حمزة المؤدّب

تستند هذه الدراسة إلى مقابلات مع تجار ومهربين وأعضاء في جمعيات تجارية وخبراء اقتصاديين وموظفين حكوميين وعناصر في أجهزة الأمن التونسية، أُجريت في العاصمة تونس وفي المدن الحدودية التونسية الليبية خلال صيف وخريف العام 2020.

الجزء الرابع

تنطوي عملية إضفاء طابع غير رسمي على التجارة على عدد من العمليات. ففيما يرتفع حجم الواردات عبر الموانئ التونسية، تزداد أيضًا العمليات غير القانونية المرتبطة بالواردات، من بينها ارتفاع حجم المدفوعات خارج القنوات المصرفية الرسمية، مثل خطابات الاعتماد التي يتمّ إصدارها إلى المستوردين عبر تحويلات نقدية غير مشروعة.

ويضمن القائمون بعمليات تحويل الأموال غير الرسميين تحويل الأموال بين تونس والموردين في تركيا ودبي ودول آسيوية، ما يسمح للتجار التونسيين بدفع ثمن وارداتهم من تركيا وآسيا مباشرة بالدينار التونسي وتجنّب التعامل بالعملات الصعبة. في غضون ذلك، يدعم قيام شركات ورواد أعمال في القطاع الرسمي بتبنّي أو اعتماد ممارسات غير رسمية الحجة القائلة إنه لا ينبغي النظر إلى الاقتصاد الرسمي على أنه يلغي الاقتصاد غير الرسمي أو العكس.

وتعقيبًا على المنحى السائد لإضفاء طابع غير رسمي على النشاط التجاري، لفت أحد رواد الأعمال إلى أن التحدي اليوم لا يكمن في إضفاء طابع رسمي على التجارة غير الرسمية، بل في إضفاء طابع غير رسمي على ما هو رسمي حاليًا“. والواقع أن التفاعلات بين القطاعين الرسمي وغير الرسمي ترسم حاليًا معالم سلاسل التوريد في تونس، مُعزّزَةً الانخراط المتنامي لتركيا والصين في تونس والتغلغل الأعمق لسلع البلدَين في الأسواق التونسية.

وفيما تراجع نشاط تونس التجاري مع الشركاء الأوروبيين منذ اندلاع ثورة العام 2011، تشهد علاقاتها الاقتصادية مع الصين وتركيا خصوصًا تحسّنًا مطّردًا. فارتفاع معدّل الواردات من الصين وتركيا (بنسبة 40 و50 في المئة على التوالي بين العامين 2010 و2019) يقابله انخفاض في معدّل الواردات من فرنسا وإيطاليا (-28 و-2 في المئة على التوالي) (انظر الجدول 1).

وتطمح تركيا، كقوة اقتصادية وإقليمية ناشئة، إلى توسيع نطاق نفوذها وتعزيز مصالحها في تونس من خلال قطاعها الخاص ومزيجٍ من الاستراتيجيات الاقتصادية الرسمية وغير الرسمية. وفي العام 2005، وقّعت تركيا وتونس اتفاقية تجارة حرة دخلت حيز التنفيذ في 1 حزيران/يونيو من العام نفسه. وبلغ متوسط قيمة تبادلاتهما التجارية الثنائية 1.25 مليار دولار سنويًا منذ العام 2005، وتسعى تركيا إلى رفعها لتصل إلى 2 مليار دولار.

ويرتبط هذا النمو بالتغييرات المدروسة التي أدخلتها تركيا على سياستها الخارجية تجاه شمال أفريقيا في مرحلة ما بعد العام 2011. فقد حاولت أنقرة تعزيز نفوذها في المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا، ومؤخرًا من خلال وجودها العسكري في ليبيا. يبدو إذًا أن الاستراتيجية التركية الجديدة تعتبر شمال أفريقيا هدفًا ووسيلة في آنٍ معًا: فهي هدف للتجارة التركية من جهة، إذ يبلغ عدد المستهلكين في أسواقها 250 مليونًا تقريبًا؛ وهي منبع لتحالفات استراتيجية قد تبرمها أنقرة لدخول منطقة أفريقيا جنوب الصحراء وتأدية دور أساسي في المغرب العربي من جهة أخرى

مع ذلك، أدى ارتفاع حجم التبادلات التجارية بين البلدَين إلى عجز تجاري مقلق في تونس، إذ وصلت قيمة الخسائر التي تكبّدتها، خلال الشهرين الأولين من العام 2017 مثلًا إلى 277.7 مليون دينار تونسي (100 مليون دولار). وفي أعقاب توقيع اتفاقية التجارة الحرة، أدّى إلغاء الضرائب الجمركية على بعض السلع الاستهلاكية والمعدات إلى زيادة العجز التجاري بين تونس وتركيا، متسببًا بتنامي الممارسات غير الرسمية وانتشار السلع التركية (وكذلك الآسيوية) عبر الموانئ التونسية. ولم تصحّح مراجعة اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين في العام 2013 وتعليقها جزئيًا في العام 2018 العجز القائم، بل ساهمت الإجراءات غير الرسمية على مستوى الضوابط الإدارية والتحويلات المالية في مفاقمة العجز التجاري.

منذ العام 2011، انتقدت أصوات داخل مجتمع الأعمال التونسي والطبقة السياسية العجز التجاري المتنامي مع تركيا، زاعمةً أن اختلالات كثيرة تشوب اتفاقية التجارة الحرة. فمن منظور قومي، اعتبرت النخب السياسية والاقتصادية التونسية أن الاتفاقية رجّحت إلى حدّ كبير الكفة لصالح دخول المنتجات التركية إلى السوق التونسي. في الواقع الحال، ترى النخب التونسية أن الحكومة لم تتّخد أي إجراء لحماية الشركات التونسية التي باتت متردّدة في اتّخاذ خطوات إضافية نحو تحقيق التكامل الاقتصادي. ويُعزى سبب ارتفاع العجز مع تركيا إلى ازدياد واردات الملابس وغيرها من المنتجات المخصّصة للاستهلاك المحلي.

وتعتبر النخب التونسية أيضًا أن هذه الواردات لا تسهم في نمو بلادها الاقتصادي، بل تنافس بشكل مباشر السلع التونسية المماثلة لها والمتوافرة في السوق المحلي. على سبيل المثال، تشير هذه النخب إلى أن قطاع النسيج المحلي لا يستطيع منافسة منتجات النسيج التركية، وبالتالي تتسبب واردات تركيا بتدمير قطاع النسيج التونسي. شيئًا فشيئًا، بدأ جزء من الرأي العام يبدي معارضته للوضع القائم، وراح الناس ينتقدون ما يسمونه التوريد العشوائي“. كذلك، أدّى الاستقطاب السياسي بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس إلى تأجيج المشاعر المعادية لتركيا في أوساط نخب معينة تنظر إلى أنقرة على أنها داعمة لحركة النهضة الإسلامية في تونس.

وفي العام 2018، علّقت الحكومة التونسية جزئيًّا اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المنتجات التركية خاضعة لرسوم مرتفعة. مع ذلك، لم تتمكن هذه القيود من لجم التدفق المتزايد للسلع التركية: فبين العامين 2017 و2019، قفزت الواردات التركية من 2.26 مليار دينار تونسي (936 مليون دولار) في العام 2017 إلى 2.74 مليار دينار تونسي (1.04 مليار دولار) في العام 2018 ثمّ إلى 2.86 مليار دينار تونسي (948 مليار دولار) في العام 2019.40 وهكذا، نجحت الواردات التركية في التغلغل في الأسواق المحلية التونسية، ولا سيما بعد انخفاض قيمة الليرة التركية منذ العام 2018، ما جعل السلع التركية أقل كلفة لأسواق شمال أفريقيا كالسوق التونسي.

نتيجةً لذلك، واصل رواد الأعمال التونسيون الذين يستوردون السلع التركية المطلوبة اعتماد استراتيجيات اقتصادية غير رسمية من أجل تجنب القيود المفروضة على التبادلات التجارية وصعوبات الحصول على العملات الأجنبية. وعلى غرار السنوات السابقة، لا يزال التلاعب في فواتير الواردات والتدفقات المالية غير المشروعة إحدى الاستراتيجيات غير الرسمية الأساسية الرامية إلى تجاوز القيود المصرفية وغيرها من الضوابط المفروضة على الواردات التركية.

أما الصين فتُعتبر ثالث أكبر مزوّد للمنتجات إلى تونس. ففي العام 2018، بلغت قيمة الواردات الصينية إلى تونس حوالى 2 مليار دولار، وشملت سلعًا استهلاكية وأدوات كهربائية وإلكترونية ومواد بلاستيكية ومواد كيميائية عضوية. لكن هذه الأرقام لا تعبّر عن الحجم الفعلي للواردات الصينية، إذ إن جزءًا منها غير رسمي، لكنها تبيّن الدور المتنامي الذي تؤدّيه الصين كشريك تجاري في تونس.

والمفارقة أن بيجينغ، على خلاف أنقرة، لم تواجه المعارضة نفسها في أوساط النخب التونسية لسببين:

أولًا، لا تُعتبر تونس بأي حال من الأحوال الدولة الوحيدة في العالم التي لديها عجز تجاري مع الصين. وعلى عكس تركيا، لا تواجه الصين القدر نفسه من الامتعاض بسبب ممارساتها التجارية.

ثانيًا، لا ينظر جزء كبير من النخب التونسية إلى الصين كلاعب جيوسياسي أساسي في شمال أفريقيا، على الرغم من النشاط الاقتصادي والسياسي المتنامي لبيجينغ من خلال مبادرة الحزام والطريق.

وقد أبدت تونس اهتمامًا في تطوير علاقاتها مع الصين من خلال الانضمام إلى هذه المبادرة، والحصول على عضوية في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وإبرام الكثير من الاتفاقيات في إطار هذه المبادرة منذ أيلول/سبتمبر 2018، بهدف جذب الاستثمارات الصينية، ولا سيما في البنية التحتية التي يمكن أن تعوّض العجز التجاري. يُشار إلى أن الصين لديها الكثير لتقدّمه إلى تونس باعتبارها شريكًا تجاريًا بديلًا، لكن من البديهي أن قسمًا كبيرًا من هذه التجارة ستسهله شبكات التجارة غير الرسمية، التي لا تخلو من بؤر فساد ومحسوبية، تمامًا مثل قطاعات أخرى في الاقتصاد التونسي.

خاتمة: التجارة غير الرسمية والقضايا الجيوسياسية في تونس

يعكس إضفاء طابع غير رسمي على القطاع الرسمي في تونس باطّراد مدى تشرذم النخب الاقتصادية في البلاد. وعلى عكس النخب الاقتصادية الراسخة التي تجمعها علاقات بأوروبا وتعمل في قطاع التصدير، تركّز النخب الناشئة في البلاد على دوائر التجارة والاستيراد التي ترتبط بشكل متزايد بالموردين الآسيويين والأتراك، وقد اختارت الاعتماد على الاستراتيجيات غير الرسمية.

لكن هذا التشرذم في أوساط النخب السياسية والاقتصادية قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في سياق حرب تجارية بين الدول واستخدام التجارة غير الرسمية كأداة جيوسياسية في المنافسة الدائرة في المغرب العربي بين تركيا والدول الأوروبية. ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان ما حدث في القرن التاسع عشر، حين سعت القوى الاستعمارية إلى السيطرة على أسواق شمال أفريقيا، واستخدم البريطانيون موقعهم الاستعماري في مالطا كنقطة تهريب لنقل البضائع البريطانية إلى تونس غصبًا عن إرادة الحكومة الاستعمارية الفرنسية.42

ويكشف صعود الصين وتركيا كشريكين تجاريين رئيسين لتونس، والدور الناشط الذي تؤدّيه هاتين الشبكتين في التجارة غير الرسمية العابرة للحدود الوطنية، عن حدوث تحول استراتيجي تدريجي وطفيف في العلاقات التجارية التونسية. فتونس وشمال أفريقيا عمومًا تشهدان بروز شركاء تجاريين جدد من خارج الشبكات التجارية الأوروبية التاريخية في المنطقة.

وعلى الرغم من اعتماد تونس على الاستثمار والتمويل الخارجي من أوروبا، تبدو متلكئة في المفاوضات حول منطقة التجارة الحرة العميقة والشاملة التي اقترحها الاتحاد الأوروبي. وقد أعرب كثيرون في منظمات المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية عن شكوكهم حيال توسيع علاقات تونس مع السوق الأوروبي الموحّد. علاوةً على ذلك، تهدف الحركات الشعبوية الناشئة حديثًا، والتي دخلت المشهد خلال الانتخابات التونسية في العام 2019، إلى إعادة التأكيد على السيادة الوطنية وتعزيزها والحدّ من اعتمادها السياسي والاقتصادي على أوروبا.

وبغض النظر عن الديناميكيات الجيوسياسية الأوسع، لا تزال التجارة غير الرسمية تطرح مشاكل عدة تلقي بظلالها على القواعد الشعبية المحلية في تونس. فخلافًا لنظام بن علي الذي استخدم الاقتصاد الحدودي بطريقة براغماتية باعتباره صمام أمان، اختارت الحكومات التونسية ما بعد العام 2011 اتّباع استراتيجية أمنية أدّت إلى زعزعة استقرار المجتمعات المحلية. وتشكّل الحركات الاحتجاجية في جنوب تونس خير دليل على حجم الأزمة التي تعانيها هذه المناطق في ظل غياب بدائل عن الاقتصاد الحدودي.

وبالتالي، لم يعد الاقتصاد الحدودي الذي ساهم في إرساء الاستقرار في عهد بن علي قادرًا على تأدية هذا الدور كما في السابق. ويوضح بروز الشبكات البحرية عقب الإجراءات الصارمة التي فُرضت على الاقتصاد الحدودي البري غياب استراتيجية شاملة لمعالجة مسألة الشبكات التجاريةغير الرسميّة. وقد تعزّز هذا المنحى على مستوى سلاسل التوريد نظرًا إلى سعي رواد الأعمال التونسيين إلى تجنّب القيود المفروضة على التبادلات التجارية، وأيضًا نظرًا إلى اهتمام الشركاء التجاريين الأتراك والآسيويين في تحقيق منافع أكبر من أسواق شمال أفريقيا وفي الالتفاق على القيود المحلية.

وهكذا، لا يمكن اعتبار الاقتصاد غير الرسمي مجرّد جزء هامشي وضئيل من تدفقات التجارة الإقليمية، بل بات عنصرًا مهمًا في المعادلة الجيوسياسية السائدة راهنًا في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

***

حمزة المؤدّب هو باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثه على الإصلاح الاقتصادي، والاقتصاد السياسي للنزاعات، وانعدام الأمن على الحدود في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

_____________

مواد ذات علاقة