د. هشام خلوق

ترصد هذه الورقة البحثية حول واقع الأزمة الليبية، والصراع الدائر بين الأطراف العاملة على إيجاد حل لها، وبين الساعون لتدمير ليبيا وسرقة مستقبلها الديمقراطي . ثم تنتقل الورقة لرصد تداعياتها المستقبلية والسيناريوهات المتوقعة. وتحاول اقتراح الحلول من أجل السيناريو الأفضل وتجنيب البلاد والمنطقة السيناريو الأوسوأ.

الجزء الثالث

المطلب الثاني: الفاعلون في الأزمة الليبية

شتان بين إدارة الأزمة، وبين الإدارة بالأزمة. الوضع في ليبيا معقد جدا، والفاعلون فيه كثر، منهم المفصح عن وجهه، ومنهم المختبئ خلف خلفيات وواجهات يحاول من خلالها النأي عن تحمل مسؤولية ما اقترفت يداه، كحال اللصوص والمجرمين الذين لا يليق بهم ضوء النهار ويفضلون العتمة، ويبرز وجودهم فقط عبر وكلائهم، وهؤلاء يديرون الصراع بينهم بالأزمة الليبية وعبرها.

كما أن هناك فاعلون يعملون بكل جدية في إطار الشرعية والموضوعية الشفافية من أجل إخراج البلاد من حالة الفوضى التي تعيشها، وهؤلاء يديرون الأزمة الليبية سعيا وراء الحل.

الفرع الأول: الفاعلون في البحث عن الحل

يعرّف (وليام كوانت) إدارة الأزمة بكونها سلسلة الإجراءات الهادفة إلى السيطرة على الأزمة، والحد من تفاقمها حتى لاينفلت زمامها. كما يرى أن الإدارة الناجحة للأزمة تتجسد في تلك القدرة على تحقيق التوازن الدقيق ما بين ممارسة الضغوط على الخصم بشكل مرن وحكيم، أو ترضيته بثمن بخس، أو باستخدام هاتين الوسيلتين معا.

أما من الناحية الإجرائية فإن إدارة الأزمة تعرف بكونها قدرة صانع القرار على السيطرة على الأحداث التي أدت إلى الأزمة وعدم السماح لها بالخروج عن نطاق السيطرة، من خلال ضبط استخدامه لأدوات إدارتها.

إدارة الأزمة هي إذن عملية إرادية مقصودة تقوم على التخطيط والتدريب بهدف التعرف على أسباب الأزمة الداخلية والخارجية، وتحديد الأطراف الفاعلة والمؤثرة فيها، واستخدام كل الإمكانيات والوسائل المتاحة للوقاية وتجنب التهديدات والمخاطر المرتبطة بها، أو مواجهتها بنجاح بما يحقق الاستقرار، مع استخلاص الدروس واكتساب خبرات جديدة تُحسن من أساليب التعامل مع الأزمات في المستقبل.

في الأزمة الليبية سعت الكثير من الدول لتقديم المبادرة لحلها، ورأب الصدع بين الفرقاء، إلا أن تعدد المبادرات وتضاربها لم يأتي بالحل، بل أدى لمزيد من التأزم في الوضع، لكون أغلبها جاء متحيزا لطرف دون الآخر، وبالتالي يتم قبوله

من طرف ورفضه من الطرف الآخر، مع العلم أن مايحتاجه الليبيون هو منصة للحوار تكون محايدة، حتى يصل الفرقاء للتوافق دون ضغط أجنبي، وحتى يكون الاتفاق في صالح الشعب الليبي وليس استجابة لمصالح الجهات الأجنبية التي تستغل الصراع من أجل إيجاد موطئ قدم في هذا البلد المهم استراتيجيا واقتصاديا.

الأمم المتحدة حاولت، ورغم كل الجهود المبذولة من طرفها، وحرص بعثاتها على إقناع ممثلي طرفي النزاع بقبول الاتفاقات السياسية، إلا أن هؤلاء الممثلين لا يملكون كامل القرار داخل البلاد، لأن واقع القوة بيد السلطات المحلية وميليشيات يصعب السيطرة عليها.

ومن نماذج المبادرات الأكثر مصداقية نجد المبادرة المغربية، لكون المغرب دولة اتخذت موقف الحياد في هذا الملف ولم تتحيز لأي طرف على حساب الآخر، كما أنها استنتدت للمسار الأممي، حيث لم يقدم المغرب أي مبادرة موازية للمجهود الأممي، بل جاء تدخله تعزيزا للشرعية الدولية.

لذلك يمكننا القول أن المغرب يوجد في وضع جيد للقيام بالوساطة بين الفرقاء الليبيين، وهذا ما يفسر النجاح الذي حققه اتفاق الصخيرات التي أصبح مرجعا للشرعية في ليبيا.

فبعد تدخل الولايات المتحدة تم عقد اتفاق الصخيرات وهي المدينة القريبة من العاصمة الرباط في 17 ديسمبر 2015م برعاية أممية، لإنهاء الحرب الأهلية الليبية الثانية المندلعة منذ 2014م، وسعى الاتفاق إلى تجاوز الاقتسام والعنف والفوضى في البلاد بعد الاطاحة بنظام القذافي عام 2011م، والتصدي لانتشار الميليشيات المتشددة ومن بينها تنظيم داعش“.

وتم خلاله الاتفاق على تشكيل ثلاث هيئات هي (المجلس الرئاسي والحكومة) ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وتشكلت حينها حكومة ترأسها فايز السراج الذي جمع بين رئاسة الحكومة والمجلس الرئاسي، وحضر وزير الخارجية المغربي حفل التوقيع بالاضافة إلى مبعوث الأمم المتحدة مارتن كوبلر ووزراء خارجية دول غربية وعربية وسفراء.

كما استقبل المغرب مشاورات بوزنيقة في سبتمبر 2020م، وتمخض عنه الاتفاق الشامل حول المعايير والآليات والموضوعية لتولي المناصب السيادية.

ثم تواتر المبادرات الإيجابية بعد المبادرة المغربية، لكن كل المبادرات لحد الآن لم تأتي بالحل. ومن خلال تركيزنا على نموذج التدخل المغربي كمثال للتدخلات الجدية الساعية لإنهاء الصراع، يمكننا القول أن الأزمة الليبية تحتاج لوسطاء محايدين يشكلون حلقة في مسار الحل، لا في استمرار المشكل.

الفرع الثاني: الفاعلون في استفحال المشكل

الإدارة بالأزمة هي صناعة الأزمة وافتعالها وإيجادها من العدم، وتدبيرها كوسيلة للتغطية والتمويه على الأهداف الإستراتيجية، أو المشاكل القائمة بالفعل، أو التخلص من أزمة أخرى.

وهي تحتاج إلى أمكانيات وقدرات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية لتحقيق الأهداف المرجوة منها. وهناك ارتباط وثيق بين افتعال الأزمة والمصلحة، حيث تتحكم المصالح في هذا النوع من الأزمات.

ومن المهم التمييز هنا بين إدارة الأزمة الليبية التي تحدثنا عنها في الفرع الأول، وبين استغلالها لتدبير الصراع الإقليمي عبرها، حيث تستخدم الكثير من الدول الإدارة بالأزمات كأسلوب لتنفيذ إستراتيجيتها الكبرى في الهيمنة والسيطرة وبسط النفوذ، لتحقيق أهدافها الخفية الطويلة المدى، التي لا تستطيع الإعلان عنها أوحتى مجرد التنويه بها.

وتسعى بعض الدول العربية من خلال خلق الفوضى في ليبيا، إلى إبعاد شبح الثورات عن أرضها، فهي تخاف على مستقبل حكمها الفردي، وتحاول من خلال إفشال الثورات أن تبين لشعوب المنطقة أن كل محاولة للسعي للحرية سنتنهي بالفوضى. وما يحدث من فوضى في ليبيا يدخل في الإطار.

لقد حكم القذافي في ليبيا لمدة 42 سنة بعد انقلاب سمّاه ثورة، وأسقطه الربيع العربي بثورة سمّتها بعض الدول فوضى. سقط القذافي لكن وكلاء المنايا لم يسقطوا، وكأن العالم العربي مقدّر على شعوبه أن تُحكم بقبضة من حديد.

العالم العربي لا يراد له التحرير، ولو تُرك الليبييون لحالهم لما وصلت ليبيا للوضع السيئ الذي انتهت إليه اليوم.

لقد تحولت البلاد لساحة حرب بالوكالة بين المتنافسين الإقليميين والدوليين، وصارت مصلحة البلاد تقدم قربانا، خدمة لمصالح القوى الخارجية التي تحرك الصراع الداخلي وتدعمه.

فرنسا وإيطاليا تتصارعان على الاستئثار بالمصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية، كما يتضح ذلك في المنافسة بين شركتي إينيو توتالعلى امتيازات انتاج الطاقة، وفي الدعم العسكري المباشر لطرفي الصراع في ليبيا، فكان ذلك من أسباب إطالة الأزمة.

كذلك الإمارات والسعودية وتركيا وروسيا وألمانيا وأسبانيا يطمعون بدورهم في الحصول على صفقات للحفر والتنقيب عن النفط والغاز، والتي تشكل أضخم احتياطات مؤكدة في إفريقيا.

الولايات المتحدة الأمريكية بدورها تريد أن يكون لها نصيب من الكعكة الليبية، وهو ما صرح به الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب حين قال إن بلاده انفقت مليار دورلار في قيادة الحملة في ليبيا، ثم تريد أوروبا أن تحصل على النفط الليبي.

هذه الدول التي تسعى للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية في ليبيا، سواء العربية أو الغربية هي ذات لون حربائي تدعي المساهمة في الحل، ويتغير موقفها من الأطراف الفاعلة في الصراع الليبي حسب الظروف وتطور الأحداث، وأغلبها يراهن على سيطرة العسكر على السلطة، على غرار ما حدث في مصر والسودان. منها من دعم حفتر وراهن على أنه سيصبح قذافي جديد في ليبيا، لكن على مقاسها، ثم تخلت عنه حين تكررت هزائمه، فالحكم العسكري خيار مدعوم من طرف الكثير من الدول، وهو خيار لا يرتبط بحفتر الذي إن فشل سيتم انتقاء عسكري آخر ليقوم بالمهمة.

***

د. هشام خلوق ـ دكتوراة في القانون الدولي والعلاقات الدولية ـ استاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية ـ عين الشق ـ المغرب

______________

مجلة الدراسات الإفريقية وحوض النيل ـ المجلد السادس ـ العدد الثاني عشر ـ يوليو 2021م

مواد ذات علاقة