مختار غميض

تتعدّد مظاهر تعطيل المسار التمهيدي للانتخابات الليبية نهاية هذا العام، كتعطيل تمرير الميزانية وتهديد رئيس الحكومة من إجراء الاجتماع الوزاري ببنغازي وسياسة الابتزاز البرلماني فيما يخص المناصب السيادية والهجوم على الجنوب.

الجزء الثاني

جـ ـ تهديد الانتخابات

تُجمع كل الدول على موعد الانتخابات في 24 ديسمبر المقبل، غير أن مشروع القاعدة الدستورية الذي أعدته اللجنة القانونية لملتقى الحوار ماتزال تثير رفض عدة أطراف منها القوات العسكرية بالمنطقة الغربية التي ترفض تولي عسكري منصب سياسي مثل رئيس الدولة مما يهدد مدنية الدولة وقد أقرت لجنة الحوار بجنيف حذف نص الالتزام بمبادئ ثورة الـ17 من فبراير الذي نص عليه الإعلان الدستوري وعوضته بآخر، مما قد يؤدي بصراعات عسكرية جديدة.

وذاك الأمر يُبيّن أن حفتر لم يستكن بل بات يعمل على واجهتين، الأولى ممارسة مزيد من الضغوط على تركيا لسحب قواتها من ليبيا عبر وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، بالموازاة مع تعزيز دور قواته مكانيا بالتوسع جنوبا، وعددا بمزيد من المرتزقة والأسلحة وإجراء مناورات عسكرية استعراضية، استعداداً لـساعة صفر جديدة حتى وإن لم ينتصر فيها لكنها قد تعصف مجددا بمحطة كبيرة واستحقاق مهم.

كذلك فإن اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه اللجنة العسكرية من الطرفين يشير إلى مغادرة المرتزقة نهاية يناير الماضي بينما مازال المرتزقة الأفارقة يصلون معسكرات حفتر.

كذلك عدم إنجاز القاعدة الدستورية، قبل غرة يوليو الجاري، الذي حددته مفوضية الانتخابات، من شأنه التأثير على إجراء الانتخابات في موعدها، بل حتى وإن تمكن أعضاء ملتقى الحوار من الاتفاق على القاعدة الدستورية فيجب موافقة مجلسي النواب والدولة.

كذلك حديث صحيفة جوراساليم بوست العبرية عن لقاء صدام نجل حفتر بعناصر مخابرات صهاينة ضمن مساعي التطبيع وطلب حفتر من الإمارات وروسيا دعم ابنه صدام للانتخابات، يوحي أن الموضوع قد يتجاوز التطبيع إلى ضمان دعم ترشحه كرئيس بالدرجة الأولى.

وأيضا زيارة الوفد التركي لطرابلس منتصف يونيو وعلى رأسه رئيس الاستخبارات والأركان في زيارة ثانية في أقل من شهر، كانت استخباراتية بالدرجة الأولى وتقريبا لها علاقة بالموضوع بعد تواتر الحديث عن كشفها مخطط لمخابرات دولتين أوربيتين إلى اغتيالات في طرابلس بعد الزيارة الأولى، ونسب ذلك إلى تركيا لخلط الأوراق، عبر مساعدة فاغنرلمعسكر حفتر للانقضاض على طرابلس مجددا، وكانت مخططة كخطة ثانية لمعسكر العسكرتاريا.

د منع اجتماع الحكومة ببنغازي

تتواصل التهديدات من داخل بنغازي من زيارة رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة لها للمرة الثانية مع فشل عقد اجتماع حكومي فيها، رغم ما دار عن محاولته لقاء حفتر في الرجمة بوساطة شخصية أمنية مصرية ورئيس المخابرات الايطالية مع رغبة ايطاليا مؤخرا في العودة للمنطقة الغربية، والمشاركة العسكرية بشكل كبير.

وكذلك رغبتها في اجراء مصالحة للقبائل بالجنوب الليبي على أراضيها ما أثار استياء رئيس المجلس الرئاسي في رسالة لوزيرة الخارجية نجلاء المنقوش ورئيس الحكومة الدبيبة ترفض التدخل في سيادة ليبيا وفي اختصاصات المجلس الرئاسي.

نفس التعنت تواجهه الحكومة من البرلمان وذلك من خلال مقاطعته لها وعدم صرفه الميزانية ومنعها من الاجتماع ببنغازي وسط غياب الضغوط الأممية للتسريع بذلك وتحذير المعرقلين.

هذا كله بعيدا عن طبيعة تحول حفتر، بين عشية وضحاها للايمان بالانتخابات، بعد سبع سنوات من محاولاته الانقلابية ولاوال يحتفل بها، وهو الذي نادى بتصفية الخصوم في الميدان ولا سلاح محرم لديه، وقال في مناسبات إنه يذهب للحوار لمجرد الحضور، وقال مؤخرا إن انسحابه من طرابلس لرغبة العالم، فقط.

ثانيا: بناء جسور الثقة

أ فتح الطريق الساحلي

لم يعد لحفتر من بديل سوى التهديد بالقوة بعد أن خسر معركة طرابلس رغم التواطئ الدولي الكبير معه فخسر الرهان العسكري وها هو يحاول العودة من النافذة الصغيرة عبر الزي المدني كما ظهر في أكثر من مناسبة بل حتى أنه لم يحظى بزيارة المسؤولين السياسيين خلال دعوته لهم في مناوراته الأخيرة في بنينا ببنغازي، فغاب عن استعراضه الاحتفال الرسمي والشعبي، وبدا فيه حفتر متناقضا ولذلك حظي استعراض حفتر ببيان رفض واضح من المجلس الرئاسي القائد الأعلى للجيش، فوصفه عبد الله اللافي بأنه تصرف أحادي لا يخدم المؤسسة العسكرية.

كما يمكن قراءة الاستعراض في هذا الوقت بعد هزيمة، يعكس خروجه من تحت رماد الهزيمة كانه يقول إن السلام الحالي من فضلي، والانتخابات لابد أن تمر وإن لم تحدث كما أريد فأنا جاهز للقتال، بالتالي أراد القول إن الانتخابات وسيلة للسلطة وليس تداول للسلطة كما فعل السيسي، من قبل من خلال جمع إمضاءات التفويض، وألا تخرب العملية السياسية إن لم يحدث التزوير، من هنا يمكن فهم التناقض الذي ينتهجه حفتر مراوحا بين الوعد والوعيد.

كما أن المعدات العسكرية متهالكة ومقتل أحد طياريه خلال الاستعراض وغضب زملائه الذي وصفوا عملية قيادة الطائرات بالانتحارية، كان فضيحة بأتم معنى الكلمة، وسبق لحفتر عرض أكثر من هذه المعدات خلال العدوان على طرابلس حيث مات أكثر ن سبعة آلاف مسلح باعتراف حفتر وناتهت بانسحاب تكتيكي كما سماه الناطق باسمه.

هذا دون اعتبار غياب الأجسام التشريعية والسياسية ورموز شاركت في عملية الكرامة، باستثناء دولة الإمارات أمام تخلي الجميع عنه فقط ليقول انا موجود واراد ان يعبر عن هزيمة طرابلس التي كان يحلم بالانتصار بها من قلب ميدان الشهداء.

إضافة إلى إصرار حفتر على احتكار صفة القيادة العليا ويرسل رسائل للعالم أنه مازال قويا، كذلك يحاول استثمار الشرعية الليبية بعد أن يئس من الحلول العسكرية ومني فيها بهزائم، إلى ذلك كله خسر حفتر دعم القبائل وظهور تمرد لدى أبنائها.

ب‌ آمال برلين 2

لم يتمخض عن مؤتمر برلين مخرجات قوية تمثل ضمانة لوصول ليبيا إلى بر الأمان، لكن النجاح في عقده بذلك الكم من الحضور من منظمات دولية ودول، قرابة خمس عشرة دولة ومنظمة، وخاصة حضور ليبيا لأول مرة (في مؤتمر دولي للحوار بإشراف أممي) موحدة، من خلال رئيس حكومة ومجلس رئاسي واحد، يُعدّ في حد ذاته مؤشرا جيدا، ورسالة على قدرة الليبيين على تحدي العقبات نحو الوحدة وإنهاء الانقسام.

ما عدى ذلك لا جديد في برلين الثاني سوى تشديد تركيا على شرعيتها في التواجد في ليبيا وهي رسالة قوية لحفتر للالتزام بتعهداته الدولية خاصة بعد اعترافه مؤخرا بالهزيمة القاسية في طرابلس لما وصفها بخيانة حلف الأطلسي له ومحاولات الانزال الجوي في الحقول النفطية غداة فرار قواته من طرابلس.

وبناء عليه ضرورة الإقرار بحكم الاتفاقية المبرمة مع الجانب الشرعي المعترف به دوليا، على خلاف المرتزقة الذين جاء بهم حفتر لإنجاح انقلابه برفع السلاح على شرعية الدولة.

وحرك مؤتمر برلين الرغبة الفرنسية في إخراج تركيا، وهذا ما أعلنه رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري في تصريحات سابقة، كما أن لقاء الرئيسين التركي والفرنسي أردوغان وماكرون خلال قمة الناتو مؤخرا دار النقاش عن شمال إفريقيا وتحديدا ليبيا، نتيجة خشية باريس من تضخم دور أنقرة في القارة السمراء مع فرضية انسحاب فرنسا من مالي.

 بالتالي يظل التخوف أكبر إذا لم يتم التوصل إلى انتخابات في موعدها مما قد يؤدي إلى تجدد الصراع أو ثبوت مشروع التقسيم.
هذا الأمر يفسّر التقارب التركي الفرنسي الأخير الذي قد يلطّف الوضع في ليبيا لتوفير حد أدنى من مناخ يساعد على اجراء الانتخابات، ثم نظرا للرغبة التركية من فرنسا أن لا تزيد في تحريض اليونان عليها وأن تترك المسائل الخلافية بينهما للحل.

من ذلك ما طرحته فرنسا على الولايات المتحدة استكمالا للمبادرة الأمريكية للحل الليبيمن خطة لإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا 
وتقترح الخطة التي نشرتها صحيفة بوليتيكوفي البداية سحب المرتزقة السوريين المدعومين من تركيا، يليه سحب المقاتلين المدعومين من روسيا والقوات التركية النظامية، وفق جدول زمني مدته ستة أشهر.

جشروط الترشح للانتخابات

لا تمنع أي من الشروط الستة التي اقترحتها اللجنة الاستشارية بالإجماع على ملتقى الحوار السياسي حفتر من الترشح للرئاسة، فالشرط المهم وهو شرط عدم ترشح مزدوجي الجنسية الليبية يلفه الغموض، لأنه تم إضافة جملة إليه (إلا أن يكون مأذونا له بذلك وفقا للقوانين الليبيـة)، وهذه الجملة حمالة تبريرات وتوظيفات.

كذلك بما أن العسكريين غير ممنوعين للترشح والقانون يضمن عودة العسكري لمنصبه بعد خسارته الانتخابات، فالتخوف من شخصية نرجسية وخاسرة الانتخابات التي باتت عليها آمالها بعد خسارة الميدان، من الوارد جدا أن تعود إلى المغامرات والانقلابات مجددا، أو أن تعلن ببساطة تخليها عن الجنسية الأجنبية في حال ترشحت وهنا نعني حفتر أو أي عسكري قد يمثل خطرا على المسار.

ولذلك السبب فشل حوار جنيف بعد تمسك أنصر نجل القذافي سيف الإسلام وحفتر بمقاييس تسمح للشخصين بالدخول في السباق الرئاسي، ومعلوم أن سيف الاسلام لم يصدر بحقه حكم نهائي بعد قرار المحكمة العليا بطرابلس إعادة محاكمته على إثر الغام حكم الإعدام الصادر عن محكمة جنايات طرابلس، كما يتمسك انصاره بترشحه للانتخابات.

ذلك ما جعل قادة وأمراء محاور ومقاتلي عملية بركان الغضب، يعلنون رفض القاعدة الدستورية بملتقى الحوار السياسي التي تمنح العسكريين حق الترشح للرئاسة، لما يمثلونه من خطر على المسار الديمقراطي وعودة التهديدات الجديدة لعودة حكم الاستبداد .

لكن عموما، سواء ترشح حفتر أو لم يتشرح، انطبقت عليه الشروط الترشح أو لم تنطبق، فلا أحد بمقدرته منع المتمرد من الدفع بمرشح لا يخرج عن ولائه وطاعته مثل عقيلة صالح رئيس أو أي أداة أخرى طيعة ولينة، فمن خرج يوم 14/2/2014 وجمّد الاعلان الدستوري ومؤتمر نواب الشعب واعتبره لاغيا، لايمكن أن يكون اليوم ديمقراطيا أو حريصا أو حريصا على الديمقراطية!

وعمليا، فإن أي قاعدة دستورية أو لجنة قانونية لا تحصّن خارطة الطريق  من الارتدادات، ولا تمنع حفتر أو سيف الإسلام من الترشح أو العسكريين أو كل من يمثل تهديدا للمسار الديمقراطي، هي عبارة عن فرصة حقيقية وحبل نجاة لهم للعودة من الأبواب الخلفية مما يعرقل مسار الثورة ويفتح بابا مفتوحا من قبل على الثورة المضادة.

لذلك يطالب نشطاء بضرورة اعتماد قاعدة دستورية دائمة وصلبة مثل الاستفتاء على مسودة مشروع هيئة الستين بعد كل المتاعب والميزانية المرصودة، يرفض الساسة المتصدرين للمشهد اعتماد مسودة الدستور أو حتى تعديل ما يخص المركزية والفدرالية وحقوق الأقليات، وربما لكونه يمس بمبدإ عدم ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية.

***

مختار غميض: صحفي تونسي

___________

 

مواد ذات علاقة