أحمد قاسم حسين

عقدت الدول المؤثرة في الأزمة الليبية سلسلة من المؤتمرات الدولية، منذ بداية المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام القذافي، ولم تسهم في وضع حد للأزمة التي ما زالت تعصف بالبلاد.

الجزء الثاني

حافظ اتفاق الصخيرات على المؤسسات السيادية؛ مثل المؤسسة الليبية للنفط، والمصرف المركزي الذي يقوم بإدارة احتياطيات ليبيا من الذهب والعملات الأجنبية، باختيار الأدوات الاستثمارية المناسبة والقيمة التي يتم استثمارها من كل عملة، لكن سرعان ما أدى استمرار النزاع إلى انقسام في المصرف المركزي بين شرق ليبيا وغربها. واستثمر حفتر هذا الانقسام في تمويل حروبه في شرق ليبيا من خلال الاقتراض من بنوك المنطقة الشرقية الذي بلغ 35 مليار دينار ليبي (25.18 مليار دولار) خلال الفترة 2014-2019.

في هذا السياق، لم ينجح اجتماع لندن حول ليبيا الذي دعت إليه بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016 – وضم فايز السراج، ونائبه أحمد معيتيق، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير، والمفوض بوزارة الخارجية والتعاون الدولي محمد الطاهر سيالة، وممثلين عن إيطاليا وفرنسا والإمارات والسعودية في التوصل إلى آلية لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه حكومة الوفاق، وسبل إعادة الاستقرار للاقتصاد في ظل وجود محافظين متنافسين لمصرف ليبيا المركزي.

كما نشب خلاف قانوني ودستوري على الاتفاق السياسي ومواده، ولم تنَل حكومة الوفاق الوطني في إثره ثقة البرلمان الليبي في طبرق الذي نسج عددٌ كبير من أعضائه، وعلى رأسهم، رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، تحالفًا مع حفتر. وتمسّك هذا التيار بالمادة الثالثة عشرة من اتفاق الصخيرات التي تنص على أن البرلمان المنتخب في حزيران/ يونيو 2014 هو الذي يتولى سلطة التشريع للمرحلة الانتقالية، وأنه هو المخوّل بشأن منح الثقة للحكومة أو سحبها.

كذلك، تُعتبر المادة الثامنة من الاتفاق نقطةً خلافيةً، بالنظر إلى أنها تمنح مجلس الوزراء اختصاصات واسعة بمجرد حصوله على ثقة البرلمان؛ ما يعني تقليصًا لصلاحيات ونفوذ البرلمان وقبائل من المنطقة الشرقية (العبيدات، والعواقير، وقسم من قبيلتي البراعصة والمغاربة) التي لم تعترف أصلًا بحكومة السراج، بل تتهمها بجرّ البلاد نحو مزيد من التدخلات الخارجية.

وبناءً عليه، لم يسهم اتفاق الصخيرات في حلّ الأزمة الليبية ووجود سلطة مركزية، بل على النقيض من ذلك أسهم في تعميق الانقسام السياسي والجغرافي في البلاد؛ إذ أصبح في ليبيا آنذاك ثلاث حكومات؛ واحدة برئاسة خليفة الغويل، أسسها المؤتمر الوطني العام ومقرها في طرابلس، وثانية برئاسة فايز السراج، وهي حكومة الوفاق الوطني التي انبثقت من اتفاق الصخيرات، باعتبارها الحكومة الليبية الشرعية والمدعومة من الأمم المتحدة، وثالثة في شرق ليبيا، وهي منبثقة من مجلس النواب، وتتخذ من مدينة طبرق مقرًّا مؤقتًا لها، برئاسة عبد الله الثني المتحالف مع حفتر.

على مستوى موازٍ، ساهمت بيئة الانقسام والتشظي في ليبيا في صعود تنظيم الدولة الإسلامية في سرت المعروف بـ داعش، وشكّل ذلك اختبارًا حقيقيًا لحكومة الوفاق الوطني التي أطلقت عملية البنيان المرصوص، ولم تجد هذه الحكومة سوى دعم لوجستي محدود لمواجهة التنظيم من طرف الدول الداعمة لها (الولايات المتحدة، وإيطاليا، وبريطانيا، والجزائر، وتونس، والمغرب)؛ إذ اقتصر تدخّل الولايات المتحدة في ظل إدارة باراك أوباما، مثلًا، على تنفيذ ضربات جوية في سرت ومحيطها.

وعلى الرغم من انتصار حكومة الوفاق الوطني والكتائب العسكرية المتحالفة معها على تنظيم الدولة، فإن هذا الأمر لم يمثّل عاملًا ضاغطًا في اتجاه التعاطي معها بوصفها حكومةً مركزية تدير البلاد وتنقلها نحو ضفة الأمان. كذلك، مارست بعض الدول المتدخلة في ليبيا (فرنسا، وروسيا، والإمارات، ومصر) سياسة مزدوجة المعايير؛ ففي الوقت الذي تعترف بحكومة الوفاق الوطني حكومةً شرعية في البلاد، كانت تقدّم الدعم المالي والعسكري لحفتر وقواته في إحكام سيطرته على شرق ليبيا.

وقد تزامن التدخل العسكري من قبل الدول المتصارعة (إيطاليا، وفرنسا، وروسيا، والإمارات، وتركيا) على النفوذ والسيطرة في ليبيا وحلفائها في الداخل الليبي مع طرح مبادرات في باريس والقاهرة والجزائر وتونس لجمع الأطراف المتنازعة، ولكنّ هذه المبادرات باءت بالفشل، في ظل غياب الدور الأميركي الفاعل في ليبيا واقتصاره على قضايا متعلقة بأمن الطاقة ومحاربة الإرهاب، وغياب دور القوى والأحزاب السياسية الليبية التي بقيت أسيرة الكتائب المسلحة المنتشرة في البلاد.

مؤتمر باريس 2018: اتفاق تحكمه المصالح الفرنسية

حاولت باريس جني مكاسب سياسية واقتصادية من خلال زيادة نفوذها في الساحة الليبية ذات الموقع الجيوسياسي المهم والموارد الطبيعة الهائلة، حيث يمثّل جنوب ليبيا نقطة ارتكاز أساسية في الاستراتيجية الفرنسية المعتمدة في جزء منها على قوات حفتر، وقد بدأت عملية عسكرية واسعة شرق البلاد تحت أهداف محاربة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، وضبط الحدود، وضرب شبكات تجار البشر، وتأمين المنشآت النفطية، ومواجهة تدفق المهاجرين المتجهين شمالًا نحو شواطئ البحر المتوسط.

وواصلت فرنسا دعمها السياسي لحفتر على نحو علني، في حين حافظت على سرية الدعم العسكري له، حتى خرجت عن صمتها بعد الخسائر في صفوف جنودها عام 2016.

وتتويجًا لهذا التحرك الفرنسي، عُقد مؤتمر في باريس، في أيار/ مايو 2018، لبحث تطورات الأزمة الليبية برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وحضور الأطراف الأربعة الرئيسة الفاعلة في العملية السياسية الليبية، وهم: رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، واللواء خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، إضافة إلى ممثلين من عشرين دولة؛ منها دول الجوار الجغرافي (تونس، ومصر، والجزائر)، ودول فاعلة في المشهد السياسي الليبي (مصر، والإمارات، والسعودية، وقطر، وتركيا.

اتفق المجتمعون على ضرورة إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في نهاية عام 2018، بإشراف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وحكومة الوفاق الوطني، واقتراح جدول زمني لاعتماد الدستور الذي تعطل في آب/ أغسطس 2017، والمطالبة بتوحيد المؤسسة العسكرية، وعقد مؤتمر سياسي ليبي لمتابعة تنفيذ اتفاق باريس، وهو ما أثار حفيظة روما واعتراضها على عقد هذا المؤتمر.

وقد سارع في إثره السفير الإيطالي السابق في طرابلس، جوزيبي بيروني، إلى لقاء السراج بهدف فهم تحركات باريس، وأكد أنّ بلاده تؤيد حكومة الوفاق ومبادرة مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة لحل الأزمة الليبية، ودعم المسار الديمقراطي الذي يفضي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، وفق الخطة التي أطلقها في 20 أيلول/ سبتمبر 2017، وليس وفق مسارات جديدة؛ في إشارة إلى مؤتمر باريس.

لقد عدّت روما مؤتمر باريس محاولة فرنسية للالتفاف على دورها في ليبيا. ولم يتم تنظيم انتخابات نهاية عام 2018 لصعوبة تحقيق ذلك من الناحية العملية في ظل فوضى السلاح وانهيار كامل لمؤسسات الدولة.

مؤتمر باليرمو 2018: التنافس الإيطالي الفرنسي

استشعرت روما مبكرًا محاولات باريس تعظيم نفوذها في ليبيا منذ بدء العمليات العسكرية ضد نظام القذافي. وفي المقابل، سعت روما إلى الحفاظ على نفوذها في ليبيا لأسباب تاريخية (كانت ليبيا مستعمرة إيطالية حتى عام 1951)، وأمنيّة (بسبب قربها الجغرافي).

وهناك عوامل اقتصادية أيضًا؛ إذ حافظت شركة إيني ENI للطاقة، الذراع الاقتصادية الإيطالية، على وجودها رغم الحصار والعقوبات الدولية التي فرضها المجتمع الدولي على نظام القذافي. لذا، تسعى روما جاهدة للحفاظ على مصالحها ونفوذها في ليبيا، والتقليل من نفود باريس التي ما فتئت تحاول الظهور بمظهر القوة الأوروبية الأكثر دينامية وقدرة على التحرّك في محيطها الإقليمي.

لقد كان الحراك الدبلوماسي الإيطالي في أروقة الاتحاد الأوروبي، على خلفية محاولات فرنسا الاستئثار بالملف الليبي، مكثفًا وذا فاعلية، وهدف إلى الحد من زيادة نفوذ باريس خاصة في الجنوب الليبي الذي يعتبر البوابة الأساسية لفرنسا على دول الساحل الأفريقية. وقد سارعت روما إلى عقد مؤتمر لبحث مآلات الأزمة الليبية في باليرمو، على اعتباره منصة مفيدة لإظهار وحدة المجتمع الدولي في دعم عملية الاستقرار الليبية“.

ولا يمكن قراءة الدعوة لمؤتمر باليرمو إلا في سياق التنافس الإيطالي الفرنسي على النفوذ في ليبيا، ولا غرو عند وصف المؤتمر من جهة إيطاليا بأنه نوع من المناكفة السياسية، وَرَدٌّ على مؤتمر باريس. لذا، جاءت توصياته عامة، ولا تتضمن بنودًا تجسد خارطة طريق لحل الأزمة الليبية، بل كان على عكس ذلك؛ إذ أضاف المؤتمر عنوانًا جديدًا للأزمة هو التنافس الفرنسي – الإيطالي على النفوذ والسيطرة، وهو ما ساهم في تعميق الانقسام وحالة التشظي في البلاد.

لقاء أبوظبي 2019: تمكين حفتر من المؤسسة العسكرية

لم يكن اللقاء الذي جمع اللواء خليفة حفتر وفايز السراج في أبوظبي في مستوى مؤتمر دولي يضمّ دولًا فاعلة في مسار الأزمة، وقوى سياسية وعسكرية ليبية، لكن تكمن أهميته في توقيت عقده؛ إذ إنه سبق هجوم حفتر على العاصمة طرابلس، كما تكمن في مخرجاته التي ركزت في توجه الإمارات نحو تمكين حفتر من السيطرة على المؤسسة العسكرية.

وفي كل مرة، كان حفتر يخفق في بسط كامل سيطرته على الشرق الليبي؛ فقد خسر مناطق في مواجهات عديدة في منطقة الهلال النفطي، كما اتبعت قواته سياسة الأرض المحروقة، وارتكبت جرائم في حق المدنيين في سبيل السيطرة على مدينتَي بنغازي ودرنة، ثمّ إنّ سيطرته على مناطق في الجنوب الليبي لم تكن مكتملة عشية اللقاء. لذا، لجأت الإمارات إلى الدبلوماسية بعد إخفاقه في حسم المعركة عسكريًا في ليبيا، ودعت أبوظبي إلى عقد لقاء، جمع بين حفتر والسراج، عرف بـ لقاء أبوظبي“.

وقد نص اتفاق أبوظبي على تشكيل مجلس أمن قومي مصغّر يرأسه حفتر، ويضم ثلاثة أعضاء. وطالب المجلس الأعلى للدولة في ليبيا بأن يضاف إليه كرسيّ رابع يشغله أحد أعضاء المجلس الأعلى، كما طالب بأن يشغل عضو آخر من المجلس الأعلى أحد كراسيّ المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، مثلما نص الاتفاق، على أن يتولى حفتر اختيار وزير الدفاع بالحكومة الجديدة، واختيار أحد أعضاء المجلس الرئاسي، مع رفضه وجود أي من قيادات التيار الإسلامي المهيمن في المجلس الأعلى للدولة في عضوية مجلس الأمن القومي المصغّر.

واجه هذا الاتفاق معارضة شديدة من الكتائب المسلحة في طرابلس ومن المجلس الرئاسي، ولم يَجرِ تطبيق مخرجاته، حيث جاء بالتزامن مع محاولات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الدعوة إلى مؤتمر وطني في غدامس في الفترة 14-16 نيسان/ أبريل 2019.

وكان الهدف المرجو من الملتقى، بحسب رئيس البعثة غسان سلامة، هو الشروع في حوار داخلي ليبي لنقاش البنود في خارطة الطريق التي طرحها سلامة لحل الأزمة الليبيةلكن حفتر استبق الملتقى بإعلان الحرب على العاصمة طرابلس في نيسان/ أبريل من الشهر نفسه، وتعطلت الجهود الدبلوماسية كافة.

_________________________

مواد ذات علاقة