لأهم مرتكزات هذه القراءات من خلال النقاط الآتية:
أولا / إن الخلاف بين صياغات مصدر التشريع في الدساتير التي نصت على الشريعة الإسلامية هو أدنى ما يكون إلى الخلاف اللفظي، الذي لا ينتج قيودا إضافية على السلطة التشريعية، ولا يوسع من الضوابط الدستورية التي تعتمد عليها المحكمة الدستورية للقول بالدستورية أو بانعدامها.

فتخصيص الشريعة بالذكر في النص كما في صياغة الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع، أو وصفها بالمصدر الرئيسي، أو القول بأنها المصدر الوحيد، أو النص على مبادئ الشريعة الإسلامية بدل الشريعة الإسلامية، كلها صياغات دستورية تنتهي إلى نفس المآل، فهي جميعها لا تعطي للاجتهادات الفقهية أي إلزام، ولا تذهب إلى أبعد من تقيد التشريعات بالقطعي، ولا تمنع من الاستفادة من تجارب الدول، ولا تحول دون سن تشريعات مستحدثة، أو مستوردة؛ ما لم تتناقض مع الثوابت.

فدسترة الشريعة لا تعني إلزاما بالأحكام الفقهية، ولا حظرا لاجتهاد المشرع. فاعتبار الشريعة من مصادر التشريع تعني وجوب الوقوف عند ثوابتها، واعتبارها مصدر التشريع لا يفضي إلى الالتزام بآراء فقهائها، ولا يمنع من البناء على المصلحة في حدود الثوابت من قبل سلطة تشريعية منتخبة، لا من قبل مجلس ديني، ولا عن طريق مفتٍ، ولا بواسطة دار إفتاء، ودون رقابة من أي هيئة شرعية أو غير شرعية؛ إذْ إن رقابة الدستورية هي حصريا للمحكمة الدستورية.

ومن الأهمية بمكان التذكير بالسوابق القضائية في المقارن، ومنها سوابق المحكمة الدستورية العليا المصرية، التي قضت بأن مبادئ الشريعة الإسلامية تنحصر في قطعي الثبوت والدلالة، وفي مقاصد الشريعة، والتي يمكن أن تُمد لأي تشريع يقوم على التدرج من الحفاظ على الكليات، إلى توخي الوصول إلى الحاجيات، إلى السعي وراء إدراك التحسينيات.

ثانيا/ النص على الدين والشريعة في مشروع الدستور الليبي هو نص على الدين والشريعة في مجتمع دينه الإسلام، ولا تعددية دينية فيه، ومن ثم؛ لا يمكن إحداث مقاربة بينه وبين دساتير مجتمعات بها أقليات دينية. كما لا يستقيم توقع انتقال إشكاليات ومشكلات ومعضلات دستور ينص على دين واحد في مجتمعات فيها أقليات دينية إلى مجتمع لا أقليات دينية فيه.

فبالنسبة للمجتمع الليبي، من الممكن تقييم النص على الدين في الدستور من ناحية نفعية صرفة، والانتهاء إلى القول بوضوح المنفعة فيه. وربما تكون مقدمة ذلك الإجابة على السؤال الآتي:

هل النص على الدين عامل وحدة، أو عامل شقاق وفرقة؟،

وهل هو نص جامع في وثيقة يراد أن تكون جامعة، أم هو خلاف ذلك؟،

ولا أظن أن أحدا يعارض القول بأن دستور ليبيا يجب أن يُبنى على المشترك بين الليبيين، ومن أهم عناصر هذا المشترك هو الإسلام، وثوابته، لا مذاهبه، ولا فرقه واختلافاته.

فالنص على الدين في دستور ليبيا، والتقيد بأسسه، والوقوف عند قطعياته هو نص على أهم عامل يجمع الليبيين على اختلاف مكوناتهم وتوجهاتهم.

ولا يمكن أن يشعر الليبيون بملكيتهم لدستور لا يقوم على ذلك. وتجاهل ذلك هو منع لمشروعه من أن يمر في استفتاء عام. فالدستور هو دستور الليبيين، وليس دستور فئة، أو حزب، ولا دستور منظمات دولية، أو بعثة أممية.

ثالثا/ من أهم جوانب مشروع الدستور التي تم تجاوز النظر إليها هو ذلك الجانب الذي يحول دون أي تطرف في إنفاذ أحكامه من قِبل أي جسم تشريعي قادم، ويستبعد معه أي خروج بالإلزام في نص المصدرية عن حدود الثوابت، ويمنع الاتجاه بالتشريع نحو اتجاهات فقهية تحول الاجتهادي إلى قطعي، والبشري إلى مقدس. فقد كان المشروع في ذلك أحرص من كثير من دساتير دول تنص على مصدرية الشريعة الإسلامية.

وفي هذا الجانب نجدعلى سبيل المثال لا الحصرأن المشروع قد نص في مادته الثالثة عشر على أن تكون المعاهدات والاتفاقات الدولية المصادق عليها في مرتبة أعلى من القانون، وفي مادته السابعة والثلاثين على حرمة الحياة الخاصة، وحظر التحريض على الكراهية والعنف والعنصرية، وحظر التكفير وفرض الأفكار بالقوة، وفي مادته السادسة والستين على وجوب بناء السياسات التشريعية والتنفيذية على حماية حقوق الإنسان، وفي مادته التاسعة والأربعين على حق المرأة في التمثيل في الانتخابات العامة؛ بالإضافة إلى نص المقاعد المحجوزة لها في المادة الخامسة والثمانين بعد المائة، وفي مادته التاسعة والتسعين على حقها في الترشح لرئاسة الدولة، وهو بذلك يتجاوز مجرد نفي الإلزام عن آراء فقهية بالنص على حظرها، ومنع أي سلطة تشريعية بالاستناد إليها، مع الوجوب الذي يقع على هذه السلطة بشأن توفير ما يلزم من ردع عام وخاص لمعتنقيها، فالتحريض على الكراهية والعنف والتكفير يجب أن تكون أفعالا مجرمة بقانون؛ إنفاذا لنصوص الدستور.

ومتى كان الأمر كذلك؛ فإنه لا مجال للقول بأن مشروع الدستور يفتح الطريق لخطاب كخطاب داعش، أو خطاب يتشابه معه، أو يقترب منه؛ كما يقول الأستاذ عمر الككلي في المقال المشار إليه أعلاه.

رابعا/ مشروع الدستور يقوم على تعدد السلطات، وضبط اختصاصاتها، والفصل بينها. فالسلطة التشريعية هي التي تسن القوانين، ولا مجال لرد القانون عليها استنادا إلى الدستور؛ إلا من قبل المحكمة الدستورية التي لها ولاية الفصل في دستورية القوانين؛ دون غيرها.

وما مجلس البحوث الشرعية المنصوص عليه في المادة الواحدة والستين بعد المائة من مشروع الدستور؛ إلا مؤسسة استشارية تخضع للقانون الصادر من السلطة التشريعية، وهذه الأخيرة هي من يعين أعضاءها، والذين لا يملكون أبدأ الرأي في اختصاص السلطات العامة؛ إلا بناء على طلب منها موجه إليهم، ودون أي إلزام دستوري بهذا الطلب.

كما أن الفتوى التي تصدر منهم في الشأن الفردي تخضع للقانون، ما يعني أن مجالها ينحصر فيما هو خارج نطاق التقنينالتشريع، ووفق ضابط الموروث الفقهي للبلاد، الأمر الذي يمنع من استناد الفتوى على أي منهج غريب على هذا الموروث.

ومن هنا كان من الواجب نقاش المصلحة في مأسسة الفتوى في غير مجال التشريع، والمصلحة في ضبطها بموروث البلاد، ومحاولة الاجتهاد في بيان سلبيات وإيحابيات دسترة ذلك، بدل الذهاب بعيدا والقول بأن الدستور بذلك يؤسس لدولة دينية، أو أنه يقر بحكم المفتي، ويجعل الكلمة الفصل في البلاد بين يدي شيوخ الدين، وهو قول غير صحيح على نحو واضح وقطعي، ولا لبس فيه، ولا يجد ما يستند عليه في مشروع الدستور؛

أيا كانت الزاوية التي يمكن أن يُقرأ منها النص، وأيا كانت التأويلات التي يمكن أن يتم تحميلها له، شرط ألا نلجأ إلى أن ننسب للمشروع ما ليس فيه.

________________________

مواد ذات علاقة