حمزة المؤدّب

تستند هذه الدراسة إلى مقابلات مع تجار ومهربين وأعضاء في جمعيات تجارية وخبراء اقتصاديين وموظفين حكوميين وعناصر في أجهزة الأمن التونسية، أُجريت في العاصمة تونس وفي المدن الحدودية التونسية الليبية خلال صيف وخريف العام 2020.

الجزء الثاني

تمكّنت الشبكات البحرية أيضًا من توليد أرباح أكبر للنخب والشركات التي كانت تعمل في إطار شبكات متطوّرة ومدعومة سياسيًا ومرتبطة بالرئيس وعائلته.11 كان أزلام بن علي ومقرَّبون منه يعملون بمثابة سماسرة لدى الجمارك وإدارات الدولة، لذا كان بإمكان الشركات وروّاد الأعمال الذين أرادوا تجنّب التصلّب المؤسسي والعوائق غير الجمركية والإجراءات المرهِقة والبطيئة والتنظيمات والضوابط الإدارية المشدّدة، دفع الأموال لأولئك السماسرة للالتفاف على القيود في الموانئ وتمرير عمليات التهريب التي كانوا يمارسونها.

وشكّل التهرّب من الرسوم الجمركية والتلاعب الواسع بفواتير الواردات بما يصبّ في مصلحة الأزلام المحسوبين على النظام، شكلًا من أشكال التهريب التقني، إذ إن كميات البضائع التي استُقدِمت إلى البلاد عن طريق المعابر الحدودية الشرعية كانت أكبر من الأرقام المعلَن عنها رسميًا.

كانت منظومة الخطالتي تمرّ عبر معبر رأس جدير الحدودي (إضافةً إلى طرقات تهريب أصغر عند الحدود الجزائرية)، والتهريب التقنيالذي كان يتم من خلال نخب اقتصادية مدعومة سياسيًا في الموانئ التونسية، محوريَّين في الاقتصاد السياسي لنظام بن علي. فقد استخدمت هاتان القناتان الرشاوى والعمولات للالتفاف على الإجراءات القانونية والإشراف التنظيمي.

وعلى صعيد الاقتصاد السياسي، أتاحتا للرئيس بن علي وأنصاره الحفاظ على استراتيجية استتباعية واسعة النطاق هدفها ضبط سكان المناطق الحدودية المحرومة وضمان ولاء الأزلام المتورّطين في التجارة غير الرسمية عبر الحدود. وفقًا لتقرير صادر عن البنك الدولي في العام 2015، كانت فجوات التهرب الضريبي خلال حكم بن علي، وتعريفها هو الفارق بين قيمة الصادرات إلى تونس المبلَّغ عنها من جانب البلدان المصدِّرة وبين قيمة الواردات المبلَّغ عنها من جانب الجمارك التونسية، على صلة بالبضائع المستورَدة من شركات مدعومة سياسيًا.

وكان هذا الرابط قويًا بصورة خاصة في حالة البضائع التي تخضع لتعرفات جمركية عالية ويجري التلاعب بأسعارها التي تُدوَّن بأقل من قيمتها الحقيقية، مثل الأجهزة الإلكترونية ومعدات السيارات ومنتجات التبغ. فالأسعار التي كانت هذه الشركات المدعومة سياسيًا تبلّغ عنها للسلطات الجمركية كانت أدنى من تلك التي صرّحت عنها الشركات الأخرى. وقد أظهرت تقديرات أجرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في العام 2018 أن التدفقات المالية غير الشرعية مثّلت نسبة 16 في المئة من التجارة الخارجية غير النفطية لتونس بين العامَين 2008 و2015، وهي النسبة الأعلى في المنطقة العربية.16

يمكن أن يُعزى هذا الرقم إلى حاجة بن علي إلى كميات من السلع الاستهلاكية تتيح الحفاظ على نموذج إنمائي يقوم على تنافسية الرواتب المتدنّية. فقد سمحت له البضائع المستورَدة من الصين عبر الطرقات البحرية غير الرسمية باستيفاء هذه المقتضيات من خلال إبقاء معدل التضخم في البلاد تحت السيطرة وفي الوقت نفسه تأمين سلع بأسعار معقولة يستطيع السكان تحمّلها. كانت السلع الاستهلاكية الرخيصة والواردات المنخفضة الكلفة جزءًا من حسابات النظام من أجل البقاء وتأمين الاستقرار الداخلي فضلًا عن فرض الرضوخ المستمر على الطبقتَين الوسطى والعاملة.

لم تكن القيود التجارية في البلاد، سواء استندت إلى عوائق جمركية أو غير جمركية، مجرد عوائق إجرائية. فقد أدّت هذه القيود العشوائية وظيفة سياسية حيوية لنظام بن علي، تمثّلت في منح العائلات التي تجمعها روابط بالرئيس القدرة على القيام بالسمسرات. وقد استفادت مجموعة كبيرة من أزلام النظام من هذا الموقع من خلال وصولها إلى سوق الاستيراد المربحة (والمقيَّدة) في تونس.

وقد فصلت هذه القيود التجارية بين الشركات المدعومة من الأزلام وروّاد الأعمال المدعومين من العائلات النافذة من جهة وبين التجّار العاديين أو الشركات العادية التي لم تتمكّن من التنافس في ظل هذه الشروط المجحفة من جهة ثانية. فقد كان على الشركات الراغبة في الانضمام إلى دائرة الأوساط المقرّبة من النظام والمتحصّنة في مواقعها أن تدفع أموالًا لتلك العائلات النافذة لحماية نفسها من المطاردة من الأجهزة التونسية المعنية بتنفيذ القوانين والتي كانت قد اعتادت على منظومة الرشاوى التي رافقت التجارة عبر الحدود.

وقد ولّدت منظومة السمسرة هذه انقسامًا بين مَن هم جزء منها ومَن هم خارجها، ودفعت روّاد الأعمال إلى الاعتماد على خدمات السمسرة لتسديد ضرائب أقل، وتجنُّب الضوابط المشددة، وعدم التبليغ عن الكميات والأسعار الحقيقية للبضائع المستورَدة.

هذه الترتيبات التي تجيز التهرّب الضريبي، والتلاعب بالفواتير على نطاق واسع وتحديد أسعار الواردات بأقل من أسعارها الحقيقية، وتسمح بانتشار الفساد، تعكس كيف أنه في ظل الحكم السلطوي، غالبًا ما يُضحّى بالمصالح الوطنية على مذبح مصلحة النظام. وفي حالة تونس، لم تؤدِّ هذه الترتيبات إلى تكبّد الدولة خسائر مالية فادحة فحسب، بل تسببت أيضًا بخلل في الأسواق المحلية، لأنها منحت أفضلية على صعيد التكلفة لشركات تنقصها الكفاءة لكن تحظى بدعم سياسي، مقارنةً مع الشركات الأخرى.

وقد ظهرت شرائح جديدة من النخب الاقتصادية في قطاع الاستيراد تجمعها روابط مع الرئيس وعائلته الموسَّعة. وقد جمعت دراسة البنك الدولي أدلة على أن مصالح الأعمال الخاصة المملوكة من أسرة بن علي وجماعته أحكمت قبضتها على الشروط المتعلقة بالدخول إلى قطاعات كثيرة، وفرضتها إلى حدٍّ ما. وكانت الأعمال والمشاريع المملوكة من أسرة بن علي ضخمة ومربحة للغاية من منظار الاقتصاد الكلّي. وأمّنت الشركات ذات الملكية المرتبطة مباشرةً بأسرة بن علي والتي وُضِعت اليد عليها بعد ثورة 2011، ما يعادل 3 في المئة من مجمل إنتاج القطاع الخاص، واستحوذت على نحو خُمس أرباح القطاع الخاص.

على نحوٍ استراتيجي أكثر، جمعت الممرات البرية والبحرية، والاقتصادات الحدودية والمرفئية، وروّاد الأعمال والتجّار، بين الأنشطة الرسمية وغير الرسمية. وتنافست الشبكات المختلفة التي شكّلت جزءًا من سلاسل التموين والتوزيع في مختلف أنحاء تونس، لتزويد المتاجر والأسواق التونسية بالبضائع. ومع مرور الوقت، أصبحت الشبكات غير الرسمية جزءًا من الاقتصاد التونسي.

وشكّلت الرشاوى ورسوم الحماية التي كانت الأجهزة الأمنية تتقاضاها، حافزًا للحفاظ على ولائها للنظام. وقد أدّى النظام والعائلات الحليفة له دورًا أساسيًا في موقع الحماة والمحكِّمين على مستوى توزيع الحصص والفرص في الأسواق بين الشبكات التجارية من خلال تكوين اقتصاد سياسي للتجارة الخارجية حيث كانت الممارسات غير القانونية جزءًا لا يتجزأ من المنظومة.

إعادة تصور شبكات التجارة غير الرسمية وغير الشرعية بعد انتفاضة 2011

أحدثت انتفاضات العام 2011 في تونس وليبيا خللًا في الاقتصاد الحدودي وجميع ترتيباته الداخلية. وقد أتاح فراغ السلطة ازدهار شبكات جديدة في جهتَي الحدود، ولا سيما في ليبيا حيث أعادت القوى المناهضة لمعمر القذافي تنظيم الشبكات التجارية في المنطقة الواقعة غرب ليبيا. وسطّر سقوط بن علي نهاية حقبة الامتيازات التي تمتّع بها أزلامه السابقون الذين سعوا جاهدين لإيجاد حماة جدد والتوصل إلى ترتيبات جديدة مع النخب السياسية الناشئة.

وانخرطت الأجهزة المولجة تنفيذ القانون وبيروقراطيو الدولة الذين تحرروا من سيطرة بن علي وأنسبائه، في نوع من الفساد المؤسسيالذي كان هدفه الوحيد مراكمة الأرباح الشخصية من دون أي أجندة سياسية (على نقيض الدوافع المسيّسة التي سادت في ظل النظام السابق). وفي الوقت نفسه، احتدمت المنافسة الشديدة داخل الشبكات التجارية البرية من جهة والشبكات التجارية البحرية من جهة أخرى، وكذلك بينهما. وأدّى انهيار المنظومة السياسية السابقة إلى تفكك العوائق والترتيبات التي أعطت الأفضلية لبعض المجموعات على حساب إقصاء مجموعات أخرى. فظهر لاعبون جدد على الساحة نتيجة الفرص التي أفرزها غياب الاستقرار.

خلال السنتين اللتين أعقبتا مباشرةً سقوط النظام، ونتيجة الصعوبات التي واجهتها الأجهزة الأمنية في ضبط الحدود، وتزايد الأعمال الإرهابية، تفاقمت وصمة العار التي تطبع نظرة الرأي العام إلى المهرّبين والتجّار عبر الحدود. ولكن هذا الوضع لم يدم طويلًا. فقد سعت تونس من خلال شنّها حربًا على الإرهاب بدءًا من العام 2013 إلى التشدد في ضبط الوضع الأمني وفي فرض ضوابط على الشبكات العابرة للحدود.

وقد أدّى حفر الخنادق على طول الحدود؛ وبناء سياج بطول 125 ميلًا (200 كيلومتر) على امتداد الحدود مع ليبيا (بدعمٍ من الولايات المتحدة وأوروبا)؛ وزيادة أعداد الحواجز والدوريات التي تنفّذها الشرطة والحرس الوطني والجيش، إلى الحد من تدفقات البضائع، وإلى تراجع مطّرد في أعداد التجّار المنخرطين في الأنشطة التجارية عبر الحدود.

وبعدما كانت ليبيا مركزًا إقليميًا للتجارة غير الرسمية، انحسر هذا النشاط التجاري إلى حد كبير منذ العام 2015. وتراجعَ الاقتصاد الحدودي بسبب الانتشار المتجدد للقوى الأمنية وتنظيم التجارة غير الرسمية عبر اللجوء المتزايد إلى الإكراه. نتيجةً لذلك، كان على المهرّبين والتجّار أن يتنافسوا لوضع أنفسهم تحت حماية وكلاء الدولة بغية ضمان أرباحهم قدر الإمكان. وقد أعاد السياق الأمني الجديد رسم المشهد في مجال التجارة غير الرسمية.

اللافت هو أن الممرات البحرية أفادت من الحملة المكثّفة التي استهدفت الممرات البرية بعد إطلاق الحرب على الإرهاب، مع ما رافقها من تراجع في الاقتصاد الحدودي وانتشار الفساد في أوساط الأجهزة المكلَّفة تنفيذ القوانين. فبعدما ضاقت المساحة المتاحة أمام الاقتصادات الحدودية، تقدّمت إلى الواجهة الشبكات الواسعة التي كانت تستورد السلع مباشرةً من تركيا والأسواق الآسيوية عن طريق البحر، على حساب الشبكات البرية الأصغر نطاقًا التي لم تستطع أن تضاهي منافسيها الأكبر حجمًا في مجال الأسعار أو كمية البضائع.

تعكس هذه الشبكات البحرية قابلية الحدود للاختراق، بفعل تخالط الاقتصاد الرسمي مع الاقتصاد غير الرسمي، ما يشكّل قطاعًا خاصًا بالتجارة الخارجية تبدو أنشطته خاضعة للإجراءات الرسمية ولكنها في الواقع غير منظَّمة في جزء منها وغير مدوَّنة في سجلات الدولة.

***

حمزة المؤدّب هو باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثه على الإصلاح الاقتصادي، والاقتصاد السياسي للنزاعات، وانعدام الأمن على الحدود في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

________________________

مواد ذات علاقة