طارق المجريسي

في عشية يوم 25 يوليو/تموز—يوم الجمهورية في تونس الذي يصادف إلغاء النظام الملكي في عام 1957—أصبح الرئيس التونسي قيس سعيّد ملكًا بحكم الأمر الواقع.

وكما فعل بشكل متكرر من قبل، فقد تجاوز الصلاحيات الدستورية الممنوحة لمنصبه، في محاولة للمطالبة بمزيد من السيطرة المباشرة على مقاليد الدولة. كان الاختلاف الوحيد هذه المرة أنه نجح في ذلك، وربما بشكل جيد.

في الأيام التي تلت قيام الرئيس سعيّد بإقالة رئيس الوزراء وحل البرلمان وتجريد النوّاب من الحصانة وتولي صلاحيات المدعي العام، كان التونسيون والمراقبون في الخارج يتجادلون حول ما إذا كان استيلاؤه على السلطة يعد انقلابًا.

الإجابة القصيرة لذلك هي نعم. يرجع الخلاف على التصنيف إلى حد كبير إلى العبء الذي يأتي مع تصنيف ما حدث على أنه انقلاب. ما فعله سعيّد مشكوك فيه دستوريًا في أحسن الأحوال، ولا يمكن إنكار أنه قام بتركيز كل السلطات في يديه.

قام سعيّد، أستاذ القانون الدستوري الذي انتُخب رئيسًا بشكل غير متوقع في عام 2019، باتخاذ كل هذه الإجراءات بموجب المادة 80 من الدستور التونسي، والتي تهدف إلى توفير تدابير طارئة للدفاع ضد خطر داهمعلى الجمهورية.

تنص المادة 80 على أنه ينبغي على الرئيس التشاور مع رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب قبل تفعيل المادة، كما تطالب ببقاء مجلس النواب في حالة انعقاد دائم، بدلًا من تجميده أو عزله، حتى يتم تحييد الخطر“. سعيّد، بالطبع، لم يفعل ذلك، لذا كان هذا انقلاب ذاتي، وهو مصطلح يُطلق عندما يستولي الرئيس على المزيد من السلطات من خلال تعليق أو إغلاق الهيئة التشريعية وفروع الحكومة الأخرى، وعادة ما يتم ذلك بدعم من الجيش.

ولكن لمجرد حدوث انقلاب أو انقلاب ذاتي، فهذا لا يعني أنه يجب أن ينتهي بالاستبداد. هذا هو التبرير الذي قدمه العديد من التونسيين الذين هتفوا لسعيّد، حيث تدفقوا إلى الشوارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي في محاولة لشن حرب سردية، ودافعوا بشدة عن توسيع سعيّد لسلطاته.

من المؤكد أن التحول الديمقراطي في تونس قد توقف منذ أن كان هناك شكل جديد من الإجماع السياسي تمخض عنه دستور جديد في عام 2014، الذي كان من المفترض أن يمثل علامة فارقة في الثورة التي أطاحت بالدكتاتور زين العابدين بن علي في عام 2011.

وبدلًا من تطور النظام السياسي في تونس فقد تعرض للركود منذ ذلك الحين، ما أنهك حياة التونسيين في السنوات ما بين اعتماد الدستور الجديد وانقلاب سعيّد. على سبيل المثال، لا يزال هناك أكثر من 500 قانون بحاجة إلى تحديث لتلبية المتطلبات الدستورية الجديدة، بما في ذلك قانون العقوبات.

ربما كان سيوقف وجود قانون عقوبات محدّث ذلك النوع من عنف الشرطة الذي يتعرض له المحتجون في جميع أنحاء تونس منذ عام 2014، ما خلق فجوة بين الحكام والمحكومين. كان بإمكان نظام الحكم القائم أن يمنع الانهيار الاقتصادي في تونس، الأمر الذي دفع بالعديد من المتظاهرين الغاضبين إلى الشوارع في البداية.

كان من الممكن أن يُظهر بناء نظام العدالة على الأقل أن الثورة التونسية لا تزال تتقدم، حتى لو كان ذلك بصورة بطيئة، من خلال حل القضايا البارزة، أو تشكيل العديد من اللجان—مثل لجان مكافحة الفساد—التي دعا إليها الدستور.

إنّ تعيين محكمة دستورية كان سيعني أن السلطة النهائية في قراءة الدستور التونسي ما كانت لتكون أبدًا لرئيس يُعطي الأولوية لروحه الاستبدادية على نص القانون.

لكن الطبقة السياسية المتشظية في تونس، والمنقسمة بين مختلف الأحزاب السياسية من مختلف الأطياف السياسية وقواعد القوى المؤثرة الأخرى مثل النقابات العمالية ورجال الأعمال الأقوياء، لم تستطع أبدًا الاتفاق على أي شيء سوى الاستمرار في التنافس مع بعضها البعض من أجل أهداف ضيقة الأفق وفاسدة.

لقد دفعت ست سنوات من هذا التراجع المطرّد بالتونسيين إلى حافة الهاوية. هذا هو السبب في أن الكثيرين يقولون الآن بأن ديمقراطيتهم ماتت بالفعل بسبب آلاف الاستقطاعات والرقابة السياسية والصفقات الفاسدة.

ولهذا السبب ربما يكون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وليس الثورة المضادة في مصر وانقلاب عبد الفتاح السيسي، هو المقارنة التاريخية الأفضل بالنسبة لأولئك الذين يسعون لتطبيق نفس الأمر في تونس.

الشعب يشعر بالحرمان والإحباط ويلقي باللوم في كل شيء على طبقة سياسية بعيدة عن هموم الناس، تعلّق بقشة من خارج هذه الطبقة المتمثّلة بقيس سعيّد الذي وعد بهزيمة الأشرار السياسيين واستعادة ما تم فقدانه.

تأتي المشاكل، بالطبع، عندما يجب أن يتوافق ذلك الوعد غير الواضح مع الواقع. فمن خلال استيلاء سعيّد على كامل السلطة في تونس، فهو الآن مسؤول عن مشاكلها المتعددة. فكل قرار يتخذه سيحطّم حتمًا حلم جمهور معين، وهناك العديد من القرارات الملحة التي يجب اتخاذها في تونس بسرعة.

تقع البلاد حاليًا في قبضة أسوأ موجة كورونا، والتي تحصد مئات الأرواح يوميًا. كما أن اقتصاد البلاد منهار والدولة ستفلس في نهاية الصيف إذا لم تستطع تأمين خطة إنقاذ. وفي الوقت ذاته، أصبح التونسيون بحالة عوز أكبر.

ماذا سيفعل الملك الدستوري الجديد لتونس حيال كل هذا؟

تاريخ سعيّد ليس فيه الكثير. فهو أستاذ جامعي له رؤى كبيرة لما يجب أن تكون عليه الدولة والمجتمع التونسي—وليس سياسيًا يمكنه بناء تحالفات وإنجاز الأمور. لذا بدلًا من ذلك، فمن المرجح أنه سيحاول توسيع نطاق سلطاته لتصل إلى المؤسسات القائمة والبرلمان، من أجل تغيير الدستور نفسه في نهاية المطاف.

لقد أوضح في تصريحات سابقة أنه يتصور وجود رئيس قوي يشرف على ديمقراطية مباشرةشعبية تنطلق من القاعدة إلى القمة والتي يمكن وصفها فعليًا بأنها جماهيريةتونسية—وهي مشابهة لـالجماهيرية الشعبيةالمختلّة التي استخدمها القذافي كغطاء لدكتاتوريته في ليبيا المجاورة.

ومع ذلك، كانت هناك بالفعل بعض التغييرات في سعيّد الرئيس من سعيّد الأستاذ. خذ على سبيل المثال معتقداته الاقتصادية القومية واليسارية وحملته ضد العلاقة الفاسدة بين السياسيين والأوليغارشية التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها سبب العديد من العلل في تونس.

من الصعب التوفيق بين هذه العقيدة وإعلانه الأول بعد الانقلاب، بمنح عفو لرجال الأعمال الفاسدين في نظام بن علي.

إنّ المتظاهرين المنظمين بشكل جيد في تونس والشبكة القوية من منظمات المجتمع المدني يصرون على حماية ديمقراطيتهم الفتية. كما دعا وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن علنًا سعيّد إلى العودة إلى المسار الديمقراطي، مشيرًا على وجه التحديد إلى أن إدارة بايدن تتوقع منه إلغاء تعطيل البرلمان واتباع الدستور. أعطى المسؤولون الأوروبيون رسائل مماثلة، وإن كان ذلك بهدوء أكبر.

نقطة الانعطاف التي تلوح في الأفق هي بعد انقضاء الثلاثين يومًا من الانقلاب الذاتي الذي قام به سعيّد. في هذه المرحلة، وفقًا للدستور، سيتعين على سعيّد إما تعيين رئيس وزراء جديد أو المخاطرة بعدم القدرة على الهروب من صفة الاستبداد وكل اللوم الخارجي المصاحب لذلك.

الأحزاب السياسية التونسية، التي قررت التراجع التكتيكي الأسبوع الماضي بدلًا من محاربة سعيّد وتعبئة احتجاجات الشوارع، وكذلك منظمات المجتمع المدني التي تأمل في بناء شيء أفضل من هذا، تتطلع أيضًا إلى تلك اللحظة باعتبارها الموعد النهائي لإعادة تونس من حافة هاوية حكم الرجل الواحد مرة أخرى.

ومع ذلك، تبدو الحسابات في القصر الرئاسي في قرطاج مختلفة تمامًا. اعتمد نجاح سعيّد حتى الآن على الجيش، وهي المؤسسة الأخيرة في تونس التي لم يتم إصلاحها، والتي يبدو أنها تشارك رؤيته للبلاد من خلال دعمه ضمنيًا لانتزاع السلطة.

لقد أوضح سعيّد أيضًا أنه لن يستوعب أو يتنازل لطبقة سياسية يعتبرها خارجة عن خطة الإنقاذ. كما أنه سيكون حذرًا من قيام أي رئيس وزراء وحكومة يرشحها بخيانته، كما فعل رئيس الوزراء السابق هشام المشيشي على ما يبدو من خلال إنشاء تحالفات عمل مع الأحزاب السياسية في مجلس النواب.

في حين أن سعيّد سيضطر على مضض إلى تعيين رئيس للوزراء، فإنه سيرغب حتمًا في البقاء على الجانب الصحيح ليتجنب قيود المساعدات الأمريكية ويُبعد عن نفسه مسؤولية إنقاذ الدولة من جائحة كورونا والإفلاس، حتى يتمكن من التركيز على المهمة الأهم المتمثلة في إعادة كتابة الدستور.

لذلك، بينما لا شك أن سعيّد سيوافق في نهاية المطاف على تعيين رئيس للوزراء، فإنه سيحمي سلطته وشعبيته من خلال الحرب على مجلس النواب التونسي قبل أن يتمكن أعضائه من العودة.

يشاع أنه قد تم إعداد قوائم بأعضاء مجلس النواب الذين سيتم اعتقالهم وإحالتهم إلى المحاكم العسكرية في إطار مجموعة من التهم المعدة مسبقًا أو تحقيقات فساد جديدة—وهو أمر يبدو أنه بدأ بالفعل.

وبهذه الطريقة، سيكون سعيّد قادرًا على القيام بلعبته، من خلال إظهار أنه يقوم بتجفيف منابع الفساد، كل ذلك بينما يقوم بإخضاع مجلس النواب وخلق انحرافات عن الأزمات الشديدة القائمة. يمنحه القيام بذلك نفوذاً عبر مختلف القطاعات السياسية والنقابية والتجارية في تونس، بالنظر إلى أن الشخصيات البارزة في كل منها لها تاريخ لن يصمد أمام المحاكمات الصورية الشعبوية.

أدى الانقلاب الذاتي الناجح وغير المتوقع الذي قام به سعيّد إلى دفع تونس إلى حافة الهاوية.

لا جدال في أن هناك أمور لابد من تغييرها. يكمن التحدي حاليًا في كيفية منع الأستاذ ذي الميول الاستبدادية، والذي يدعمه من المؤسسات الجيش فقط، من الانحراف إلى المسارات التي أدت تاريخيًا إلى الإرهاب والطغيان.

ينبغي على المجتمع المدني التونسي أن تكون له القيادة في هذا الأمر، والحصول على دعم قوي من الحلفاء الأجانب، إذا أرادوا استعادة ديمقراطيتهم بنجاح.

***

طارق المجريسي ـ زميل أول مختص في السياسات في برنامج منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

___________

منظمة داونالحقوقية

مواد ذات علاقة