وصف مركز أبحاث تركي، تغير مواقف بعض الدول الأوروبية من الحالة الليبية بأنه تغير لأجل المصلحة وسعي للحصول على قطعة من كعكة النفط والغاز وإعمار ما هدمته الحرب، محذرا من تلوّن بعض الدول.

الجزء الثالث

ألمانيا

كانت ألمانيا مترددة بشأن عمليات الناتو التي شنت ضد نظام القذافي بقيادة فرنسا في عام 2011 وقدمت اقتراحا بتوسيع العقوبات.

مخاوفها من الهجرة غير الشرعية من إفريقيا جنوب الصحراء إلى ليبيا ثم دول أوروبا، دفعت ألمانيا لسياسة الوساطة والحيادية في ليبيا، مع مراعاة الآثار الاقتصادية والاجتماعية لأزمة الهجرة داخل البلاد

إدارة أنجيلا ميركل، التي ترى أن السلام والاستقرار في ليبيا يصبان في مصلحة ألمانيا، منزعجة تماما من سياسات ماكرون العدوانية في ليبيا.

وانتقدت بشدة دعم فرنسا لحفتر كخيار عسكري لأنه يعرقل عملية المصالحة، ولكونه أحد العوامل الرئيسة التي أطلقت أزمة الهجرة

ميركل أشارت إلى فرنسا باعتبارها عقبة أمام الاتحاد الأوروبي في إرساء سياسة مشتركة بشأن ليبيا، غير أن التنافس على تولي قيادة الاتحاد الأوروبي جعل ألمانيا وفرنسا أكثر نشاطا في ليبيا، وفقا للكاتبين التركيين

حضر قادة تركيا وإيطاليا ومصر والإمارات وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي وممثلو الاتحاد الأوروبي الأعضاء الخمسة بمجلس الأمن الدولي، قمة إنهاء النزاع المستمر منذ أبريل/ نيسان 2019 وإيجاد حلول دائمة للأزمة.

والتزمت الدول المشاركة بعدم التدخل في النزاعات المسلحة في ليبيا وعدم التدخل في الشؤون الداخلية الليبية.

كما تم تشكيل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، التي مهدت الطريق لوقف دائم لإطلاق النار في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، نتيجة لمؤتمر برلين.

والواقع أن استمرار هجمات قوات حفتر على طرابلس بعد المؤتمر واستمرار شحنات المرتزقة الأجنبية من قبل الدول المشاركة أثار التساؤلات حول مدى إمكانية تطبيق القرارات المتخذة.

وفي ضوء تقرير بعنوان انعدام التوجه الغربيوالذي صدر في مؤتمر ميونيخ للأمن، والذي ذكر فيه توقف المذابح ما بعد الثورة، اتصلت ميركل، بدبيبة في 5 مارس/ آذار 2021 وهنأته.

ألمانيا تهدف إلى قيام العديد من الشركات الألمانية بمشاريع مهمة في ليبيا، وخاصة شركة سيمنز“.

وانعقد منتدى الخبراء الاقتصاديين الثالث في طرابلس في 31 مارس/ آذار 2021 بمشاركة مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى مثل وزير الاقتصاد الليبي محمد الحويج ورئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط ومدير شركة الكهرباء الليبية

وبالنظر إلى سياساتها الثابتة تجاه ليبيا منذ عام 2011، تكتسب ألمانيا ثقة حكومة الوحدة الوطنية.

يتوقع أن يكون لألمانيا كلمة كممثل لدول الاتحاد الأوروبي في ظروف التوتر التي ربما تنشأ عن انتخابات ديسمبر/ كانون الأول 2021 والمناقشات حولها، بحسب تقييم الباحثين تيلجي وشفقاتلي.

وأضافا: “دعت ألمانيا المنفي ودبيبة ووزيرة الخارجية المنقوش لاجتماعات مؤتمر برلين الثاني، وأكد بيان المجتمعين على السلام والاستقرار في ليبيا، لكن الاجتماع لم يكن كافيا لتوضيح بعض الأمور المهمة.

إذ تم إغفال ما حدث في مدينة ترهونة والمقابر الجماعية التي وجدت فيها، ولم يتم التطرق إلى انتهاكات حفتر لحقوق الإنسان.

كذلك مهدت ألمانيا الطريق أمام إرجاء الحديث عن مشاكل ليبيا الأكثر أهمية ببقائها صامتة أمام الدول التي تحاول إظهار الوجود العسكري التركي في البلاد وكأنها مشكلة رئيسة.

مالطا

ووفقا للمركز، تعرضت مالطا منذ بداية الصراع في ليبيا لتدفق كبير من الهجرة غير الشرعية بسبب موقعها على البحر الأبيض المتوسط.

لذلك وضعت مالطا التي تعتبر بمثابة المحطة الأولى للاجئين الراغبين في العبور إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، سياساتها الليبية على أساس منع تدفق الهجرة غير الشرعية

غير أنه ومع تصاعد الحرب الأهلية في ليبيا، فإن السياسات اللامبالية لإيطاليا وفرنسا دفعت مالطا لاستخدام اللاجئين كورقة رابحة ضد الاتحاد الأوروبي.

واتخذت مالطا مكانها كجزء من البيان المشترك الذي نشره وزيرا خارجية تركيا وليبيا في 6 أغسطس/ آب 2020 بعد أن ذهبت إلى تغيير جذري في سياساتها بتقاربها مع حكومة فايز السراج الشرعية وتركيا.

وفي البيان، أعربت الدول عن مخاوفها حول المشكلة التي ربما تتسبب بها الهجرة غير الشرعية، ليس فقط للاتحاد الأوروبي وإنما لليبيا أيضا، وأنه يجب تعزيز الحدود الجنوبية لليبيا.

غير أنه وبعد حوالي شهر، انتقد وزير الخارجية المالطي إيفاريست بارتولو السياسات الليبية لتركيا وروسيا خلال زيارته لأثينا في 8 سبتمبر/ أيلول 2020.

وأشار إلى أن أردوغان وبوتين هما المسؤولان عن أزمة اللاجئين في البحر المتوسط، ما اعتبره الباحثان إشارة إلى تغير موقف مالطا السريع.

عقد روبرت أبيلا اجتماعات ثنائية مع نظيره عبد الحميد دبيبة، وكذلك مع وزيري الخارجية والداخلية الليبيين في طرابلس في 5 أبريل/ نيسان 2021.

وأوضح في البيان المشترك الذي صدر عقب الاجتماعات، أن محاولات إعادة فتح القنصلية الليبية في مالطا بدأت، وأنها ستعمل في أقرب وقت ممكن، وأن الرحلات الجوية ستبدأ بين البلدين.

من ناحية أخرى، أكد دبيبة أن العديد من الاجتماعات التي استضافتها مالطا، والتي يراها شريكا اقتصاديا مهما، ساهمت بشكل كبير في استقرار ليبيا.

وقال: إنه سيبذل الجهود لتطوير العلاقات التجارية والسياسية بين البلدين. وفي هذا، تبرز مالطا، التي تبعد 350 كم فقط عن ليبيا، كواحدة من شركاء ليبيا التجاريين الأقوياء في المنطقة.

وبصفتها أحد المشاركين في مؤتمر برلين، يمكن اعتبار مالطا داعما لعملية المصالحة الوطنية في البلاد في المستقبل.

خاصة وأنها إحدى الدول المجاورة الأكثر ميلا للتأثر بالاضطرابات الداخلية الناجمة عن البدائل العسكرية مثل خليفة حفتر وموجة الهجرة الناتجة عن تعطل العملية الانتخابية

خلاصة

وقال الباحثان تيلجي وشيفقاتلي: يلاحظ حدوث تغييرات كبيرة في سياسات اليونان وإيطاليا وفرنسا في ليبيا بعد حكومة الوحدة الوطنية.

ومع أنه يبدو أن مالطا وألمانيا تتبعان موقفا أكثر حيادية، إلا أنهما تشاركان الرأي السائد بشكل عام في الاتحاد الأوروبي، وتعتبران الهجرة والقضايا الأمنية ذات الصلة من بين أولوياتهما الرئيسة.

من ناحية أخرى، تهدف هذه الدول إلى الحصول على حصتها من الكعكةمن خلال المشاركة في عملية إعادة الإعمار في ليبيا.

ونظرا لأن ليبيا أحد الموردين المهمين للغاز والنفط لدول الاتحاد الأوروبي، تعتبر ليبيا فرصة سانحة لتنويع مصادر هذه الدول في الغاز الطبيعي بدلا من الاعتماد الكلي على روسيا.

ولزيادة حصتها من المكاسب في ليبيا أثناء عملية الانتقال، تتخذ البلدان التي تتقارب مع الفاعلين الجدد في ليبيا بحجج مثل مشكلة الهجرة والمصالح الاقتصادية ومعاداة تركيا خطوات متوازنة وحذرة مع حلول الأمم المتحدة.

وتقدم الدول الثلاث، التي تتفق حول إبعاد القوى الأجنبية من البلاد، فرص الدعم والتعاون للفاعلين المؤقتين في ليبيا بشأن أمن الحدود وتدفق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

على صعيد آخر، ترى الدول التي تعارض اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني أن وجود تركيا في ليبيا يمثل تهديدا لها على المدى الطويل.

وهي لذلك تتبنى خطابا يهدف إلى تضييق الخناق على النفوذ التركي في ليبيا ويعمل على تشويه صورتها وسمعتها عند الفاعلين المحليين والقضاء على مكاسبها.

وفي مواجهة هذا، يميز المسؤولون المهمون في ليبيا مثل رئيس الوزراء دبيبة ورئيس المجلس الرئاسي المنفي ورئيس مجلس الدولة الأعلى الليبي خالد مشري دور ومكانة تركيا في البلاد عن روسيا والقوى الأجنبية الأخرى.

ويصفون تركيا بأنها دولة تعمل في إطار الاتفاقيات الدولية.

ومن الأهمية بمكان أن تعمل الجهات الفاعلة التي تعطي الأولوية للعمليات المدنية والديمقراطية في سياسة البلاد، وخاصة حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، مع الدول الأوروبية وتتعاون مع الجهات الفاعلة البناءة في هذا الصدد.

وإن كان لا ينبغي أن ننسى أن الأولويات في السياسات الخارجية لهؤلاء الفاعلين تتشكل من خلال مصالحهم الخاصة بدلا من أولويات الدولة التي يعملون لأجلها. بحسب ما يراه الباحثان.

لذلك، يجب على ليبيا الحذر والعمل بما يتماشى مع أولوياتها الخاصة أثناء التعاون مع الجهات الفاعلة الأوروبية.

من ناحية أخرى، يمكن القول: إن الفاعلين أمثال الإمارات ومصر يمكن أن يلعبوا دورا في بناء ليبيا إذا وضعوا حدا لأنشطتهم التدميرية في البلاد وبدؤوا أجندة بناءة.

أخيرا، وجب التأكيد على أن تركيا تمثل الحليف الأهم في عملية استقرار ليبيا وإقامة نظام سياسي في إطار المؤسسات الديمقراطية.

_____________

مواد ذات علاقة