خالص جلبي

كانت القاضية الكنديَّة تقول في مهرجان توزيع الجنسيَّة على (85) مواطناً من (38) دولة: «إنَّنا نعلم أنَّكم ودَّعتم أوطاناً تحبونها ولكنَّكم تركتموها وراءكم ظهرياً بسبب ميثاق الحريَّة عندنا». ثمَّ تقوم بتسليم ميثاق الحريات بنقاطه العشر مع بطاقة الجنسيَّة الكنديَّة.

الجزء الأول

كانت القاضية الكنديَّة تنطق بكلمات واضحة بطيئة تكرّرها باللغتين الفرنسيَّة والإنكليزيَّة: أيُّها السيدات والسادة، نحن نعلم الرحلة الصعبة التي قطعتم، والأوطان الغالية التي فارقتم، طمعاً في مصير أفضل لتستقروا في هذا البلد الرائع. أيُّها الناس نحن فخورون بهذا الاستقطاب لثمانين إنساناً ينتمون إلى ما يزيد على ثلاثين جنسية.

وتابعت: دخلتم هذه القاعة مهاجرين، وتخرجون منها مواطنين مثلي، لا أتميّز عنكم بشيء. الحقّ أقول لكم ادخلوا هذا البلد بسلام آمنين، واعتنقوا الدّين الذي به تؤمنون، وتنقلوا واعملوا في أيّ مكان تحبُّون، وادخلوه وغادروه في اللحظة التي ترغبون، تعلموا قول الحق والعمل به، ولا تخشوا في ذلك لومة لائم. علموا أولادكم ذلك، وعلموهم محاربة كلّ ألوان التمييز العنصري والجنسي، كونوا حريصين.

وفي النهاية، ختمت القاضية خطبتها: والآن قوموا فليسلّم بعضكم على بعض، فقد أصبحتم بنعمة الله إخواناً. عندها لم يتمالك معظم مَن في القاعة عن إمساك دموعهم مبللة بذكريات مؤلمة من جمهوريات الخوف ودياسبورا التشرُّد. كان أكثرهم بكاءً عائلة فلسطينيَّة. كانت الخطبة تذكّر ببيعة الصحابة لرسول الله؟

هذا الكلام ليس دعاية للهجرة إلى كندا، فالناس يهرعون إليها من مشارق الأرض ومغاربها بأشدّ من جذب المغناطيس لبرادة الحديد بين قطبين: يأس من وطنٍ لم يبقَ فيه مكان للمواطنة، وأمل في وضع القدم في أرض الميعاد، يسبحون في تيَّار أطلنطي على ظهر مركب من ذهب، لينعموا ببلد يجمع بين سحر الطبيعة والنظام وكلّ الضمانات، تحتلُّ فيه كندا الرقم واحد في العالم بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، على الرغم من برده الزمهرير في درجة حرارة قد تصل شتاءً إلى 63 تحت الصفر، لا يشعر مواطنوه بذلك البرد الذي يضرب مفاصل المواطنين العرب في شتاء الشرق الأوسط الدافئ؛ فالحضارة كما نرى لا تعرف الجغرافيا.

لماذا يغادر الكندي بلده ويعود إليه في أيّ وقت يشاء، ومن دون تأشيرة؟ يعود هذا إلى مرسوم (الحريات والحقوق)، التي تُسلّم باليد كأوَّل وثيقة مع تهنئته على الجنسيَّة، تتضمَّن حقه في أن يغادر بلده كما يحلو له، فالوطن بيته، ومتى يُسأل الإنسان؟ وممَّن يأخذ إذناً بمغادرة بيته أو الإيواء إليه؟

أمَّا الحدود العربيَّة، فقد تحوَّلت إلى أسوار شاهقة لسجون كبيرة تحتجز مواطناً مسكيناً ويتيماً وأسيراً؟

ما معنى تأشيرة الخروج في البلاد العربيَّة؟ إنَّها مؤشر فاضح لمواطن مدانٍ سلفاً في سجن كبير يحتاج إلى تدقيق قبل مغادرة محبسه؛ للتأكد من أنَّه غير مطلوب للعدالة من دون عدالة، برسوم تقصم الظهر لدول تئنّ تحت العجز المالي تمدُّ يدها إلى آخر قرش من جيب مواطن مفلس!

فمن اثنتين وعشرين دولة عربيَّة يتراجع النمو في سبع عشرة منها، في وقت يتضاعف فيه السكان مرَّتين بحسب كتاب (فخ العولمة)، في مطلع ألفيَّة لا مكان فيه للعرب، بحسب شهادة المؤرخ باول كينيدي. إنَّها أجراس إنذار مفزعة لأناس فقدوا حاسَّة السمع؟

عند بوابات الحدود العربيَّة تطلُّ سحنة موظف عابس كاره لعمله؛ فيتسارع نبض المواطن العربي مع تسليم الجواز، ويجفُّ ريقه متظاهراً بالابتسام، في سحنة صفراء لا تسرُّ المستقبلين، ثمَّ تبلغ القلوب الحناجر في انتظار عودة الجواز، أو تدور الأعين كالذي يغشى عليه من الموت عندما يتأخَّر الجواز، فلعل المواطن مطلوب لجهة أمنيَّة!

ما معنى تسرُّب الكفاءات وهرب رؤوس الأموال ونزف الأدمغة وصدور أفضل الكتب والمجلات تطبع بالحرف العربي في مكان لا يوجد فيه ناطق واحد باللسان العربي؟

إنَّها رواية بائسة عن وطن بلا دماغ! فهل يمكن لكائن ممسوخ من هذا النوع أن يعيش؟

يقول المثل القوقازي: من يفقد وطنه يفقد كلَّ شيء، من دون حبل سرّي ومشيمة ثقافيَّة، يمشي فوق أرض من دون جاذبيَّة، فقد التوازن الخلَّاق، مُكبَّاً هائماً على وجهه، هل يستوي هو ومن يمشي معاً على صراط مستقيم؟ في ورطة من نوع محيّر، فلا الشرق يعجبه ولا الغرب يسعده، يعيش نفسيَّاً في الأرض التي لا اسم لها.

ما معنى تدفُّق المهاجرين العرب إلى كلّ أصقاع الأرض (يشكّلون 10% من سكان مونتريال في كندا)، وهم لا يعلمون؟ يحلمون بجنَّة أرضيَّة جديدة، بعد أن غادروا وطناً تحوَّل فيه بعضهم لبعض عدواً، بلجوء جوع إلى السويد وألمانيا، أو الاستعداد للزواج من أيَّة فتاة أجنبيَّة للقفز معها إلى المجهول هرباً من جمهوريات الخوف والجوع والبطالة، أو شراء جوازات سفر من الدومينيكان والأرجنتين بعشرات الآلاف من الدولارات من دون وجود، في تحصيل جنسيّات لعائلاتهم يأمنون بها على أنفسهم في الشرق المنكود؛ لعلّها تنفع يوماً إذا زلزلت الأرض زلزالها.

لو فتحت السفارة الكنديَّة أبوابها لهجرة مفتوحة من دون شروط في أيَّة عاصمة عربيَّة لزحف إليها كلُّ إنسان بين أعمار السادسة عشرة والـستّين، كأنَّهم جراد منتشر مهطعين إلى الداعي، يقولون هذه فرصة لا تفوَّت؟ في فرار من سفينة تهوي في رحلة موجعة إلى قاع المحيط بأسرع من غرق التايتانك.

المواطن العربي لا يتمتَّع اليوم بأيَّة حصانة، بما فيها الحاكم على رأس الهرم الاجتماعي، فلا ضمانة لأيّ إنسان أو لأيّ شيء في أيّ مكان أو زمان، في إحساس بالدوار، من دون أمل في معرفة الاتجاهات، معرضاً لهجوم أيّ حيوان ضارٍ، في غابة تتشابك فيها الأكواع، في وطن تفوح منه رائحة القلة والذلة، ويتنفس فيه الإنسان مع جزيئات الهواء أجهزة الأمن؟

مواطن بلا وطن، ليس عنده قوت يومه، غير آمنٍ على عياله، لا يعرف ماذا يحمل له المستقبل الأسود من هموم، خارج إحداثيات التاريخ والجغرافيا، يعيش ثقافة ميتة ودَّعت نبض الحياة، يعيش كي لا يعيش، لا يمرُّ يوم إلا والذي بعده شرٌّ منه، في رحلة تردٍّ لا تعرف التوقف، في حجم مشاكل أكبر من التطويق فوق مستوى من بيده القرار والحل.

وطن يتخرَّج فيه الطالب الجامعي من دون أمل في مرتب يوفر له سقفاً يظله، أو يمنحه إمكانيَّة بناء عائلة ينجب فيها أطفالاً سعداء يثقون بأنفسهم وبالحياة، في مجتمع يمشي باتجاه كارثة محققة!

لقد أصبح وضعنا مهزلةً للعالمين، في حجم النكتة من دون أن يضحك أحد. أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون؟

لقد عاش جيلنا كلاً من الوهم القومي الثوري وحمَّى الحركات الإسلاميَّة، وانتهى إلى إفلاس الاثنين، في مؤشرات حادَّة إلى أنَّ حالة المريض تزداد سوءاً واختلاطاً من دون دلائل انفراج في الأزمة، لينشأ جيل (الصدمة) أخطر ما فيه شعوره بأنَّ العلم لا قيمة له، ولا يدفع مسغبة الجوع، في وقت تدفع فيه أرحام الجامعات شباباً عاطلين إلى شوارع مكتظة بالفقراء.

ليس غريباً أن ينشأ تيار أشدُّ من المكنسة الكهربائيَّة، يشفط كلَّ العقول والأموال في تيار أطلسي أقوى من ظاهرة النينو باتجاه ديمقراطيات تضخ أكسجين الحياة، وتوديع ثقافة استبداد تعيش عصر بيعة الخليفة العباسي الواثق بالله لشعب وُلِدَ أخرس يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيَّاً؟

من يستطيع الهرب من الأوضاع يبحث عن الخلاص الفردي بين ركَّاب سفينة يتخاطفون أطواق النجاة، يلقي أحدهم بنفسه في اليم وهو مليم، فإن لم يهلك هو ماتت ذراريه في بطن الحوت الرأسمالي ما لم يكن من قوم يونس، أو غرق في لجج ثقافة غربيَّة تضرب سفينتنا الغارقة بموج كالجبال.

ليس أمامنا للنجاة في طوفان الحداثة إلا الانطلاق بمشروع بناء سفينة نوح من الفكر جديدة، ولكنَّ المشكلة ببساطة أنَّ نوحاً لا يعيش بين ظهرانينا، ونواجه مشاكلنا بخطب وأدعية من العصر المملوكي ودول الطوائف، وعقولنا مبرمجة في متاهات فئران التجربة، في قبضة مسلمات لا فكاك منها، نحتاج إلى ولادة جديدة من رحم امرأة عجوز عقيم في انتظار استنساخ أسطوري.

لقد تحوَّل الوطن، في أحسن أحواله، في عين المهاجر، إلى وقت قصير للاستجمام مع كلّ مغامرة الدخول المحفوفة بالخطر، للتمتع بطقس جميل لا فضل فيه للجهد البشري، واستعادة ذكريات الطفولة.

يعيش الفرد أجمل لحظاته في الطائرة إلى الوطن، وعند الخروج منه، عندما يكتشف بمرارة أنَّه لا يستحق أكثر من إجازة، فلقد كان في ما سبق وطناً، قد يتمنَّى أن يدفن فيه، لا أن يعيش فيه بحال!

اجتمعتُ بعائلة مهاجرة كنديَّة أنفقت عليها حكومتها بسخاء ورجعت بأعظم شهادة جامعيَّة، فلما رجعت إلى الوطن كانت المفاجأة أكبر من الصاعقة؛ فغادرت البلد بعد عدّة سنوات في حالة ذهول، وقد تبخَّرت من رؤوسها الأحلام الورديَّة، وتركت خلفها الشهادات الكبيرة للوطن؛ فهي تتكسب عيشها اليوم في محلٍّ لبيع ملابس الأطفال، في شهادة صاعقة عن مصير العلم في الوطن العربي الكبير.

***

خالص جلبي ـ كاتب ومفكر سوري، يحمل إجازة دكتور في الطب البشري والدراسات العليا (جراحة عامة) جامعة دمشق. نال إجازة بكالوريوس في الشريعة الإسلامية ـ جامعة دمشق. يؤلف ويكتب في مجال تنوير وتحرير العقل الإسلامي ونبذ العنف. صدر له العديد من الكتب منها (النقد الذاتي) (بناء ثقافة السلم). (الإيدز طاعون العصر) (عندما بزغت الشمس مرتين))مخطط الانحدار وإعادة البناء) (سيكولوجية العنف واستراتيجية العمل السلمي).

___________

مواد ذات علاقة