د. هشام خلوق

ترصد هذه الورقة البحثية حول واقع الأزمة الليبية، والصراع الدائر بين الأطراف العاملة على إيجاد حل لها، وبين الساعون لتدمير ليبيا وسرقة مستقبلها الديمقراطي . ثم تنتقل الورقة لرصد تداعياتها المستقبلية والسيناريوهات المتوقعة. وتحاول اقتراح الحلول من أجل السيناريو الأفضل وتجنيب البلاد والمنطقة السيناريو الأوسوأ.

الجزء الخامس

الفرع الثاني: الحل وما بعد الحل

حل الأزمة الليبية لن يتأتي ساعيا لوحده، كما أنه لن يأتي بتضارب المصالح المقاربات والسياسات، بل بالإستنفار الشامل والتكاثف والتعاون بين الدول القادرة على المساهمة الإيجابية في إيجاد مخرج عادل للأزمة.

الحلول الترقيعية والمسكنات تساعد في تهدئة الأزمة لا في حلها، لذلك من المهم وضع خطة كاملة ومكتملة.

مواجهة الأزمة الليبية اليوم أصبحت مسؤولية دولية، يجب أن تكون تضامنية، وألا تنفرد به دولة دون باقي الدول، على أن يكون التدخل من أجل خلق مساحة للحوار، لا التدخل في اتخاذ القرار، الذي هو شأن ليبي خالص.

احترام السيادة الليبية مهم، واحترام دور المواطن الليبي أهم. وهنا لا يمكننا لوم الليبيين لأن قرار السلام وإشعال الحريق في البلاد ليس بأيديهم.

وما يجب العمل عليه هو إرجاع الأمور لليبيين فهم أعلم بشؤونهم. ذلك أن هناك أهمية قصوى للشعب تظهر بشكل جلي وقت الأزمات الكبيرة، التي تتطلب من المواطنين أن يكون لهم موقف تجاه القضايا التي تمس قيمهم وحاضرهم ومستقبلهم.

الفوضى العارمة التي تعيشها ليبيا اليوم نتحمل جميعا تبعاتها، حتى وإن كنا غير فاعلين فيها، لأننا اتخذنا موقع السلبية، خاصة الدوائر القريبة منها.

على العالم أن ينضج أكثر وأن يؤمن أكثر حتى يقوم بدوره، فرهان مواجهة الأزمة الليبية لن يكسب بالمجهود الفردي، بل يتظافر جهود كل الفاعلين الرسميين وغير الرسميين.

القوى الكبرى مطالبة بالالتزام بمسؤوليتها وتحمل القسط الأكبر من فاتورة الحل، لكونها ساهمت بشكل كبير في استفحال المشكل، على أن يكون ذلك في إطار الشرعية الدولية، عبر تعزيز الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة في حل الأزمة الليبية.

ونأسف أن نجد الأمم المتحدة التي من المفروض أن تكون حاملة للواء حماية المجتمع الدولي، تعيش اليوم حالة من التخبط الشديد، وهو ما انعكس على دورها المحتشم في الأزمة الليبية.

لكن ماذا بعد نهاية الأزمة التي تعيشها ليبيا؟

السيطرة على الأزمة الليبية لا يعني نهاية القصة، بل بداية حلقة جديدة من فصولها. لذلك فإن استتباب الأوضاع أن تحقق لا يجب أن يتبعه الاحتفال بالنصر، بل القضاء قبل ذلك على كل جيوب الأزمة، واستئصال الفتنة من جذورها.

فمثلا قد تنتهي الأزمة باقتسام الكعكة وتوزيع المناصب، لكن مثل هذه الحلول الترقيعية البعيدة عن الحل الديمقراطي لن تكون في صالح الشعب الليبي الذي يسعى لحل دائم ومستمر.

من المهم كذلك بعد إنهاء الأزمة تشكيل جيش وطني غير مسيس بعيد عن الصراع السياسي، وخاضع للإرادة الشعبية والحكومية، من أجل تجنب سيناريو الانقلاب العسكري المدعوم من الخارج.

فالغريب هو أن يكون الجيش الذي من المفروض أن يحمي الوطن، هو نفسه أكبر تهديد للشعب والوطن.

وهو الحاصل في الكثير من الدول العربية، التي لا يكتب تاريخها إلا الانقلابات العسكرية. إنه لمن المؤسف أن يكون يكون تاريخ أمتنا العربية هو تاريخ الجنرالات لا تاريخ الانتخابات.

خاتمة

حالة المخاض التي تعيشها ليبيا اليوم سيكون لها ما بعدها في المستقبل، إنه مخاض طبيعي يواكب كل ثورة، وهو تماما ما حصل زمن الثورة الفرنسية التي سالت فيها أنهار من الدماء، لكنها أضاءت الأنوار لكامل البشرية فيما بعد.

أكيد أن الشعب الليبي سيأتي بحل دائم للأزمة التي يعيشها، فهو قادر على تجاوز مشاكله، لكن ذلك لن يأتي إلا بالعمل على ترميم الجدار الذي صدعته الأزمة، حتى تنهض ليبيا من جديد وتحقق النتائج الإيجابية على المدى البعيد، بحيث تصبح نموذجا تقتدي به باقي الدول العربية التواقة للديمقراطية والسلم المجتمعي.

الأزمة الحالية قد تكون سلبية، لكن ما بعدها قد يكون ورديا. المرحلة الصعبة التي يعيشها الشعب الليبي ستجعله يعي أهمية الاستقرار.

إنها فرصته التاريخية لمراجعة السياسات، والانطلاق من أسس سليمة تؤدى لنتائج أفضل.

والتاريخ زاخر بنماذج الدول التي حوّلت أزماتها وهزائمها الكبيرة إلى وقود لإشعال نهضتها الحضارية، فصعدت للقمة بعد ذلك كأنها لم تعش الأزمة قط.

أوروبا قبل ثورة الأنوار عاشت زمنا مظلما وعصورا وسطى كئيبة، وحروبا أهلية قاسمة، كانت سببا في انبثاق الوعي الأوروبي، وانعقاد مؤتمرات واتفاقيات وستفاليا وفيينا وغيرها، والتي كانت أساسا ليس فقط في بناء التطور الغربي الذي نرى ثماره اليوم، بل مرجعا للقانون الدولي الذي يستمد أصله من هذه الاتفاقيات.

ونأمل أن تكون نهاية الأزمة الليبية بداية للتغيير نحو بناء مؤسساتي رصين وتداول سلمي للسلطة، وعودة العسكر لثكناتهم ومهامهم الأصلية.

أملنا أن تصبح ليبيا أقوى من أي وقت مضى، لأن في قوتها قوة لكل المنطقة العربية، وأن يكون ما يقع في ليبيا وغيرها من المناطق العربية اليوم تمهيدا لعصر ديمقراطي ينير المستقبل.

***

د. هشام خلوق ـ دكتوراة في القانون الدولي والعلاقات الدولية ـ استاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية ـ عين الشق ـ المغرب

______________

مجلة الدراسات الإفريقية وحوض النيل ـ المجلد السادس ـ العدد الثاني عشر ـ يوليو 2021م

مواد ذات علاقة