د. هشام خلوق

ترصد هذه الورقة البحثية حول واقع الأزمة الليبية، والصراع الدائر بين الأطراف العاملة على إيجاد حل لها، وبين الساعون لتدمير ليبيا وسرقة مستقبلها الديمقراطي . ثم تنتقل الورقة لرصد تداعياتها المستقبلية والسيناريوهات المتوقعة. وتحاول اقتراح الحلول من أجل السيناريو الأفضل وتجنيب البلاد والمنطقة السيناريو الأوسوأ.

الجزء الرابع

إذا كان دعم بعض الدول العربية للعسكر مفهوم، فلماذا تحرص بعض الدول الديمقراطية على دعم الجنرالات؟

الجواب هو المصلحة ولا شيئ غير المصلحة.

فما يجري في ليبيا ليس امتدادا للصراع الدائم بين التيارين الليبرالي والإسلامي، كما يسوق لذلك البعض. ما يقع هو نتاج لصراع مصالح تتحالف مع من يخدمها، وإلا كيف نفسر دعم فرنسا دولة الأنوار لجنرال عسكري يريد السيطرة على الحكم بالقوة.

لقد أثبتت التجارب السابقة في الدول العربية أن العسكر حين يتسلمون السلطة يكونون أشداء في الداخل على شعوبهم ومرنين خارجيا، ولا يجيدون الحرب إلا في أزقة وشوارع مدنهم، وبالتالي يسهل التعامل معهم. وهو أمر منطقي لأنهم لا يستندون في حكمهم على الدعم الشعبي، بل على الدعم الخارجي.

وفي العلاقات الدولية لا يكون التواطؤ بدون ثمن. ونستغرب كيف أن البعض ينكر على الكثير من الدول الديمقراطية مساندتها للأنظمة العسكرية في الدول العربية، فهذه الحكومات لها عقد ديمقراطي مع شعبها فقط، والذي يحاسب بمقتضاه، وعقد مصلحي مع الدول الأخرى.

هؤلاء الفاعلين في الإدارة بالأزمة دائما ما يعتمدون على الذراع الإعلامي، من أجل إخفاء حقيقة نواياهم. ففي الأزمة الليبية اعتمد الإعلام الموجّه على منصات التحيّز وتزوير الحقائق. الإعلام المسيّس دخل بكل ثقله على خط الأزمة الليبية، فلم يكتف بجرد الأحداث والتعليق عليها وتحليلها بل تجاوز دوره الحيادي ليصبح موجِّها وفاعلا في خلق الفتنة التي عمقت الأزمة.

باختصار يمكننا القول أن التدخلات الخارجية في الشأن الليبي حولت الأزمة الداخلية من نظام الفوضى المؤسسة المنغلقة على نفسها زمن القذافي إلى نظام الفوضى المفتوحة على العالم.

المطلب الثالث:مستقبل الأزمة الليبية وسبل الحل

دائما ما يكون المستقبل مفتوحا على كل الإحتمالات، فمن كان يتصور سقوط الاتحاد السوفياتي وم خلّفه من ارتباك دولي وخلل في موازين القوى، ومن كان يتصور وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما تلاها من حروب ودماء، ومن كان يتصور حدوث الربيع العربي، وسقوط زعامات مثل القذافي في ليبيا.

وبالنسبة للأزمة الليبية سنحاول توقع سيناريوهات المستقبل والحلول التي من الممكن أن تحفّز السيناريو الأمثل.

الفرع الأول: سيناريوهات المستقبل

مع التعدد في الأطراف الفاعلة والولاءات، يُطرح السؤال:

من سيملك القرار السياسي في المستقبل الليبي؟

أكيد أن الجواب على هذا السؤال رهين بنتائج الصراع، والتوجّه الذي ستنحوه الأحداث والمواجهات العسكرية والتفاوضية.

لقد كان القذافي آخر من ملك القرار في ليبيا، وبعده ضاع القرار، الذي أصبح ككرة القش يتلاعب بها الصبيان في الحي الشعبي وتتقاذفها الأرجل. مرة هي في المرمى التركي ومرة أخرى خارج إطار الملعب الإقليمي، ومرة ثالثة تحطم نافذة الجار المصري أو التونسي، أو تقذف تحت عجلة سيارة خليجية مارة بسرعة.

إنه تلاعب خطير بمصير شعب يريد حياة طبيعية كباقي الشعوب، بعيدا عن الصراعات والحروب. شعب يريد أن يُترك لنفسه، كي يبني ديمقراطيته الوليدة، بعد أن عانى كثيرا من حكم الفرد. شعب يحتاج لمن يمد له يده لا سلاحه. شعب انجح ثورة، وحين أراد قطف ثمارها تكالبت الأفواه لتنزع عنه حق جني ثمرة مجهوده.

وبالنسبة لسيناريوهات المستقبل نجد أن هناك من يسعى حثيثا وراء سيناريو سيطرة العسكر على السلطة كما ذكرنا سابقا. وهو الأمر الذي كان قريبا من التحقق بعد الانتصارات التي حققها حفتر بدعم بعض الدول الحليفة له، لولا التدخل الخارجي المضاد الذي قلب موازين القوى على الأرض. لكن عودة العسكر يبقى من السيناريوهات المحتملة في المستقبل، لكونه تحقق في دول مجاورة.

كما أن هناك سيناريو الحرب الأهلية والتقسيم. فهناك من يسعى وراء تأزيم الوضع أكثر، للوصول بتدخله إلى الحرب الأهلية، وتوسيع مجالها لتصبح أخطر وأكبر. والخوف كل الخوف من أن تتحول ليبيا في المستقبل لساحة مجازر إبادة جماعية كتلك التي حدثت في كل من يوغسلافيا وراوندا.

وإذا كانت ليبيا منقسمة اليوم لشرق وغرب، كأننا أمام معسكر شرقي وآخر غربي، فإن الخوف كل الخوف من السيناريو الكئيب الذي تكرر مرارا عب التاريخ، وهو تقسيم ليبيا على غرار ما وقع في كوريا إبان الحرب الباردة، والتي تحولت إلى جنوبية وشمالية.

سيناريو آخر تسعى خلفه بعض الدول، وهو فرض الوصاية على الدولة الليبية، كتلك الوصاية التي تضربها روسيا على سوريا اليوم، والتي أصبح القرار فيها يوقع في موسكو، وبالتالي تحويل ليبيا لدولة وظيفية، مفتقدة للقرار السياسي.

هنالك كذلك سيناريو ضعيف الوقوع في المستقبل، وهو سيطرة التنظيمات المتطرفة على ليبيا بعد استنزاف أطراف الصراع لقوتها، كما حدث لدولة داعش، لكن هذا السيناريو يبقى غير محتمل بعد تراجع الدولة الاسلامية في العراق والشام.

أما السيناريو الأخطر فيتجسد في توسيع الصراع الميداني ليشمل دول الجوار، والذي به سنصبح أمام حرب إقليمية، قد تتحول لحرب عالمية إذا اتسعت دائرة الصراع أكثر. الحرب الإقليمية متوقعة، ذلك أن مصر سبق وأن هددت بالتدخل المباشر في ليبيا بعد التدخل التركي وتحقيق الانتصارات على حساب حليفها حفتر والاقتراب من حدودها.

فمصر ترى نفسها مهددة في أمنها القومي، وبعض الدول العربية الأخرى ترى نفسها مهددة في حال قيام نظام ديمقراطي يشكل نموذجا ويحفز مواطنيها للثورة عليها، وبعض الدول الغربية ترى مصالحها النفطية مهددة في حال سيطرة حكومة شعبية غير خاضعة لها.

وتضارب هذه المصالح هو الذي أدى لاستمرار أزمة ليبيا، وهو الذي قد يؤدي في المستقبل لنشوب حرب إقليمية قد تصبح في حال اتساعها عالمية. ولست أدرى لماذا ينتابني دائما إحساس طاغي أنه إن كانت هناك حرب عالمية لا قدر الله في المستقبل، ستكون شرارتها الأولى في العالم العربي.

كما أن هناك سيناريو استمرار الوضع على ما هو عليه، من أخذ ورد، والأكيد أن بعض السيناريوهات المتوقعة قد تتحقق بشراكة مع سيناريوهات أخرى، فحين لا يستطيع طرف السيطرة يميل دائما للتحالف مع الأكثر قربا منه من أجل تحقيق الأهداف التي يعجز عن الوصول إليها بمفرده.

لكن الشعب الليبي قام بثورته من أجل تحقيق السيناريو الذي يتمناه، لا ما يفرض عليه. فبخلاف كل السيناريوهات السابقة، فإن التدبير الأمثل للأزمة الليبية سيعزز احتمال حصول السيناريو الوردي، والذي سيجنب البلاد كل السيناريوهات الكئيبة التي ذكرناها في السابق.

السيناريو الأكثر وردية هو اتفاق أطراف النزاع على تحويل الصراع من الميدان العسكري إلى الميدان الانتخابي، عبر بناء دولة ديمقراطية. وهو خيار صعب التحقق لكون الكثير من الدول المتورطة في الأزمة لن تقبل بتحويل دولة عربية غنية مثل ليبيا لدولة ديمقراطية، لكنه سيكون السيناريو الأقرب إن استطاعت الحكومة المسيطرة على الوضع الليبي التفاهم مع المعارضة الوطنية من أجل إيجاد حل سياسي يرضي الجميع، وتراجعت القوى المدعومة من دول لا تريد لليبيا تحولا ديمقراطيا حقيقيا.

***

د. هشام خلوق ـ دكتوراة في القانون الدولي والعلاقات الدولية ـ استاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية ـ عين الشق ـ المغرب

______________

مجلة الدراسات الإفريقية وحوض النيل ـ المجلد السادس ـ العدد الثاني عشر ـ يوليو 2021م

مواد ذات علاقة